
مقال 3 دقائق للقراءة
هذيان الأرواح
كتاب جمع عدة خواطر مبعثرة على لسان قلمي والهام حرف ثمل الحروف
هذيان الأرواح
#يتبع في هدأة الليل حين تنام العيون وتستيقظ أسرار النفوس، رأيتكِ في منامٍ لا يشبه سائر الأحلام؛ رأيتكِ وقد أضناكِ الحنين، وأقمتِ على مخدعٍ من جمر، تتقلّبين بين نار الشوق وصمت الكبرياء كأنكِ تسألين قلبكِ: أأنا له ثراءٌ يُغنيه، أم إفلاسٌ يُورثه بعدي خواءً لا يُرتجى له امتلاء يا لهذه الأرواح، ما أضيق الأرض بها، وما أوسع المسافة بين قلبين جمعهما الهوى وفرّقتهما الأقدار كنتِ ترتدين من الشوق قميصاً لا يستر اضطرابكِ، وتُوارين خلف سكون الملامح عاصفةً لو أُطلقت لأيقظت من رقاد الحجر. عيناكِ تبوحان بما عجز اللسان عن كتمانه، وفي طرفيهما حكايةٌ تأبى أن تُروى، وفمكِ يكاد يفتح أبواب السرّ، ثم يعود فيغلقها حياءً وخشيةً من رقيبٍ لا ينام وتنتظرين خلوّ الساحة من العيون، كأنّ الحبّ في زماننا جناية، وكأنّ العاشق لا حقّ له في أن يعلن وجده إلا إذا أمِنَ وشاية المتلصّصين غير أنّ الخدود لا تعرف المداراة يفضحها التورّد وتشي بها حمرةٌ لا سلطان للعقل عليها، أمّا العينان فلهما من أمر القلب ما ليس للسان من حيلة وأنا، في غمرة هذا الهذيان أبحث عن أرضٍ لم تطأها أقدام العابرين؛ أرضٍ تأوي مشردي الأرواح وتضمّ الذين ضاقت بهم منازل الواقع فلا يجدون لهم مأوى إلا في ذاكرةٍ بعيدة، أو حرفٍ يتيم أو حلمٍ لا يجرؤ النهار على اقتحامه ولعلّك حين تبعثرين حروفكِ على بياض الورق، لا تكتبين بقدر ما تحاولين جمع ما تناثر منك فكلّ حرفٍ شظيةُ روح، وكلّ سطرٍ مأوى لوجعٍ لم يجد في صدركِ متّسعاً. تظنّين أنّكِ تُحسنين ترتيب الكلمات وما أنتِ إلا تجمعين بقايا قلبٍ أضناه الترحال وتمنحين المنفيّ من مشاعركِ وطناً بين السطور. ولستُ أدري، أهذا من جنون العشق أم من حكمة الأقدار؟ فقد علمتنا الأيام أنّ المرء قد يُبتلى بما تهوى نفسه، وأنّ بعض الأماني إن دنت أوجعت وإن نأت أحرقت، وأنّ أشدّ المنافي قسوةً أن يكون المرء قريباً ممّن يحبّ بعيداً عنه في حكم الزمان لقد جن الليل وأرخى سدوله وأقبلت جموع العاشقين تحمل أوجاعها في صمت وتستظلّ بعباءته السوداء هرباً من عيون الرقباء هناك في عتمة الليل تتعرّى الأرواح من زيف الوقار وتسقط عن القلوب أقنعة التجلّد فلا يبقى من المرء إلا حقيقته شوقٌ لا يهدأ وحنين منتظر وسرّ كلّما حاول صاحبه دفنه أنبته الحلم من جديد فيا أيتها الروح التي أتعبها التواري لا تحسبي أنّ الصمت نجاة ولا أنّ الغياب يمحو ما استقرّ في الضلوع؛ فكم من غائبٍ أقرب إلى القلب من ساكنٍ بين الأضلاع، وكم من لقاءٍ لم يحدث قط ظلّ في الذاكرة أعظم من أعمارٍ قضيناها معاً هذيان الأرواح... هو أن تتحدّث روحان بلغةٍ لا يسمعها أحد وأن يظلّ بينهما عهد لم تكتبه الأقلام وحنينٌ لم تعترف به الشفاه هو أن ينام الجسد وتظلّ الروح ساهرةً على أبواب المستحيل، تنتظر طارقاً تعلم أنّه قد لا يأتي، وتفتح له رغم ذلك كلّ ليلة فبعض الأرواح لا يجمعها اللقاء ولا يفرّقها الفراق إنّما يظلّ القدرُ شاهداً على حكاية لم تجد في هذا العالم متّسعاً لها وما هذيان الأرواح إلا حديث القلوب حين تعجز عن احتمال الحقيقة، فتستعير من الليل سترا ومن الحلم وطن ومن الحروف حياةً أخرى #جدائل_الصبر سمية #هذيان الأرواح #مجتمع
