
مقال 6 دقائق للقراءة
نساء فلسطين... إرادة لا تعرف الحدود من عبير قواس إلى آلاف الفلسطينيات...
حكاية وطن تصنعها النساء بالعلم والإبداع والقيادة. ليست فلسطين مجرد حكاية وطن يسكن الذاكرة، وليست الهوية الفلسطينية اسما تحمله الأجيال من جيل إلى جيل فحسب، بل هي إرادة متجددة، وعزيمة لا تنكسر، وحضور إنساني يتجاوز حدود الجغرافيا، ليؤكد للعالم أن الشعوب التي تؤمن بقدرات أبنائها وبناتها لا تستطيع الحواجز أن تحد من طموحها.
وحين نتحدث عن فلسطين، فإننا نتحدث عن المرأة الفلسطينية التي لم تكن يوما على هامش الحكاية، بل كانت وما زالت في قلبها، شريكة في صناعة الحياة، وحارسة للهوية، وصانعة للوعي، وقوة فاعلة في ميادين العلم والثقافة والإبداع والعمل المجتمعي والقيادة.
إنها المرأة التي لم تختصرها المعاناة، ولم تحاصرها الظروف، ولم تمنعها المسافات من أن تكون حاضرة في المشهد الإنساني والعلمي والثقافي والسياسي، أينما وجدت.
عبير قواس... حين تتحدث الجذور بلغة الإنجاز
في الرابع من نوفمبر 2026، برز اسم الفلسطينية الأمريكية عبير قواس مع إعلان فوزها بمقعد الدائرة الثانية عشرة في مجلس شيوخ ولاية نيويورك، في إنجاز لافت يعكس حضور الكفاءات الفلسطينية في المؤسسات العامة الأمريكية.
تنحدر عبير قواس من عائلة فلسطينية عرفت تجربة اللجوء والهجرة، ونشأت في نيويورك، وحملت معها جذورها وهويتها إلى فضاء العمل المجتمعي والدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وحقوق المهاجرين والعمال.
وتكتسب تجربتها أهميتها من كونها نموذجا لامرأة فلسطينية استطاعت أن تشق طريقها في مجتمع متعدد الثقافات، وأن تصل إلى موقع تشريعي مؤثر من خلال العمل والمشاركة العامة.
إن قصة عبير ليست مجرد خبر انتخابي عابر، بل نافذة نطل منها على قدرات المرأة الفلسطينية التي استطاعت أن تحول تحديات الهوية والغربة إلى دافع للحضور والمشاركة وصناعة التأثير.
فالفلسطيني الذي يحمل وطنه في وجدانه لا يفقد انتماءه حين يعبر الحدود، والمرأة الفلسطينية التي تصل إلى مواقع المسؤولية لا تنفصل عن جذورها حين تتقدم في ميادين العلم والعمل.
المرأة الفلسطينية في الوطن... صانعة الحياة وسط التحديات
في غزة، حيث تتعاظم التحديات الإنسانية والمعيشية، تقف المرأة الفلسطينية في مقدمة مشهد الصمود والعطاء. هناك الأم التي تحمي ما تبقى من تفاصيل الحياة، والمعلمة التي تتمسك برسالة التعليم، والطبيبة التي تؤدي واجبها الإنساني، والصحفية التي تنقل الحقيقة، والمتطوعة التي تمد يدها للمحتاجين، والمرأة التي تحاول أن تعيد بناء الأمل من بين الركام.
وفي الضفة الغربية والقدس، تواصل المرأة حضورها في الجامعات والمؤسسات والمراكز الثقافية والمجالات الاقتصادية والاجتماعية، وتؤكد أن المعرفة والعمل والإبداع أدوات أساسية لبناء المجتمع وصيانة هويته.
إن المرأة الفلسطينية في الوطن لا تحتاج إلى كلمات الإعجاب وحدها، بل تحتاج إلى فرص حقيقية، ودعم مؤسسي، وحماية لحقوقها، ومساحات عادلة تستطيع من خلالها أن تطلق طاقاتها وتحقق طموحاتها.
المرأة الفلسطينية في الشتات... وطن يحمله الإبداع
أما في الشتات، فقد استطاعت المرأة الفلسطينية أن تصنع لنفسها حضورا في جامعات العالم ومراكز البحث والمؤسسات الطبية والقانونية والإعلامية والثقافية.
نجدها أستاذة جامعية، وباحثة علمية، وطبيبة، ومهندسة، ومحامية، وصحفية، وكاتبة، وفنانة، وسيدة أعمال، وناشطة في المؤسسات الإنسانية والحقوقية.
تتعدد الأسماء والبلدان والتجارب، لكن القاسم المشترك بينها هو الإيمان بالقدرة على الإنجاز، والحرص على الحفاظ على الهوية الفلسطينية، والمشاركة الإيجابية في المجتمعات التي تعيش فيها.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل التجربة الفلسطينية: أن الانتماء إلى الوطن لا يتعارض مع النجاح في العالم، وأن الاندماج في المجتمعات الأخرى لا يعني التخلي عن الجذور، وأن المرأة تستطيع أن تكون سفيرة لقيم مجتمعها من خلال علمها وأخلاقها وعملها وإبداعها.
من الاعتراف بالإنجاز إلى صناعة الفرص
إن الاحتفاء بالمرأة الفلسطينية لا ينبغي أن يتوقف عند التصفيق للناجحات أو تداول أخبار إنجازاتهن، بل يجب أن يتحول إلى مشروع ثقافي ومجتمعي مستدام.
نحتاج إلى مؤسسات تحتضن المواهب النسوية، ومنصات إعلامية توثق التجارب الملهمة، وبرامج تعليمية وتدريبية تفتح الأبواب أمام الفتيات، وشبكات تواصل تجمع الكفاءات الفلسطينية في الداخل والشتات.
كما نحتاج إلى تجاوز النظرة التقليدية التي تحصر المرأة في أدوار محددة، أو تقيس حضورها بمعايير اجتماعية ضيقة، فالكفاءة لا جنس لها، والنجاح لا وطن جغرافي يحده، والقيادة مسؤولية تستحقها كل امرأة تمتلك العلم والخبرة والقدرة.
إن بناء مجتمع فلسطيني قوي يبدأ من إتاحة الفرصة لجميع طاقاته، رجالا ونساء، ومن الإيمان بأن المشاركة الحقيقية ليست شعارا، بل ممارسة تقوم على العدالة والاحترام وتكافؤ الفرص.
المرأة الفلسطينية... ذاكرة وطن ومستقبل أمة
من الأم التي تربي جيلا متمسكا بالعلم والكرامة، إلى الأكاديمية التي تساهم في إنتاج المعرفة، ومن الطبيبة التي تنقذ الأرواح، إلى الصحفية التي تحمل رسالة الحقيقة، ومن الكاتبة التي تحفظ الذاكرة بالكلمة، إلى القيادية التي تشارك في صناعة القرار، تتعدد وجوه المرأة الفلسطينية، لكن رسالتها واحدة: أن الإنسان قادر على صناعة الحياة مهما اشتدت التحديات.
ولا ينبغي أن ننسى أن خلف كل اسم معروف عشرات وربما مئات النساء اللواتي يعملن بصمت، ويقدمن للمجتمع خدمات عظيمة دون أن تصل قصصهن إلى وسائل الإعلام أو منصات التكريم.
هؤلاء أيضا يستحققن التقدير، ويستحققن أن نبحث عن قصصهن، وأن نوثق تجاربهن، وأن نمنحهن المساحة التي تليق بعطائهن.
رسالة إلى نساء فلسطين في كل مكان
إلى المرأة الفلسطينية في غزة والقدس والضفة الغربية، وفي مخيمات اللجوء، وفي عواصم العالم ومدنه:
أنت لست رقما في إحصائية، ولا اسما عابرا في سجل الإنجازات، ولا مجرد حكاية صبر ومعاناة.
أنت عقل يفكر، وقلب يمنح، ويد تبني، وإرادة تصنع الفرق.
لا تتنازلي عن حقك في التعليم والمعرفة والقيادة، ولا تسمحي للظروف أن تختصر أحلامك، ولا تجعلي المسافات تفصلك عن وطن يسكن وجدانك.
كوني حاضرة بعلمك وإبداعك وأخلاقك، وكوني نموذجا للمرأة التي تجمع بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم.
فلسطين بحاجة إلى كل طاقاتك، وإلى كل فكرة مبدعة، وإلى كل مبادرة إنسانية، وإلى كل نجاح يرفع اسمها في ميادين العلم والثقافة والعمل.
نضال... منصة تحتفي بالمرأة وتصون رسالة الكلمة
وانطلاقا من رسالتنا الثقافية والإعلامية في مجلة نضال الدولية للثقافة والأدب الإلكترونية، فإننا نؤمن بأن من واجب المؤسسات الثقافية أن تكون مساحة حقيقية لاكتشاف الطاقات النسوية، وإبراز إنجازات المرأة الفلسطينية والعربية، وإتاحة المجال أمام الأقلام والتجارب الإبداعية، بعيدا عن التمييز أو الإقصاء.
إننا نطمح إلى أن تكون هذه المنصة جسرا ثقافيا يربط المرأة الفلسطينية في الوطن بالمرأة الفلسطينية في الشتات، ويجمع الكاتبات والمبدعات والأكاديميات والباحثات والقياديات في فضاء من الحوار والمعرفة وتبادل الخبرات.
فالثقافة ليست مجرد كلمات تنشر، بل مسؤولية ورسالة، والاحتفاء بالمرأة ليس مناسبة عابرة، بل اعتراف بدورها وحقها في المشاركة وصناعة المستقبل.
الخاتمة... فلسطين أكبر من حدودها
إن عبير قواس تمثل محطة مضيئة في حكاية الحضور الفلسطيني في العالم، لكنها ليست نهاية الحكاية، فهناك آلاف النساء الفلسطينيات اللواتي يكتبن كل يوم قصص نجاح جديدة في مختلف الميادين.
ومن واجبنا أن نراهن، وأن نمنحهن المساحة، وأن نوثق إنجازاتهن، وأن نؤمن بأن الوطن الذي يمتلك هذه الطاقات لا يجوز أن يحصر مستقبله في حدود الظروف الراهنة.
فلسطين ليست مجرد أرض نحمل اسمها، بل رسالة نحملها أينما ذهبنا.
والمرأة الفلسطينية ليست فقط حارسة الذاكرة، بل شريكة في صناعة الحاضر وكتابة المستقبل.
فالمرأة التي صنعت الأمل في أصعب الظروف، قادرة على صناعة التغيير في أوسع الميادين.
نساء فلسطين... أنتن حكاية إرادة لا تعرف الحدود
