
مقال 4 دقائق للقراءة
حين تعجز امرأة عن استيعاب نجاح امرأة أخرى.بقلمى عون البحيصي
الغيرة أم عقدة المقارنة أم صراع النفوس؟ ليس من المؤلم أن تختلف النساء في آرائهن أو طباعهن أو أساليب حياتهن، فذلك أمر طبيعي في المجتمعات الإنسانية، ولكن المؤلم حقا أن تتحول نجاحات بعض النساء إلى مصدر إزعاج لنساء أخريات، وأن يصبح التفوق الذي يستحق التقدير سببا للانتقاص والتشكيك ومحاولات التقليل من قيمة صاحبة الإنجاز. ثمة ظاهرة تستحق الوقوف أمامها والتأمل في أسبابها، وهي عدم قدرة بعض النساء على استيعاب نجاح امرأة أخرى، وكأن النجاح امتياز لا يجوز أن تحصل عليه إلا واحدة، أو أن بروز امرأة في مجال معين يعني بالضرورة تراجع مكانة امرأة أخرى. فلماذا يحدث ذلك؟ وما الذي يجعل امرأة تنزعج من نجاح امرأة مثلها، بدلا من أن تفرح لها أو تستلهم من تجربتها طريقا للنجاح؟ أولا: الغيرة والشعور بالتهديد.. قد تنظر بعض النساء إلى نجاح امرأة أخرى باعتباره تهديدا لمكانتهن الاجتماعية أو المهنية، خصوصا عندما تكون صاحبة النجاح محط اهتمام وتقدير واحترام. وهنا تتحول الغيرة من شعور إنساني عابر إلى سلوك سلبي يدفع إلى التقليل من الإنجاز أو البحث عن ثغرات في شخصية الناجحة، بدلا من الاعتراف بجهدها وكفاءتها. ثانيا: عقدة المقارنة المستمرة.. هناك من تقيس قيمتها بما تحققه الأخريات، فلا تستطيع رؤية نجاح امرأة دون أن تضع نفسها في مقارنة معها. وإذا تفوقت الأخرى شعرت بأنها أقل منها، وإذا حصلت على تقدير أو تكريم اعتبرت ذلك انتقاصا من فرصها. والحقيقة أن الحياة ليست سباقا بين النساء، ولا توجد جائزة واحدة يتعين على الجميع التنافس عليها. لكل امرأة ظروفها وتجربتها وقدراتها وتوقيت نجاحها. ثالثا: ضعف الثقة بالنفس.. المرأة الواثقة من قدراتها لا تخشى امرأة ناجحة، ولا تشعر أن إنجاز غيرها ينتقص من قيمتها. أما التي تفتقر إلى الثقة بالنفس فقد تبحث عن إثبات ذاتها من خلال التقليل من الآخرين، لأن نجاحهم يضعها أمام أسئلة لا ترغب في مواجهتها بشأن تجربتها وطموحاتها. رابعا: حب الظهور واحتكار الاهتمام... في بعض البيئات الاجتماعية والثقافية، تظهر منافسة غير صحية على الأضواء والمكانة واللقب والتقدير. وقد تجد امرأة صعوبة في تقبل وجود امرأة أخرى تمتلك حضورا أقوى أو تأثيرا أوسع أو قدرة أكبر على تحقيق الإنجازات. فتبدأ محاولات التشكيك في الكفاءة، أو التقليل من قيمة العمل، أو تحويل الاختلاف الشخصي إلى خلاف مفتعل، وكأن الساحة لا تتسع إلا لشخص واحد. خامسا: الأحكام المسبقة والنميمة والتشويه.. من أخطر مظاهر هذه الظاهرة أن تتحول الغيرة إلى أحاديث خلف الظهور، وتفسيرات مغلوطة للنوايا، ونقل للكلام، وإطلاق اتهامات لا تستند إلى دليل. وقد يصل الأمر إلى محاولة إفساد علاقات المرأة الناجحة بزميلاتها أو محيطها، أو التشكيك في استحقاقها لما وصلت إليه. وهنا لا نكون أمام مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل أمام سلوك اجتماعي يفتقر إلى الإنصاف واحترام كرامة الإنسان. سادسا: التنشئة الاجتماعية وثقافة المنافسة.. قد تنشأ بعض النساء في بيئات تربط قيمة المرأة بمقارنتها بغيرها، سواء في الجمال أو الزواج أو المال أو المكانة أو التعليم. ومع مرور الوقت تتحول هذه المقارنات إلى نمط تفكير يجعل نجاح الأخريات عبئا نفسيا بدلا من أن يكون مصدر إلهام. إن المجتمع الذي يربي أبناءه وبناته على المقارنة المستمرة، لا ينبغي أن يستغرب حين يجد بينهم من يعجز عن الاحتفاء بنجاح الآخرين. سابعا: اختلاف الشخصيات والمصالح.. ليس كل خلاف بين امرأتين غيرة، وليس كل نقد دليلا على الحسد. فقد تكون هناك اختلافات حقيقية في الرأي أو أسلوب العمل أو المصالح، وقد يكون النقد مشروعا إذا استند إلى حقائق وأدلة واحترام. والإنصاف يقتضي ألا نحول كل امرأة تختلف معنا إلى امرأة حاقدة، كما لا ينبغي أن نبرر الإساءة باسم الاختلاف. ولكن أين تكمن المشكلة الحقيقية؟.. المشكلة ليست في أن تنجح امرأة، بل في أن تعجز امرأة أخرى عن رؤية هذا النجاح دون أن تشعر بالحاجة إلى إطفاء نوره. فالمرأة التي تعرف قيمة نفسها لا تحتاج إلى التقليل من قيمة غيرها، والتي تمتلك مشروعا حقيقيا لا تخشى أن ترى امرأة أخرى تحقق مشروعا ناجحا، والتي تدرك معنى النجاح تعرف أن الأبواب لا تغلق أمام الآخرين عندما تفتح لها الأبواب. إننا بحاجة إلى ثقافة نسائية تقوم على التعاون والتكامل وتبادل الخبرات، لا على تصيد الأخطاء ومراقبة الإنجازات ومحاولة إسقاط الناجحات. فالمرأة التي تصفق لنجاح امرأة أخرى لا تخسر شيئا، بل تثبت أنها تمتلك وعيا وثقة ونضجا إنسانيا. وكم هو جميل أن تكون المرأة سندا لامرأة، وأن تتحول التجارب الناجحة إلى جسور عبور للأخريات، وأن تدرك كل واحدة أن نجاح زميلتها أو صديقتها أو أختها لا يسلبها حقها في النجاح. رسالة أخيرة: إلى كل امرأة نجحت وتعرضت للتقليل من شأنها، لا تجعلي ضجيج الآخرين يسرق منك فرحة ما صنعتِه بجهدك. لا تدخلي في سباق لإثبات أنك أفضل من أحد، ولا تسمحي للمقارنات أن تستنزف طاقتك. وإلى كل امرأة تنزعج من نجاح امرأة أخرى، اسألي نفسك بصدق: لماذا يؤلمني أن أراها تتقدم؟ وما الذي يمنعني من أن أفرح لها دون أن أشعر بأنني أقل منها؟ تذكري أن النجاح ليس قطعة واحدة نتنازع عليها، وأن الضوء لا ينقص حين تضيء شمعة أخرى. فالمرأة التي لا تستطيع احترام نجاح امرأة مثلها، تحتاج أولا إلى مراجعة علاقتها بذاتها، قبل أن تراجع حساباتها مع الآخرين
