
مقال دقيقتان للقراءة
عهر التجاهل
يجب أن تعترف أولًا بأنك لستَ خطيئةً سقطت من السماء، ولا طاعونًا يهرب منه الجميع.
شخصٌ تجاهلك أو أساء إليك، فبدأتَ تتَّهِم نفسك وتقول: "أنا لستُ جديرًا بالاهتمام". وحين تدرك عجزك تحوّله إلى انتقام. أعددتَ جملةً منمَّقةً لتفيق ضميره، وحين ألقيتَ له عبارتك، ضحِك في وجهك ساخرًا. لم تبدأ الإهانة حين تجاهلك، بل عندما زعمتَ أن جملتك ستكون طنانةً، وبها تستعيد ما تبقى من كرامتك المهترئة، ثم اصطدمت بفراغٍ صامت. كل ما في الأمر كان بإمكانك أن تغادره أو تتجاهله بالمقابل، والتجاهل هنا لا يعني شفاءً بالضرورة، ولكنه أقل إيلامًا في حين أنك تضخم الألم بالرّد.
ولعل الإنسان يصبح أكثر عرضةً للألم، أضعاف ما جناه عليه الشخص، إذا خضع لرغباته وعواطفه. لأن الرغبة تقول: "برهِنْ له بأنك لست ممن يتجاهلونه". هنا يحاول العقل الواعي باستجابةٍ للاوعي، لأن ثقل الصمت والفراغ أكثر حِدّة من أي ضجيجٍ خارجي. وبهذه الطريقة تنكمش قيمة ذاتك في نظرتك، لأنك تتخّيل وترسم صورة ذاتك في الآخرين، وتتحكم بنفسك في رؤيتهم فيك. ليتك تعلم أنك تمارس طقسًا لا يلائمك وغير قابل للتمثل منذ البداية.
لماذا يتجاهلك؟ هذا ما يخلق لك توترًا يستمر في نهشك من الداخل على الدوام. هو لا يرى قيمتك كما تحسب بطبيعة الحال، أو لا يرغب أن يعترف فيك، أو ربما غضب منك بسبب موقفٍ طواه الزمان، ثم جعل منه سببًا لانتقامٍ باردٍ يسري في عروقك. مما يعني أنه يريد كسر أوتارك عمدًا، ويجعل تشكَّ في ذاتك على حساب نفسك، وأنت بدورك تستجيب طلبه المقصود دون أن تدري، وتحارب لتشعر أنك لا تزال إنسان ذا قيمة. وفي النهاية تنهار وتبدأ بحربٍ نفسي: تشك في صورتك، تقارن نفسك بغيرك، تعدّ أخطاءك المتكررة، تراجع سلبياتك. ولكن الحقيقة أبعد بكثير مما تظن.
#ولكن_كيف_تستعيد_ذاتك_قبل_أن_ينهار؟ الآن دعنا نعرف الحل، طالما أدركنا الحقيقة التي تكمن وراء ستارة التجاهل. يجب أن تعترف أولًا بأنك لستَ خطيئةً سقطت من السماء، ولا طاعونًا يهرب منه الجميع، أنك إنسان يخطئ وينحرف، يحمل كرامته وقيمه وأخلاقه. ولتعلَم أن تجاهله لا يعيق ذرة من ذراتِ تكوينك، أن تعتبر زلّاتك دروسًا وترَحِّب دون محاكمةٍ ذاتية. إذا توقفت جلد نفسك، فسترى أن كل الذوات ممكنةً، وتغدو ثقتك بنفسك وقودًا تحرِّكُك نحو الشفاء.
هنا لا ألعب دور المعالج النفسي، بل أنني أبوح لك بحقائقٍ زارت واقعي أكثر مما ينبغي، ربما لا تجد من يخبرك أن التجاهل آفة للنفوس المقهورة، والنفوس المنغلقة في عوالمٍ أخرى. والآن أترك نصي جنبًا واستمر في تطبيقه على حياتك، لأنك تستحق أن تكون إنسانًا أكثر مما تستحق أن تكون ضحية في ساحة معركة لم تبدأ بعد.
