
مقال دقيقتان للقراءة
رحـــــــلــة الإنسان بين الكبد واليقين
والحياة الدنيا مزرعة تتقلب بأهلها بين زفرات الفراق وبسمات اللقاء، وما صفا لبشرٍ فيها عيش قط، إلا من انشرح صدره بنور المعرفة واليقين، ولسان حاله ومقاله يقول: ما أهون الدنيا على من عرف قدرها...
ولولا أن جعل الله فيها من ينابيع الأنس بالقرب منه، ومن سخرهم رفقةً صالحةً يعينون على طاعته، لتفطرت القلوب حسرةً على ما فات، ولما استطاع العبد أن يخطو فيها خطوة واحدة مطمئنة.
وقد أُثر عن سلف هذه الأمة من اليقظة القلبية ما يجعل زينة الدنيا في أعيُنهم هينة؛ فعن الحسن البصري -رحمه الله- أنه قال: "مَن عَرَفَ رَبَّهُ أَحَبَّهُ، وَمَن عَرَفَ الدُّنيَا زَهِدَ فِيهَا"، وقال في وصف حال المؤمن: "المؤمن في الدنيا كالأسير لا يَفكّ أسره شيء، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله عز وجل".
ألا ترى كيف أن العاقل إذا دخل دار ضيافةٍ عابرة لم يُعلق قلبه بزخرفها، ولم يحزن لخرابها؟ فالدنيا ليست بدار قرار، بل هي قنطرة تُعبر، وما أصدق ما قال الله سبحانه عن حالها في قولِهِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
فيا مسكين، إلى متى الركون إلى دارٍ تُضحك قليلاً وتُبكي طويلاً؟ تُؤمِّل فيها بقاءً فترميك بسهام الفناء، وتُغريك بزهرتها فإذا هي سراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجد شيئاً.
فطوبى لمن اتخذ من طاعة مولاه حصناً، ومن لِجَاءِ الذكر مأوىً، وجعل همّه رضى رب العالمين، فهناك في الجنة يُقال لأهل الصبر واليقين: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾...
اللهم إنا نسألك نفوساً مطمئنة تؤمن بلقائك، وتقنع بعطائك، وترضى بقضائك. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
اللهم ارزقنا صحبة الصالحين، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين... 🌸
