
مقال دقيقتان للقراءة
حين يغادر الأنسان نفسه
ليس كلُّ ألمٍ يُقاس بحدَّته، فبعض الآلام لا تصرخ، ولا تترك أثرًا على الجلد، ولا تُرى في صورة أشعة أو تقرير طبي، ومع ذلك تهدم في الداخل مدنًا كاملة. إنها الآلام التي لا تكتفي بأن تسكن الإنسان، بل تسكن مكانه، حتى إذا سأل نفسه: من أنا؟ وجد السؤال أكبر من قدرته على الإجابة.
هناك لحظةٌ لا يعود الألم فيها حادثةً تقع للإنسان، بل يصبح البيئة التي يعيش فيها. يذوب الحدُّ الفاصل بين الوجع والوعي، فلا يعود المرء يشعر بأنه يتألَّم، بل يشعر بأنه هو الألم نفسه. ومن هنا تبدأ أخطر رحلةٍ قد يخوضها الإنسان: رحلة الابتعاد عن ذاته وهو ما يزال يسكنها. ليس هذا جنونًا، وليس فقدانًا للعقل، بل انفصالٌ صامت بين الإنسان ونفسه. يبقى العقل حاضرًا، لكنه عاجزٌ عن قيادة السفينة، وتبقى الروح حيَّة، لكنها تتحدث بلغةٍ لا يسمعها أحد، حتى صاحبها. إنه ألمٌ مفصلي، لا لأنه يصيب المفاصل، بل لأنه يقف عند مفصل الوجود. يفصل بين الإنسان الذي كان يعرف نفسه، والإنسان الذي صار يبحث عنها. قبله كانت الحياة تسير، وبعده صار كلُّ شيءٍ يحتاج إلى تفسير، حتى أبسط المشاعر وأقرب الذكريات.
في هذه المرحلة، تصبح الحقيقة أقلَّ يقينًا، والخيال أكثر إقناعًا. لا لأن الإنسان فقد تمييزه، بل لأن الألم يعيد رسم حدود العالم من حوله. الأشياء هي هي، لكن معناها يتبدل، والوجوه هي الوجوه، لكن دفأها يغيب، والكلمات تُقال، غير أنها لا تبلغ القلب. والمفارقة أن أشدَّ ما يؤلم في هذا الألم أنه لا يسمح للإنسان حتى أن يصفه كما ينبغي. فاللغة نفسها تضيق به، والكلمات تبدو أصغر من أن تحمل ثقله. لذلك يصمت كثيرون، لا لأنهم لا يملكون ما يقولون، بل لأن ما يشعرون به أكبر من أن يُقال. ومع ذلك، يبقى في الإنسان شيءٌ لا يهزمه الألم بسهولة. شيءٌ يشبه الجذوة المختبئة تحت الرماد، قد يخفت نورها، لكنها لا تنطفئ. وربما لا تكون النجاة في العودة إلى الشخص الذي كنا عليه، فبعض الجسور إذا انهارت لا تُبنى بالشكل نفسه، وإنما في اكتشاف صورةٍ جديدة للذات، أكثر عمقًا، وأكثر معرفةً بضعفها وقوتها معًا. إن الألم لا يملك الحق في تعريف الإنسان، مهما طال بقاؤه. قد يحجبه، وقد يربك صوته، وقد يؤخر خطواته، لكنه لا يستطيع أن يكون هويته الأخيرة. فالإنسان أكبر من جراحه، وأوسع من عثراته، وأعمق من كل ما يمر به. وربما كانت الحقيقة التي لا نكتشفها إلا متأخرين هي أن أخطر أنواع الألم ليس ما يجعلنا نبكي، بل ما يجعلنا نغيب عن أنفسنا ونحن نظن أننا ما زلنا حاضرين.
وعندها تبدأ الرحلة الأصعب: ليست رحلة البحث عن الشفاء، بل رحلة العودة إلى الذات... تلك الذات التي لم ترحل يومًا، وإنما اختبأت طويلًا خلف ستار الألم تنتظر من يناديها باسمها الأول.
قلم / احمد عزيز الدين احمد كاتب وروائي وشاعر
