الأماكن التي حفظت شخصياتنا القديمة
ثمة أماكن لا أشتاق إليها لأنني أحبها فحسب،
بل لأن جزءًا مني ما زال يعيش هناك.
ليس المكان ذاته ما يستوقفني،
بل تلك النسخة القديمة مني التي تركتها على أحد المقاعد،
أو عند نافذةٍ كانت تعرف وجهي جيدًا،
أو في طريقٍ عبرته يومًا وأنا أحمل أحلامًا مختلفة عمّا أحمله الآن.
أعود إليها أحيانًا، فأشعر بغرابةٍ حلوة.
كأنني أزور شخصًا عرفته جيدًا في الماضي.
أقترب منه...
ثم أكتشف أنه أنا.
أنا الذي كنت أخاف من أشياء لم أعد أذكرها.
أنا الذي كانت تنتظر أمورًا ظنّت أنها ستغيّر العالم.
أنا الذي كانت تحمل بعض الخسارات وكأن العمر سيتوقّف عندها.
ثم حدثت الحياة.
بهذا الهدوء الذي لا نشعر به إلا متأخرين.
ومرّت الأيام وهي تسحبنا برفقٍ من يدٍ إلى أخرى، ومن فكرةٍ إلى أخرى، ومن قلبٍ إلى قلب.
حتى كبرنا.
لا أعني كبر العمر.
بل ذلك النوع الخفي من النضج الذي يحدث دون إعلان.
حين تكفّ بعض الأشياء عن إيذائنا.
وحين تفقد بعض المخاوف سلطتها علينا.
وحين نمرّ بجوار ما كان يشغل قلوبنا يومًا كاملًا، فلا يهتز في داخلنا شيء.
أحيانًا أفكر أن الأماكن تحتفظ بسرّ لا ننتبه له.
هي لا تشهد على ما عشناه فيها فقط...
بل تحفظ عدد المرّات التي تغيّرنا فيها ونحن لا نشعر.
وكلما عدنا إليها، أعادت إلينا لمحةً خاطفة من أنفسنا القديمة، لا لنشتاق إليها، بل لندرك المسافة الطويلة التي قطعناها منذ ذلك الحين.
وعندها فقط...
نفهم أن أجمل ما فعلته بنا الحياة لم يكن ما منحته لنا.
بل ما علّمتنا أن نتجاوزه.❄️🌨️🤍 #أدب #مجتمع_عام #لآلئ_اليوم #تلميحة_مجتمع

6