الاكتناز القهري... حين تتحول الأشياء إلى قيود تسكننا
ليس كل ما نحتفظ به نحتاج إليه، وليس كل ما نخشى فقدانه يستحق أن نبقيه في حياتنا؛ فثمة أشياء تنتهي صلاحيتها منذ زمن، لكننا نظل نحتفظ بها، وكأننا نخشى أن نتخلى عن جزء من ذاكرتنا إذا تخلّصنا منها.
الاكتناز القهري ليس مجرد فوضى تعم أركان المنزل، أو هواية في جمع الأشياء القديمة، بل هو حالة تتجاوز حدود الترتيب والتنظيم، لتصبح علاقة معقدة بين الإنسان ومقتنياته، علاقة يحكمها الخوف والتعلق والتردد.
تجد صاحب هذه الحالة يحتفظ بقطعة أثاث متهالكة، وصحيفة تجاوزها الزمن، وثوب لم يعد صالحاً للاستعمال، وأدوات فقدت وظيفتها منذ سنوات، لكنه لا يستطيع التخلي عنها؛ فكل قطعة في نظره تحمل احتمالاً لمستقبل مجهول، أو ذكرى من ماضٍ لا يريد مغادرته.
وهكذا تتراكم الأشياء شيئاً فشيئاً، حتى تضيق المساحات، وتختنق الغرف، وتفقد البيوت وظيفتها الأساسية بوصفها أماكن للراحة والسكينة، وتتحول إلى مستودعات مزدحمة بما لا نحتاج إليه.
ولعل المفارقة المؤلمة أن الإنسان الذي يكدّس الأشياء ظناً منه أنه يحافظ عليها، قد ينتهي به الأمر إلى أن تصبح هي التي تستحوذ على مساحته وراحته ووقته.
إن المشكلة لا تكمن في الأشياء ذاتها، وإنما في العجز عن الاستغناء عنها، وفي الخوف الذي يجعل الإنسان أسيراً لمقتنيات لم تعد تضيف إلى حياته شيئاً.
وإذا كان الاحتفاظ ببعض الأشياء تعبيراً عن الوفاء للذكريات، فإن تحويل الذكريات إلى أعباء مادية يحرم الحاضر من حقه في الحياة.
نحن بحاجة إلى أن ندرك أن قيمة الأشياء ليست في بقائها إلى الأبد، بل في مقدار ما تقدمه لنا من منفعة أو معنى. فليس كل قديم ثميناً، وليس كل جديد ضرورياً، وليس كل ما نملكه يستحق أن نمنحه مساحة من أعمارنا.
إن التحرر من الاكتناز لا يعني محو الماضي أو التنكر للذكريات، بل يعني أن نتعلم كيف نحتفظ بما يستحق، ونترك ما انتهى دوره بسلام.
فالحياة لا تتسع لمن يحمل كل شيء معه؛ أحياناً يكون التخلص مما لا نحتاج إليه بداية حقيقية لاستعادة مساحة الحياة التي فقدناها بين أكوام الأشياء.
@المتابعون #لآلئ_اليوم
148