كبسولة: قصة قصيرة من أدب الجربمة
#قصة_قصيرة
أخيراً مات !
أخيراً سأستريح، سأتنفس، سأنام!
لن أنسى هذه الليلة أبداً، وهي تنسدل على جسده مرتخي الأطراف، لحم وجهه المزرق النحيل يغوص في جمجمته، محدقاً للسقف يبحث عن روحه التي ضلت منه، وفمه فاغر تقلصت شفتاه في ذعر على لثته المتصحرة. أسبل أخي الكبير عينيه في ألم، وأخفيت أنا فرحتي الجنونية بإعلان إطلاق سراحي أخيراً..
عشر سنين وأنا هنا، أحمله إلى الحمام، أحمله إلى الصالة، أحمله إلى السرير. أطعمه، أنظفه، أعطيه أدويته. عشر سنين منذ طلاقي وأنا أدفع ثمن حظي السيء تقريعاً على كل هفوة. قال أخي: "لن تعيشي وحدك، ستعيشين مع أبي.. كل منكما يحتاج للآخر." ورحل، يطل علينا مرة في الأسبوع :"صحة أبي لا تعجبني! أنت تهملين في شئونه"، وأبي يشكو مني.. طوال الوقت يشكو مني.
ربت أخي على كتفي يقول: "ابكي يا حبيبتي.. لا تكتمي الحزن هذا خطر عليك". إن كتمان الحزن أهون كثيراً من كتمان الفرحة الطاغية. وبعد إلحاح متكرر صرخت، صرخت وانهمرت دموعي المعجمة... كانت المناحة التي أجلتها، على عمري الذي ذاب تحت قدميه، لفرصتي في الأمومة التي ضاعت بسببه. حق اليوم أن أتقبل العزاء وقد أخذت الأقدار بثأري رعباً كان مرسوماً على وجهه. شكراً يا ملائكة الموت، لقد قمتم بعمل رائع!
تركتهما وغادرت الغرفة، واستعدت حماسي وأنا أجمع العشاء الذي أحضرته من الخارج ولم يمهله القدر ليتناوله. كان يحب أبي وكان أبي يحبه ويفضله: أي أموال، أي أحلام، ومعاملة حنون تليق بالابن البكر. من حقه -صراحة- أن يتألم لأجله، لن ألومه. وسأكتم فرحتي بضع ساعات أخرى لا بأس. سأغير نظام البيت، وسأتخلص من الأثاث البالي، من يدري ربما تمكنت من الزواج، ربما!
اقتربت من باب غرفة أبي. ترددت حذراً أن أقطع على أخي نحيبه العاطفي بالداخل. لم أسمع صوت بكاء، فدخلت بحرص. رأيته يفتش في الغرفة باهتمام شديد. يرفع الوسادة تحت أبي، وحشية السرير. شعرت بقلبي يتقلص كزبيبة. خرج صوتي مرتعداً وأنا أقول:
- ماذا تفعل؟!
عاد يكمل بحثه قائلا:
- كان أبي يضع مالاً هنا.. هو أخبرني أنه أخلى حسابه في البنك تماماً!
تسارعت أنفاسي وأنا أحدق فيه، ولساني ثقيل في فمي كقطعة لحم نيء. عيناي تتابعان بحثه الذي ازداد جنوناً. كان متعرقاً، وجهه يحترق بالانفعال. هتف بي:
- أين المال؟!
لا بأس، من حقه أن يتلهف على المال، مالي أعاتبه بينما أطير فرحاً بموت الرجل؟! لكن هذا ليس أخي، وليس رجلاً متلهفاً على الميراث، كان ثوراً مذعوراً يترقب ذبحه، أمسك بعضديّ بيدين كالكلاليب، ودفعني نحو الحائط هاتفاً:
- انطقي! أين المال؟ إنني واقع في مصيبة! لم أفعل ما فعلت لتقولي لي لا شيء هنا!
يئس من ذهولي الذي أخرسني، فدفعني جانباً وعاد يقلب محتويات الغرفة في جنون، يزيح علب الأدوية المتراكمة فوق الطاولة ويسقطها أرضاً، ينحني ناظراً تحت الفراش جاذباً صناديق الكراكيب. يفتح الأدراج والضُّلَف ويلقي بالملابس. عثر على رزمة صغيرة من النقود. لم أدر كيف اندفعت لآخذ الرزمة منه أهتف:
- إنها مصروفات جنازته!
ألقاها في وجهي، تبعثرت على الأرض وهو يقول:
- خذي ملاليمك أيتها الغبية!
غامت الدنيا في عيني وصدري يكاد يتصدع من لهاثي، وأنا جاثية على الأرض أجمع المال، أرسل نظراتي للعجوز المسجى على السرير. انظر يا رجل، هذا هو الذي كنت تفضله والذي شبع منك حباً وتدليلاً، وهذه التي تظاهرت بالعمى والخرس عمراً بأكمله. يجول الآن في الحجرة، ينشب أظافره في رأسه، يردد بما يشبه الهلع، اليأس، الضياع:
- هل كان كثيراً عليه أن يعطيني المبلغ الذي طلبته؟! أنا على وشك الإفلاس، خسرت مشروعي بالكامل وعليّ ديون لطوب الأرض! قال لي كفى، هذا حق أختك لن أعطيك مليماً آخر! يريدني أن أدخل السجن؟! ومن ينفق على زوجتي وأولادي؟! وماذا تحتاجين أنت؟! لا زوج ولا أولاد!
واندفع نحوي مجدداً وأمسك يدي قائلاً بتوسل:
- أرجوك! أرجوك أخبريني أين المال! سأوقع لك ورقة بنصيبك لن أظلمك لا تخافي!
كان مخيفاً.. يقفز من الغضب إلى الهلع إلى الندم، يطير من الصياح إلى البكاء إلى السخرية الجنونية، كان الظلام يصبغ كل شيء، يصبغ ماضينا وذكريات طفولتنا، والمستقبل الذي ظننته أفضل مما مضى. همست برعب:
- ماذا فعلتَ؟!
أشاح عني وقال:
- إنه في الثمانين! ظننته سيعيش أكثر؟! حبة زائدة من دواء القلب دسستها في فمه كانت كافية لفعل كل شيء!
حتى تلك اللحظة كنت أكذِّب ما أراه. ما زلت أسمع نبشه في الغرفة، لعناته ودعواته الحارقة عليّ وعلى أبي. قلت بصوتي المبحوح: " سأخبر الشرطة!"
قال بسخرية:
" تخبرينهم بماذا؟! رجل محنط في الثمانين أخذ حبة دواء زائدة ومات! حتى لو شرحوه وأذابوه في أنبوبة لن يعرفوا أنه قتل."
ثم أمسكني من تلابيبي ،ينمسخ إلى شيطان، يوسوس:
" اعترفي أنك حلمت بهذا اليوم! عشر سنوات وأنت تودين فعل ما فعلتُه أنا، ولكنك ستبقين للأبد جبانة، تسكتين منتظرة أن يأتي لك الآخرون بأحلامك. نحن شريكان في هذا يا عزيزتي، لا تتظاهري بالبراءة!"
صعدت الشمس السوداء على النافذة، وأنا لا أزال أرضاً أستند بظهري إلى فراش أبي، رائحته كصيدلية عتيقة، خليط من الأدوية والكولونيا، أستنشق هواء الغرفة، أحدق في الرسالة التي وصلت لهاتفي، رسالة البنك تخبرني بأنه نقل ما بقي من ماله إلى حسابي منذ يوم واحد.. أضرب جبهتي حتى تؤلمني، وأبكي ألفاً.. كرهت أبي ولم أقل أبداً أني أكرهه، وأحبني ولم يقل أبداً أنه يحبني!
وصل أخي مع مفتش الصحة وبعض رجال العائلة، وكأنه لم يفعل شيئاً! سأل الطبيب ببرود عن سن أبي والأمراض والأدوية وخلافه. سينهي مهمته بفتور ويلقون بالرجل في حفرة خلال ساعات قليلة. لم أقو على الكلام.. "لو أذابوه في أنبوبة لما عرفوا أنه قد قُتل".
كشف وجهه الذي ازداد زرقة، ونقل عينيه بيننا وقال:
- ألم يمت الحاج منكفئاً على وجهه؟
كان أخي يمسح عرقه الغزير وهو يجيب:
-لا، لقد توفي أثناء النوم..
ظهر على وجه الطبيب ريبة وقلق. يجب أن أتكلم! صدق أخي .. سأظل جبانة للأبد!
ارتدى الطبيب قفازاته وقلب في جسد أبي، ينظر إلى عنقه، ويمسك بيديه مدققاً في أظافره، والرجال يتذمرون. ألقى نظرة إلى حلقه بتركيز وسأل:
- من يقيم مع الحاج؟
- أختي.
قالها أخي، واحتشدت الأبصار حولي. فوجئنا بالطبيب يمد أصابعه داخل حلق أبي، شهقت بفزع وصاح به الرجال، وابيضَّ وجه أخي والطبيب يقول:
- هذه هي الكبسولة التي خنقت الرجل، أظنها ستخبرنا بالكثير يا سيدتي!
غاص أخي بين الحضور متراجعاً. لم يمت الرجل بجرعة زائدة، مات مختنقاً بالكبسولة التي دسها في حلقه. جعلوا يتكلمون عن إبلاغ الشرطة.. قاتلت جبني ومددت يدي المرتعدة إلى جيبي وأخرجت ورقة وقلت:
- ساعة وفاته كنت في مطعم قريب وهذه هي الفاتورة. لقد تركته وأخي معاً ساعة أو أكثر، وعندما عدت كان ميتاً.
2