دمع الصبار
دَمْعُ الصَّبَّارِ
قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
بَقَلَمِ د. حُسَيْن مُوسَى
صَارَ لِزَاماً عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ ذَاتَهُ المَتَنَاثِرَةَ؛ فَالصُّدُوعُ قَدْ أَتَتْ عَلَى صُخُورِ رُوحِهِ فَتَشَقَّقَتْ تَمَاماً كَمَا هِيَ أَحْوَالُ الطَّبِيعَةِ عِنْدَمَا تَأْتِي عَلَى رَوَاسِي الأَرْضِ فَتُحِيلُهَا إِلَى أَشْيَاءَ. فَمَا عَصَفَ بِهِ هُوَ خَلِيطٌ مِنْ مَبَادِئَ عَقَدِيَّةٍ وَمَتَاعِ الحَيَاةِ الغَارِبِ أَمَامَهُ كَنَهَارٍ هَارِبٍ مِنْ عُتْمَةِ اللَّيْلِ، وَبَاتَ لَهْواً وَمَتَاعاً يَمُرُّ أَمَامَ نَاظِرَيْهِ حَتَّى عَادَ ذَاكَ المُفْلِسُ أَوْ مِنَ الأَخْسَرِينَ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ خِزْيٌ وَهُوَ وَبَالُ العَذَابِ.
خَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّ الحَيَاةَ غَيْرُ مُنْصِفَةٍ، تُرَاوِدُهُ أَلْفُ حُلْمٍ وَحُلْمٍ حِينَ طَفِقَ بِنَظَرِهِ فِي حَيَاةِ المَدِينَةِ، وَقَصَفَتْ أُذُنَيْهِ أَصْوَاتُ الضَّحَكَاتِ المُنْطَلِقَةِ مِنْ دَكَاكِينِ اللَّيْلِ؛ حَيْثُ اسْتَتَرَ ذَوُو الهُمُومِ خَلْفَ جُدْرَانِ بُيُوتِهِمُ البَارِدَةِ، لَعَلَّ الصَّقِيعَ قَدْ يُؤَجِّلُ ذَوَبَانَهَا، أَوْ لَرُبَّمَا جَمَّدَ صَلَفَهَا إِلَى بَعْضِ حِينٍ، أَوْ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهَا اللَّيْلُ لِيُخَدِّرَهَا بِسُكُونِهِ وَرَهْبَتِهِ فَتَتَمَتَّعَ بِبَعْضِ السُّكُونِ الَّذِي تُحْدِثُهُ سِنَةُ النَّوْمِ.
يَا إِلَهِي! هُنَاكَ بَعْدُ مَنْ يَضْحَكُ أَوْ يَعِيشُ لِسَاعَاتٍ مُتَأَخِّرَةٍ أَجْوَاءَ السَّمَرِ، فَكَيْفَ ذَاكَ وَالجَمِيعُ يَشْكُو القِلَّةَ كَحَالِهِ أَوْ حَالِ أَقْرَانِهِ مِنَ البُسَطَاءِ الَّذِينَ لَفَظَتْهُمُ الفَاقَةُ، وَبَاتَتْ أَنْعَامُ اللهِ مُجَرَّدَ أَطَايِيبَ يَتِمُّ التَّعَرُّفُ عَلَيْهَا فِي كُتُبِ العُلُومِ وَالطَّبِيعَةِ، أَوْ تَأْتِي مَعَ نَسَمَةِ الجُوعِ تُزَكِّي وَتَزْكُمُ الأُنُوفَ؟!
أَلِهَذَا كَانَتِ الأَنْعَامُ غَالِيَةً لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ وَأَمْراً صَعْبَ المَنَالِ؟ وَكَيْفَ لِعَبِيدِ اللهِ أَنْ يَحْصُلُوا عَلَيْهَا بِيُسْرٍ أَمْ بِعَنَاءِ جَهْدٍ؟ أَوَلَيْسَ خَلْقُ الأَنْعَامِ جَاءَ مَقْسُوماً لِلْعَامَّةِ وَالخَاصَّةِ وَهُوَ يَشْتَرِطُ بِهَا الإِيمَانَ؟ أَمْ هُنَاكَ أَنْعَامُ رِزْقٍ لِلْجَمِيعِ وَلِلُّزُومِ شَرْطِهَا الحَلَالِ وَالحَرَامِ؟ أَيُّ جَدَلِيَّةٍ فِي الخَلْقِ هَذِهِ، وَهَلْ إِنَّنَا لَمْ نَدْفَعِ الثَّمَنَ الإِيمَانِيَّ كَمَا يَجِبُ؟!
كَانَتِ الأَسْئِلَةُ العَقَدِيَّةُ مُتَوَاتِرَةً تَدُقُّ فِنَاءَ رَأْسِهِ وَتَصِلُ إِلَى خَلَجَاتِ قَلْبِهِ المَتَكَسِّرَةِ كَقِطْعَةِ الخُبْزِ الجَافَّةِ الَّتِي سَدَّ بِهَا رَمَقَ جُوعِهِ. انْتَعَلَ حِذَاءَهُ عَلَى عَجَلٍ وَيَمَّمَ صَوْبَ السُّهُولِ حَيْثُ البَسَاتِينُ، عَلَّهُ يَحْظَى بِبَعْضِ الهُدُوءِ النَّفْسِيِّ لِيَحُلَّ شِفْرَةَ حَالِهِ؛ فَهَذَا بُسْتَانُ الجَنَّةِ عَامِرٌ، وَذَاكَ أَقَلُّ خُصُوبَةً، وَذَاكَ قَدْ تَمَّ اقْتِطَاعُ أَشْجَارِهِ لِتَصْبَحَ وَقُوداً لِلتَّدْفِئَةِ، فَارْتَدَّ عَلَى آثَارِهِ وَأَطْلَقَ حُكْمَهُ العَقَدِيَّ بِأَنَّ هَذَا قَدْ قَالَ مَا شَاءَ اللهُ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَذَلِكَ جَحَدَ، وَآخَرُ كَفَرَ.
وَهَلْ دَخَلَ الكُفَّارُ وَأَهْلُ الغَرْبِ جَنَّاتِهِمْ وَصَدَحُوا بِالشُّكْرِ وَالمَشِيئَةِ لِلَّهِ وَهُمْ أَحَالُوهَا إِلَى مَرَاتِعَ لِلَّهْوِ وَالمُجُونِ كَحَالِ إِبْرَاهِيمَ؟ لَمْ تَكُنِ الإِجَابَةُ شَافِيَةً، حَيْثُ نَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ وَقَالَ: «هَذَا رَبِّي»، وَلَمَّا أَفَلَ النَّجْمُ عَادَ إِلَى تَوَاتُرِ إِيمَانِهِ بِأَنَّ اللهَ لَا يَغِيبُ، إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الكَثِيرِ لِلإِجَابَةِ عَلَى أَسْئِلَتِهِ العَقَدِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَكْفُرَ أَوْ أَنْ يَصْبَحَ كُفْرُهُ بَائِناً قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الحَدُّ بِالرِّدَّةِ، يَتَعَلَّقُ بِأَدْنَى الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ تَدْخُلَ بَابَ الرِّضَا فِي رُوحِهِ المَتَكَسِّرَةِ وَقَلْبِهِ.
حَاوَلَ أَنْ يَبْحَثَ فِي مَعَايِيرِ النَّفْسِ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ: كَاسِيَاتٍ عَارِيَاتٍ وَلَكِنَّهُنَّ مَصْدَرُ المَسَرَّةِ وَالفَرَحِ، وَأُولَئِكَ اللَّوَاتِي يَنْتَقِبْنَ وَكَأَنَّهُنَّ يُخْفِينَ قُبْحَ أَلْسِنَتِهِنَّ أَوْ يُغْلِقْنَ مَقَالاً عَنِ النَّكَدِ المُتَأَصِّلِ فِيهِنَّ رَغْمَ مَا أُوتِينَ مِنْ جِنَانٍ! أَهْوَى الجَحْدَ الَّذِي نَمَا كَنَبْتَةِ صَبَّارٍ، وَبَاتَ شَوْكُهُ الصَّغِيرُ وَغَيْرُ الظَّاهِرِ هُوَ دَيْدَنَهُ، وَلَرُبَّمَا امْتَلَكَ أَوَّلَ قَنَاعَةٍ تَفْصِلُ بِأَنَّ الخَلْقَ لَيْسَ خِمَاراً وَلَا حِجَاباً.
مَا مَلَّ يَتَسَاءَلُ: هَلْ نَحْتَاجُ إِلَى حَاكِمٍ لِيَكُونَ العَدْلُ فِي النُّفُوسِ وَالتَّصَرُّفَاتِ؟ وَمَا إِنْ تَبَادَرَ السُّؤَالُ عَلَى ذِهْنِهِ، تَلَفَّتَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً وَاسْتَعَاذَ بِاللهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ هَتَكَ حِجَابَ المَحْظُورَاتِ. الوَاضِحُ أَنَّ هَذَا الِاسْتِنْتَاجَ قَدْ بَلَغَ عَيْنَ الحَقِيقَةِ عِنْدَمَا غَابَ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنَ السُّؤَالِ عَنْهُ وَسِرِّ اخْتِفَائِهِ اللَّعِينِ، وَبَاتَ يُسْتَعَاذُ مِنْ ذِكْرَاهُ كَشَيْطَانٍ رَجِيمٍ، وَلَيْسَ حَقَّ اليَقِينِ أَنِ اسْتُرْشِدَ كَمَا أُمِرْنَا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾.
صَدَقَ اللهُ العَظِيمُ.
انْتَهَى
(د. حُسَيْن مُوسَى - كَاتِبٌ وَشَاعِرٌ وَصَحَفِيٌّ فِلَسْطِينِيٌّ)

6