خريف
حين يبدأ الهواء في فقدان حرارته المعهودة، وتكتسي السماء بلون حالم يمزج بين الرمادي الخفيف وزرقة الشفق الباهت، يُطلّ الخريف بخطواته الهادئة كضيف ثقيل الحضور، خفيف الظل.
ليس الخريف مجرد فصل، بل هو حالة وجدانية متكاملة؛ إنه إعلان طبيعي عن أن التغيير ليس بالضرورة نهاية، بل هو استراحة واعية. تتناثر أوراق الشجر الصفراء والحمراء على الأرصفة كرسائل مبعثرة، تعزف تحت أقدام المارة مقطوعة موسيقية خفيّة تشبه حفيف الذاكرة.
كل ورقة سقطت لم تكن تموت سدىً ؛بل كانت تعيد كتابة قصتها مع الأرض، تمنحها الدفء والخصوبة استعداداً لدورة حياة جديدة.
في خريف العمر، أو في خريف الأيام، نكتشف أن هذا الفصل يعلمنا فن الاستغناء؛ فالشجر لا يبكي أوراقه الراحلة، بل يحررها بثقة لأنه يعلم أن الربيع ليس سوى وعدٍ مؤجل ، يتراجع صخب الصيف وتزول عنه بهرجته السريعة؛ ليفسح المجال لعمق التأمل وجلسات المساء الدافئة بجانب النوافذ حيث تتوحد رائحة الأرض المبللة بقطرات المطر الأولى مع فنجان قهوة ساخن.
الخريف هو رفيق الشجعان، لأنه يمنحنا الجرعة الكافية من الهدوء لنواجه ذواتنا، ونرتب فوضى قلوبنا كما تُرتّب الطبيعة غاباتها، بهدوء، وبأناقة كاملة، وفي انتظار فجر جديد.
@المتابعون

44