
مقال 10 دقائق للقراءة
من الأندلس إلى ـ.ـغـ.ـزة: قراءة في مرثية الرندي
إذا نظرنا في تاريخ الإسلام وجدنا أن الأمة قد ابتُليت، في بعض أطوارها، بمحنٍ عظيمة زلزلتها في أعماقها وأوشكت أن تعصف بها عصفاً. وكانت أولى هذه المحن تلك الحروب الصليبية التي امتدت بين أواخر القرن الحادي عشر وأواخر القرن الثالث عشر، حتى خُيّل لكثير من الناس يومئذ أن المسلمين قد فقدوا من القوة المعنوية ما لا يُسترد. ثم جاءت الكارثة الثانية حين اجتاح المغول بغداد سنة 1258، فقتلوا من أهلها خلقاً كثيراً، وخرّبوا من عمرانها ما لم يكن الناس يظنون أن يد الخراب يمكن أن تبلغه. وقد بلغ أثر هذه الفاجعة في النفوس مبلغاً عظيماً، حتى إن ابن الأثير، وهو من أجلّ مؤرخي الإسلام، كاد يعجز عن وصفها، وتمنى لو أنه لم يشهدها ولم يُضطر إلى تسجيلها في كتابه. ثم جاءت المحنة الثالثة، وهي التي كثيراً ما تغيب عن الذاكرة الإسلامية العامة، أعني سقوط الأندلس وما تبعه من طرد المسلمين واضطهادهم بين أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السابع عشر. فقد تحولت تلك البلاد التي كانت يوماً من أخصب مواطن الحضارة الإسلامية وأغناها علماً وفناً وعمراناً إلى مسرح للنفي و القمع و الإبادة. وإذا تأمل المرء ما يجري في عصرنا، فقد يرى أن التاريخ يكاد يضيف إلى هذه السلسلة مأساة رابعة، تتمثل في ما تشهده ـ.ـغـ.ـزة من قتل ودمار واسع النطاق. غير أن ثمة خيطاً يربط بين هذه المحن جميعاً، وهو أن الأمة الإسلامية لم تفقد، في أشد ساعاتها قسوة، قدرتها على الصبر والمقاومة. وكما اجتازت الحروب الصليبية، ونجت من زحف المغول، وصمدت أمام محاكم التفتيش وما تبعها من سياسات الإقصاء والاقتلاع، فإن كثيرين يرون أن ما يقع اليوم سيصبح هو أيضاً صفحة من صفحات التاريخ، وأن الشعوب التي تتعرض لهذه المحن ستظل متمسكة بأرضها وهويتها مهما طال البلاء. ومن طبيعة التاريخ أنه لا يقتصر على تسجيل أفعال الخصوم وحدهم، بل يحفظ كذلك مواقف القريب والبعيد، ويذكر من أعان ومن تخلى، ومن نصر ومن آثر الصمت. ولذلك فإن الذاكرة التاريخية لا تتوقف عند وصف المأساة نفسها، وإنما تتجاوزها إلى تسجيل مواقف الناس منها، أفراداً كانوا أم جماعات، حكاماً كانوا أم محكومين. ومن هنا تكتسب مرثية أبي البقاء الرندي قيمة تتجاوز المناسبة التي قيلت فيها. فهي ليست مجرد بكاء على أرض ضاعت أو دولة زالت، وإنما هي تأمل عميق في السنن التي تحكم حياة الأمم، وفي الأثمان التي تدفعها الشعوب حين تضعف عزائمها أو يتخلى بعضها عن بعض. ولهذا ما تزال هذه القصيدة قادرة على أن تثير في النفوس أسئلة تتجاوز عصرها، وأن تدفع القارئ إلى النظر في حاضره من خلال مرآة الماضي. وقد عرف المسلمون، بعد سقوط الأندلس، لوناً من الأدب امتلأ بالحزن والأسى، وكان من أبرز من عبّر عن هذا الشعور أبو البقاء صالح بن أبي شريف الرندي. فقد استطاع في قصيدته المشهورة أن يصور مأساة الأندلس تصويراً مؤثراً، لا لأنه وصف الخراب وحده، بل لأنه التفت أيضاً إلى ما رآه من تقصير وتخاذل بين المسلمين أنفسهم. فالمدن كانت تسقط، والناس كانوا يُقتلعون من أوطانهم، بينما كان آخرون يعيشون بعيداً عن هذه المحنة في أمن وطمأنينة.
مرثية الرندي وصمت الحكام
ولما سقطت الأندلس، وحل بالمسلمين فيها ما حل من نكبات، لجأ الشعراء إلى الشعر يسكبون فيه أحزانهم وآلامهم. وكان من أبرز هؤلاء أبو البقاء صالح بن أبي شريف الرندي، الذي استطاع في مرثيته المشهورة أن يصور المأساة تصويراً ظل حياً في الذاكرة قروناً طويلة. ولم يكن الرندي يرثي المدن المهدمة والقصور الخاوية وحدها، بل كان يرثي أيضاً ما رآه من تقاعس المسلمين عن نصرة بعضهم بعضاً. فقد رأى أن الألم لا ينشأ من قوة العدو وحدها، وإنما ينشأ كذلك من عجز القريب أو سكوته. ولهذا جاءت أبياته معبرة عن جرح مضاعف: جرح الاحتلال من جهة، وجرح الخذلان من جهة أخرى. وإذا كانت قصيدته قد قيلت في القرن الثالث عشر، فإن كثيرين ما يزالون يجدون فيها صدىً لمشكلات عصرهم، لأنها تتناول قضية تتجاوز زمانها ومكانها، هي قضية المسؤولية الأخلاقية حين يُرى الظلم ولا يُقاوم.
القانون الإلهي للصعود والسقوط
ويبدأ الرندي قصيدته بالبيت الذي صار أشهر أبياتها جميعاً: «لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ» وهذا البيت ليس مجرد افتتاح شعري، وإنما هو تقرير لسنة من سنن الحياة والتاريخ. فليس في الدنيا شيء يبلغ الكمال ثم يبقى على حاله، وليس فيها قوة تدوم إلى غير نهاية، ولا سلطان ينجو من التبدل والزوال. وهذا المعنى هو نفسه الذي يقرره القرآن الكريم حين يقول: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ولكن الناس، في أكثر الأحيان، ينسون هذه الحقيقة أو يتناسونها. فإذا أقبلت عليهم الدنيا ظنوا أنها ستدوم، وإذا نالوا سلطاناً أو ثراءً حسبوا أن ما بأيديهم باق لا يزول. ومن هنا يذكّرهم الرندي بأن النقص يتبع التمام، وأن الازدهار يحمل في داخله بذور الأفول، وأن الإنسان مهما بلغ من القوة سيعود في النهاية إلى ربه. ولذلك لم يكن عجيباً أن يربط الشاعر بين ازدهار الأمم وبين مسؤولياتها الأخلاقية. فالثروة والسلطان لا قيمة لهما إذا أورثا أصحابهما الغفلة أو صرفاهم عن واجباتهم. وما أكثر ما شهد التاريخ من دول بلغت الغاية في الغنى والقوة، ثم تهاوت لأنها نسيت أن القوة ليست امتيازاً فحسب، بل تكليف أيضاً.
الثروة والترف وإهمال الواجب
وهذا المعنى يتصل، في نظر كثيرين، بأحوال بعض الحكام في عصرنا. فدول مسلمة كثيرة أكثرها فى منطقة الخليج العربي، تُعد اليوم من أغنى دول العالم وأكثرها تمتّعاً بالثروة والنفوذ. وقد بنت من هذه الثروة ما يبهر الأبصار ويلفت الأنظار. غير أن السؤال الذي يطرحه أصحاب هذا الرأي ليس متعلقاً بحجم الثروة نفسها، بل بالمسؤولية التي تفرضها هذه الثروة. وهنا تعود كلمات الرندي لتتردد من جديد: «فَلَا يَغْتَرَّ بِطِيبِ الْعَيْشِ إِنْسَانُ» فالرخاء لا يدوم، والسلطان لا يبقى، وما من دولة أو حاكم استطاع أن يحتمي إلى الأبد بما يملك من مال أو قوة. ومن ثم فإن التاريخ، كما يراه الرندي، لا يحاسب الناس على ما امتلكوا فحسب، وإنما يحاسبهم كذلك على ما فعلوه بما امتلكوا. ثم يمضي الرندي يذكّر الناس بمصير الملوك والأمم التي كانت تملأ الدنيا قوة وهيبة، فيقول:
أَيْنَ الْمُلُوكُ ذَوُو التِّيجَانِ مِنْ يَمَنٍ وَأَيْنَ مِنْهُمْ أَكَالِيلٌ وَتِيجَانُ؟ وَأَيْنَ مَا شَادَهُ شَدَّادٌ فِي إِرَمٍ وَأَيْنَ مَا سَاسَهُ فِي الْفُرْسِ سَاسَانُ؟ وَأَيْنَ مَا حَازَهُ قَارُونُ مِنْ ذَهَبٍ وَأَيْنَ عَادٌ وَشَدَّادٌ وَقَحْطَانُ؟
وليست هذه الأسئلة التي يوردها الرندي في قصيدته من قبيل الزخرف البلاغي أو الترف الأدبي، وإنما هي دروس يريد أن يلقنها للناس. فهو يذكرهم بأن العظمة الدنيوية التي خُيل إلى أصحابها يوماً أنها باقية لا تزول قد آلت في النهاية إلى آثار وأطلال. وما جرى لأولئك يمكن أن يجري لغيرهم؛ لأن السلطة التي يظن الناس أنها دائمة ليست في حقيقتها إلا أمرًا عارضاً يمر كما مر غيره. وقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى معنى قريب من هذا. ففي كتابه ما بعد الشيوخ: الانهيار القادم للملكيات الخليجية، يلفت كريستوفر ديفيدسون النظر إلى الضغوط الداخلية والخارجية التي أخذت تنال من استقرار أنظمة الخليج وسلطتها. ويرى أن هذه الأنظمة، وقد اشتد تعلقها بأنماط الحياة الغربية وحرصها على المحافظة على نفوذها، تمضي في قمع جوانب من هويتها الدينية، وتستند إلى تحالفات يراها هشة وقابلة للاهتزاز. غير أن التاريخ، في رأيه، يدل على أن مثل هذه الوسائل لا تستطيع أن تحمي أصحابها إلى غير نهاية، لأن الشعوب لها أحكامها، ولأن لله في التاريخ سنناً لا تتبدل. ثم إن الرندي، وهو يتحدث عن مأساة الأندلس، سأل قائلاً: «أَعِندَكُمْ نَبَأٌ مِنْ أَهْلِ أَنْدَلُسٍ» وكان وراء هذا السؤال شعور بالألم من بطء انتقال الأخبار في عصره، حين كانت الرسائل تنتقل مع السفن والقوافل والركبان. أما اليوم فقد تغير الأمر كله. فما يقع في غزة يصل إلى العالم لحظة وقوعه تقريباً. وصور القتلى والجرحى، والمباني المهدمة، والمقابر الجماعية، تنتشر في الآفاق انتشاراً لا يدع مجالاً للاحتجاج بالجهل أو الادعاء بعدم العلم. ولهذا يرى أصحاب هذا الرأي أن العذر الذي قد يُلتمس لبعض حكام العصور الماضية بسبب البعد أو بطء الاتصال لم يعد قائماً في عصرنا. فهم يشاهدون ما يقع بأعينهم كل يوم، ومع ذلك لا يتجاوز كثير من مواقفهم حدود البيانات الرسمية التي يراها منتقدوهم قليلة الأثر. ولهذا يستحضر بعضهم بيت جرير المشهور:
زَعَمَ الفَرَزْدَقُ أَنَّهُ سَيَقْتُلُ مُرَبَّعًا أَبْشِرْ بِطُولِ سَلَامَة يَا مُرَبَّعُ
وهم الحماية الغربية
ويرى هؤلاء أيضاً أن المشكلة لا تقتصر على السكوت أو التقصير، وإنما تمتد إلى اعتماد بعض الحكام اعتماداً شديداً على القوى الغربية في حماية أنظمتهم وضمان بقائها. وهم يعدون هذا الاعتماد وهماً خطيراً؛ لأن الدول، في نظرهم، لا تتحرك بدافع العاطفة أو الوفاء، وإنما تتحرك وفق مصالحها. ولهذا يستشهدون بتصريحات صدرت في مناسبات مختلفة تؤكد أن قيمة الحليف عند القوى الكبرى إنما تُقاس بمقدار ما يقدمه من منفعة. فإذا زالت المنفعة أو ضعفت، تبدلت العلاقات وتغيرت المواقف. ومن هنا يرون أن الارتهان للحماية الخارجية يكشف عن نوع من الضعف السياسي، ويجعل صاحبه معلقاً بإرادة غيره أكثر مما هو معتمد على قوته الذاتية. ويظل سؤال الرندي قائماً بعد ذلك كله: «إِنْ كَانَ فِي الْقَلْبِ إِسْلَامٌ وَإِيمَانُ» فهو سؤال لا يتصل بالسياسة وحدها، وإنما يتصل كذلك بالضمير وبالمسؤولية الأخلاقية. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن كثيراً من الحكام في التاريخ الإسلامي، على ما عُرف عن بعضهم من الشدة أو الظلم، كانوا يستجيبون أحياناً لما يعدونه واجباً تجاه المسلمين إذا نزلت بهم نازلة. ويضربون لذلك أمثلة من التاريخ، ثم يقارنون بينها وبين ما يرونه من مواقف الحاضر. ومن هنا يخلصون إلى أن الأزمة ليست أزمة قدرة أو إمكانات فحسب، وإنما هي أيضاً أزمة إرادة وموقف. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن ما يجري في غزة قد بلغ من الوضوح حداً لا يترك مجالاً للاعتذار أو الالتباس. فالقتل والدمار والتشريد مشاهد يراها الناس جميعاً، ولا تحتاج إلى تفسير أو تأويل. ولهذا يذهب بعضهم إلى أن صمت الأنظمة الإسلامية أو تعاونها مع القوى التي يعدونها مسؤولة عن هذه الأحداث يثير أسئلة عميقة حول معنى التضامن الإسلامي وحدوده. ويستشهدون في هذا السياق بآراء وفتاوى صدرت عن بعض العلماء المعاصرين. وعلى هذا الأساس يرى هؤلاء أن بعض المواقف السياسية الراهنة لا تمثل مجرد خطأ أو تقصير، بل تمثل خيانة للمبادئ التي يُفترض أن تقوم عليها وحدة الأمة.
خاتمة
وهكذا يعود الكاتب إلى الفكرة التي بدأ منها: أن التاريخ يعيد بعض مشاهده وإن اختلفت الأسماء والأمكنة. فالثروة تزول، والسلطان يتبدل، والممالك التي تبدو راسخة قد تصبح بعد حين خبراً من أخبار الماضي. أما الذين يقصرون في أداء واجباتهم أو يتخلون عن المبادئ التي يعلنون التمسك بها، فإن التاريخ لا يذكرهم إلا على سبيل العبرة والتحذير. ومن هذا المنظور تُقرأ مرثية الرندي لا بوصفها وثيقة تنتمي إلى الماضي وحده، بل بوصفها نصاً يستطيع كثيرون أن يروا فيه صورة من الحاضر أيضاً. فهي تذكر بأن الظلم لا يدوم، وأن القوة مهما عظمت ليست أبدية، وأن أحكام التاريخ والذاكرة أبقى من مظاهر النفوذ والترف. ومن الطبيعي أن يشعر الإنسان بالحزن حين يواجه مشاهد تتجاوز حدود الاحتمال. فمن العسير أن يستيقظ المرء كل يوم وهو لا يدري ما الذي سيأتي به اليوم التالي، أو أن يرى أناساً يبيتون وهم لا يعلمون هل سيستقبلون صباحاً جديداً أم لا. ومن العسير كذلك أن يشهد الآباء والأمهات مقتل أبنائهم وخراب بيوتهم، وأن يرى صور الألم التي تتكرر في أوقات الحروب والكوارث. وهذه المشاهد كلها تترك في النفوس حزناً عميقاً وأسئلة كثيرة قد لا تجد جواباً سريعاً. ومع ذلك، فإن التصور الإسلامي للنصر لا يقف عند النتائج المباشرة للمعارك أو عند موازين القوة الظاهرة. فالتاريخ الإسلامي، كما يفهمه المؤمنون، حافل بمحن أعقبتها انفراجات، وبنكبات تبعتها عودة وتجدد. ولهذا يرى كثير من المسلمين أن ما يجري اليوم، على قسوته وشدته، لا يمنع من التطلع إلى مستقبل أفضل، ولا يحول دون الأمل في أن تنتهي هذه المحنة كما انتهت محن كثيرة قبلها. ومن ثم فإن قراءة مرثية الرندي لا تقتضي الوقوف عند الحزن وحده، وإنما تفسح المجال أيضاً لمعاني الصبر والثبات والرجاء. ولو قُدّر للرندي أن يشهد هذه الأحداث، لعل قصيدته ما كانت تقتصر على الرثاء، بل لربما جمعت إليه أملاً في الخلاص وتطلعاً إلى مستقبل يخرج فيه المظلومون من محنتهم. وهذا هو المعنى الذي يريد أصحاب هذا الرأي أن يبقى حاضراً في الأذهان.
- د.ع.م
- من مدونة islamicliterarysociety
