
مقال 8 دقائق للقراءة
مراحل تطور الفلسفة عبر التاريخ
إن الحديث عن التاريخ,ما هو إلا حديث عن تطور الفلسفة , وعن المواضيع والقضايا الكبرى ,التي أفرزتها عصورها الذهبية وانشغل بها كبار الفلاسفة. وهو أمر ضروري , لفهم فلسفة,أي فيلسوف معين. لأن هناك ارتباطا وتلازما بين الفلسفة وتاريخها, فكل موقف فلسفي, ينبني على مواقف فلسفية, سابقة عليه.
إذن هناك علاقة بين المدارس والمذاهب الفلسفية.فمثلا: لكي نفهم عالم المثل عند أفلاطون. فلا بد لنا أن نطلع على فلسفة " يارمنيد"التي تقول بالثبات المطلق [الوجود موجود ألاموجود غير موجود ].( أي ليس هناك عدم في الوجود وإنما العالم ممتلأ تمام الملأ ). وعلى فلسفة "هيراقليط" التي ترى أن العالم في تغير وحركة دائمة ومستمر, لا تتوقف أبدا. إلى درجة, أنك لا تستطيع أن تستحم في نفس النهر, مرتين .فجاءت فلسفة أفلاطون فلسفة توفيقية [هناك ثبات في عالم المثل-العالم الآخر-(فلسفة بارمنيد) و هناك صيرورة في عالم الظلال –العالم المادي الحسي-(فلسفة هيراقليط) ] . كما أننا لا نستطيع الخروج بفكرة واضحة, عن فلسفة ابن رشد, إذا لم نطلع على المشكلات الفلسفية. التي أثارها الفلاسفة السابقين له كالكندي والفارابي...إذن لكي يتسنى لنا فهم موقف فلسفي معين, فلا بد لنا من الرجوع إلى تاريخ الفلسفة. إن الإطلاع على تاريخ الفلسفة يجعلنا نميز بين مراحل أربعة ,قطعتها الفلسفة عبر صيرورتها التاريخية: (1)الفلسفة في العصر اليوناني : مع بداية الفلسفة ظهرت تصورات مادية , طبيعية,كسملوجية تفسر الكون وترجعه إلى عناصر مادية متجاوزة بذلك النظرة الأسطورية ,باعتبارها اعتقادات فاسدة , وخرافات وهمية. لا تقبل البرهنة ولا الحجة, ولا تسمح بالحوار. ويعتبر طاليس على رأس الطبيعيين الذين أرجعوا أصل الوجود إلى عناصر مادية ,طبيعية .وبعدهم ظهر السفسطائيون ,الذين اهتموا بالجدل, من أجل الجدل , وفن الخطابة. وجعلوا من الفلسفة ضربا من التلاعب الكلامي. إذ كانوا يؤيدون القول الواحد, ونقيضه في نفس الوقت .وهذا ما أدى إلى شيوع النزعة الشكية , الريبية ,وفقدان الإيمان بوجود الحقيقة ,وشيوع القول بالنسبية .(الإنسان هو مقياس كل شيء) بعد هذا ظهر سقراط كفيلسوف مجدد ,فأحدث ثورة كبرى, في نطاق الفلسفة. إذ صب اهتمامه على الإنسان, بدل الطبيعة.فكان يقول: (أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك) . يقول عنه شيشرون:{...أنه أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض, وأدخلها إلى صميم المدن والبيوت}. ومعنى هذا أن سقراط , اهتم بالسياسة والأخلاق والاقتصاد. بدلا من البحث في الفلك والطبيعة. مستخدما منهج التهكم و التوليد . مصطنعا الجهل أمام محاوريه ,الذين يدعون المعرفة .وكان يقول : (أن أمه تولد النساء, وهو يولد الأفكار) . وبعد ذلك, أصبحت الفلسفة مع أفلاطون ,هي البحث في الوجود, عن الوجود الحقيقي الثابت, الذي لا يتغير. مستخدما منهج الحوار السقراطي . الذي تحول على يده إلى المنهج الجدلي الصاعد. مثال ذلك, كما هو عند أفلاطون الانتقال من الجمال الحسي, إلى الجمال الخلقي, إلى الجمال العقلي, إلى الجمال بالذات أو مثال الجمال. أما مع أرسطو, فقد اهتمت الفلسفة بعلل الأشياء ومبادئها الأولى. أي البحث في أصل الوجود.ومهما يكن, فإن الفلسفة اليونانية ظلت مرتبطة بالبحث عن الحقيقة معتمدة العقل أو اللغوس كمنهج للبحث. قاموس المصطلحات : عالم المثل :ضد العالم المادي المحسوس عالم الظلال. أي عالم الثبات المطلق الأزلي الذي لا يتغير أو العالم الآخر صيرورة :الحركة والتغير أي الدياليكتيك كسملوجية :كونية الحوار : الجدل ونعني بالجدل الصاعد عند أفلاطون( الانتقال من الأفراد إلى الأنواع إلى الجناس إلى المثل الأزلية) السفسطائيون: هم الفلاسفة الذين احترفوا الجدل من أجل الجدل وسخروا الفلسفة لإثبات القضية ونقيضها قي نقس الوقت ويقال أم أنهم أول من سن التعليم بالمقابل. الشك الريبي : الشك من أجل الشك النسبية : ضد المطلق( مثلا الماء له قيمة عالية, بالنسبة لسكان المناطق التي يعز فيه الماء, ولا قيمة له في المناطق التي يكثر فيها الماء .
(2) الفلسفة في العصر الوسيط : جاءت الفلسفة لتملأ فراغا فكريا, نظريا, عانى منه اليونانيون, لعدم توفرهم على تصور عقلي, معرفي, شامل ,فيما يتعلق بحقيقة الوجود والمعرفة ,والقيم . لكن ما هي وضعية الفلسفة في مجتمع يعتبر فيه الوحي والدين, المكون الأساسي لثقافته؟ لابد في مثل هذه الحالة, أن تتكيف الفلسفة, لتصبح إحدى مكونات ثقافة المجتمع. لأن الإيمان لا يمكنه على الإطلاق أن يتنكر للعقل أو يستغني عن التفكير العقلي, حتى في حالة رفضه له.
فهو كما يقول أرسطو (حيوان عاقل). إن العقل ميزة خص الله بها الإنسان, ففطرته وطبيعته ,كإنسان تحتم عليه وتضطره ,إلى استخدام عقله, خصوصا في القضايا الكبرى: كقضية الوجود, والمعرفة, والإنسان ,والقضاء والقدر...هذه المواضيع نجدها مشتركة بين الدين والفلسفة . فكيف كانت العلاقة بين الإيمان بالوحي باعتباره مصدرا للحقيقة المطلقة ؟ والعقل الذي يرى الحقيقة هدفا من أهدافه ؟ يقول أفلاطون إن التفلسف يعني السعي وراء الحقيقة بكل أرواحنا ) .
بعد ظهور المسيحية, ومجيء الدين الإسلامي بفتوحاته العظيمة ,وانتقال الفلسفة اليونانية , إلى الغرب المسيحي, وإلى الأندلس, وإلى الإسكندرية, وسوريا, والعراق, واختلاط حضارات الأمم ,مع تأثر بعضها ببعض,وسيادة المعارف الدينية المرتبطة بالوحي ,ما كان للفلسفة, إلا أن تغير جلدها, لتصبح ذات صيغة دينية, تعمل على التوفيق بين العقل, والنقل. باعتبار هما أطرا متكاملة, يبحثان معا عن الحقيقة. خصوصا, وأن للفلسفة أسلوبا خاصا, يختلف باختلاف القضايا, التي تحاول معالجتها. كما يرى أدنيس إذ يقول:{ إن الفلسفة – في بعض فقراتها - عملت لا على تأسيس الغيب ,على الغيب كما هو شأن الدين , وإنما تأسيس الغيب, على العقل. (تقول ما ليس من شأن العقل, بالعقل ذاته)}
إن فلاسفة العصر الوسيط, من مسيحيين ومسلمين, بذلوا كل جهدهم, وصرفوا كل وقتهم, في التوفيق بين العقل, والنقل.أي( بين الفلسفة والعقيدة).وأجمعوا على أن العقل والنقل, مصدران أساسيان وضروريان للمعرفة. وإن كانوا لم يتفقوا على رأي واحد. فمنهم من قال بأن الإيمان شرط ضروري للعقل, ومنهم من ذهب على أن العقل ,هو الذي يمهد للإيمان ويؤدي إليه.
إن أهم الأسئلة التي كان فيلسوف العصر الوسيط مطالب بالإجابة عنها هي: ما هي طبيعة العقل ؟ ما هي حدوده؟ وما هي شروط المعرفة العقلية ؟ وفي حالة تعارض العقل مع النقل, فبأيهما نأخذ؟ وعليه نستطيع أن نؤكد أن موضوع البحث كان مشتركا بين الفلسفة والدين .وقد عبر عن هذه المقاربة الفيلسوف هيجل في قوله :{لم تكن الفلسفة إلا لاهوتا , ولم يكن اللاهوت إلا فلسفة}.
قاموس المصطلحات : تصور عقلي : نظرة عقلية الإيمان : الاعتقاد القلبي العقل : ملكة خاصة بالإنسان يفكر و يدرك العالم من حوله الفطرة :الطبيعة أي الحالة التي يولد عليه الإنسان التوفيق : الجمع والإصلاح والتقريب
(3) الفلسفة في العصر الحديث : إن ربط الفلسفة ,بالتجربة الإنسانية, ذات الأبعاد المتعددة, يجعل منها ظاهرة حضارية متميزة , تؤثر وتتأثر, بكل أنشطة الإنسان .سواء كانت علمية, أو دينية, أو اجتماعية ...ولها أزمات تطور, وتبدل , ناتجة عن علاقتها بأشكال التعبير الثقافة, كالأسطورة والدين والعلم والسياسة والإديولوجيا...وعلى هذا الأساس, كانت الفلسفة حاضرة في كل عصر بقوة. تصب كامل اهتمامها, على الإشكاليات, التي تشغل أهل العصر. ومن ثم, تعددت اهتماماتها وتنوعت مواضيعها, وتباينت مناهجها, الشيء الذي اكسبها خصوبة.
إن النهضة التي عرفتها أوروبا, في القرن الخامس عشر, والسادس عشر, على الصعيد الاجتماعي, والاقتصادي, والسياسي, والثقافي... أدت إلى تجربة فلسفية جديدة. هي الفلسفة الحديثة. والتي نشأت في واقع الأمر. على يد كل من رونيه ديكارت, بشكه المنهجي وتأملاته عن الكوجيطو , و فرانسيس بيكون بدعوته إلى التخلي عن الميتافيزيقا باعتبارها دراسة عقيمة ,والحديث عن المنهج التجريبي .
( الملاحظة, والتجربة). إن ما يميز الفلسفة الحديثة, هي أولا وقبل كل شيء, فلسفة نقدية, تعتمد على العقل وحده. وبذلك قطعت صلتها بالفكر الفلسفي السابق ذو الصبغة ألاهوتية, و الذي كان منشغلا أساسا بمشكلة الوجود والميتافيزيقا. وبدأت تهتم بمشكلة المعرفة وخدمة الإنسان,كما يقول ديكارت :{...ومعرفة مفيدة في الحياة... تجعل من أنفسنا سادة الطبيعة وملاكها...}(مدخل إلى الفلسفة ج.لويس ص118-119). لقد حاول ديكارت عبر تجربة( الشك المنهجي),أن يخلص العقل من الأفكار السائدة ,والآراء المسبقة, لكي يصل إلى الحقيقة.
إن المهمة الجديدة للفلسفة الحديثة, عبر عنها ديكارت في تعريفه للفلسفة. إذ شبهها بشجرة جذورها الميتافيزيقا, أو ما بعد الطبيعة وجذعها,هو علم الطبيعة أو الفيزياء, وفروعها هي الطب والميكانيكا والأخلاق .فديكارت في تعريفه هذا ربط الفلسفة من جهة بالعلم, و من جهة أخرى جعل ثمارها هي الطب, والأخلاق ,والميكانيكا .وثم تكون فائدة الفلسفة: هي سعادة الإنسان, وتعزيز سلطة العقل ,والمعرفة العلمية . لقد اتجه الفكر, مع الفلسفة الحديثة ,نحو الاعتزاز بالعقل وبدأ يثير أسئلة, من نوع جديد ,مرتبطة بموضوع المعرفة مثل :هل بإمكان الإنسان الذي يدعي المعرفة أن يعرف؟ أي هل المعرفة ممكنة ؟ وإذا كانت كذلك ؟فما هي أداة, أو وسيلة المعرفة؟ هل هي العقل ؟ أم الحس؟ أم الحدس؟ أم التجربة ؟ وهل المعرفة مطلقة ؟أم نسبية؟(يتبع)
قاموس المصطلحات : الإديولوجيا : هي علم الأفكار تباينت : اختلفت الكوجيطو : يقصد به عبارة (أنا أفكر إذن أنا موجود ) الميتافيزيقا : ما وراء الطبيعة (الروح الله البعث أصل الوجود ألاهوت ....) : الدين الشك المنهجي : شك مؤقت وهو طريقة في البحث استخدمها ديكار حتى يخلص العقل من الأحكام المسبقة والآراء السائدة الغير الصائبة. المعرفة المطلقة : هي المعرفة الصحيحة والصادقة والتي لا يختلف عليها اثنان وعكسها المعرفة النسبية المعرفة الحدسية: هي المعرفة الذوقية المباشرة التي تتم بدون واسطة. منقول بتصرف
