
مقال 27 دقيقة للقراءة
حوار ثري مع الشاعر الكبير عبدالمنعم رمضان

تحتشد بكل جوارحك لقراءة أشعاره واستكشاف أفكاره ورؤاه، ومن ثمّ تضع يدك على نقاطه المفصلية، ثم تقرر- بحيلة ما- أن تعرّيه أمام ذاته، أن تدفعه لقول ما لا يمكن قوله في جلسات عامة على مقهى أو في الغرف المغلقة، ليكون حوارك قطعة أدبية/ ثرية، توازي إبداع الشاعر الذي تحاوره، وتجعله يُطلق العنان لطيور النورس المسكونة بالرمال والموج.. ليس حوارًا بضغينة النقد، إنما تؤكده مهارة غوّاص ينزل أعماق "الحالة الشعرية"، مستخرجًا منها كل ما يمكن أن تطوله يداك من دُرر وجواهر.
وحوارنا مع الشاعر المصري الكبير عبدالمنعم رمضان، أحد أهم رواد الشعر في السبعينيات، السيرة الحافلة بالحذر والترقب، بصوفية المجاز وأصالة المعنى، بجموح التحول ومرونة الانعتاق..
سيكون حوارًا كاشفًا نلقي من خلاله ضوءًا إضافيًّا على تجربته، حياته، انحيازاته، تبدلاته، وماذا يمكن أن يتركه من إرث إبداعي للأجيال القادمة.
...
· 1-"الممكن في الشعر هو المستحيل". بدايةً، كيف يمكن للشاعر تجريد اللغة من جبروتها اللفظي، و"تصويغها" بما يشبه "تفكيك بِنيتها" ثم إعادة بنائها في نصّ مُعجِز في جزالته وفارق في براعته ودلالاته؟
= الشعراء يخافون من اللغة ويخافون عليها، يشتهونها ومع ذلك لا يفضّون بكارتها ، يفضلونها عذراء. اللغة قد تصبح المرأة الأولى في حياة الشاعر، الآخرون، كل الآخرين، يلحّون عليه بالقول: يا شاعر لا تبالغ حتى لا تضلّ، إنها صوت ومعنى، لكنه، الشاعر، يأبى أن يقطع أوصالها، يأبى أن يفصل صوتها عن معناها، يقولون له إنها للاستعمال، لكنه الشعر يجبره على تنزيهها، يجبره على الاقتراب منها حدّ الملامسة، حد تقبيلها في شفتيها. اللغة في الشعر محض وجود خاص، كأنها محض غاية. نعم اللغة في غير الشعر وسيلة، في أيام الجامعة ذاع بيننا صيت كتّاب "الشعر والتجربة" لمؤلفه "أرشيبالد ماكليش"، وهو واحد من أكثر الكتب تأثيرًا في ثقافة جيلي، جيل السبعينيات، نقلته إلى العربية "سلمى الخضراء الجيوسي"، فأحببناها مرتين، مرّةً للفعل في ذاته، ومرّةً لجمال الترجمة التي شهد لها كثيرون بالدقة. لابد أن أحكي كيف وصلت إليه؛ لأننا فقط كنا نسمع عنه، كنت طالبًا بالجامعة، ولمّا ذات يوم أخبرني زميلي "محمد خلاف" الشاعر الذي خان الشعر لأنه لم يتحمل شروط صحبته والساكن في العباسية، أخبرني أن كتاب "ماكليش" موجود في مكتبة البارودي بالعباسية، وهي مكتبة عامة للقراءة والإعارة لا للبيع، فذهبنا إلى المكتبة، لم نكن من أعضائها لنستعير. رأيتُ الكتاب وتصفحته وشممت رائحته واشتهيته، وغادرت المكتبة بحسرة، لكن محمد فاجأني بأن أعطاني نسخة الكتاب مخلوعة من غلافها الثخين الجلد، الغريب أنني قبلتها، وظلت معي إلى أن صادفتها واشتريتها فيما بعد، أيامها كانت اللغة بالنسبة لأقلية منّا، صوتًا ينشع بعرق طيب الرائحة أو خبيثها، هذا العرق هو المعنى، لا يغفله الشاعر ولكن لا يقدمه على الصوت، وبسبب شعراء سبقونا، وبسبب ناثرين مثل "مصطفى صادق الرافعي" وكتبه "السحاب الأحمر" و"أوراق الورد" و"حديث القمر" إلخ إلخ، انجذبتُ إلى الصوت، وتأنّيتُ قبل أن أنظر إلى المعنى، أعلم أن التفريق بينهما ضلال، وأعلم أن اللغة في الشعر ليست للاستعمال، إنها تبدأ بأن تكون للوجود، والفصل التعسفي بين الصوت والمعنى يقتل الشعر، وتقديم أحدهما على الآخر علامة انحياز لأحد الضدين، الشعر والنثر. بالطبع علوم اللغة وما تحتها من فلسفة ورؤى تنشع في اتجاهات عديدة جعلت رؤانا ترتعش، ومع ذلك ظل صوت اللغة مثل هاجس أول عند كل شاعر، هاجس يخشى من الاستسلام للرغبة في إخضاع اللغة لهاجس الاستعمال، أعترف أنني أحيانًا أسمع أصواتًا بلا معنى ولا أتخيل أن هذا تجريد، إنه مقاومة محاولات التقليل من أولية الصوت، "ليبير ليبيرا فالوس"، هكذا يكتب شاعر ما، ليس بحثًا عن الغرابة، إنه فقط يتآلف مع الصوت.
· 2- منذ إصدار ديوانك الأول "الحلم ظلّ الوقت الحلمُ ظلّ المسافة" الصادر في 1980 عن جماعة "أصوات".. وأنت تسعى لـإحداث "ثورة" حداثية في قصيدة النثر، بعد كل هذه السنوات كيف ترى ذلك الآن؟
= الحقيقة أن هذا السؤال قامته أطول من قامتي، الحلم ظل الوقت الحلم ظل المسافة، كان ديوانًا بإرادتي وليس بإرادة الشعر، كنت أخرج لتوي ليس من حضانة أمي، ولكن من حضانة أشبه بسجن الأطفال، أتأتئ وأفأفئ ليس مثل ممسوس، ولكن مثل أبله، لابد أن أتعلم الجرأة على المشي بأكثر من قدمين، وإحاطة نفسي بكل هذا الوضوح والغموض كي يراني أحد، نعم نعم كي لا يراني أحد، هل كنت أكتب هذا الشعر بشعور الخائف منه، أم بشعور المجترئ عليه، في الحالتين يا لها من سفالة!
في المدرسة الابتدائية التي أذكرها باعتبارها سفر الخروج بالنسبة لي، وفي المدرسة الإعدادية سفر المتاهة، متاهتي، وفي المدرسة الثانوية، سفر التكوين، المزمور الأول، في مدارسي كلها، لم أكن الأول قطّ، وقطّ تفيد الدلالة على الماضي الذي أظنني أعرفه، بينما أبدًا تدل على المستقبل الذي أحاول أن أعرفه. وفي الجامعة سفر الرؤيا، لم أكن أيضًا الأول قط ولا الأخير، كنت غير مرئي تمامًا، وفي بيتنا، بيت عائلتي أبي وأمي، كنا الأحياء الثلاثة، وكنت بينهم الأوسط، تسبقني أختي التي يتلوها مباشرة أخ مات، ويعقبني أخي الذي يسبقه مباشرة أخ مات، فأنا الثالث بين خمسة محمي من الموت باثنين ميتين قبلي وبعدي، هكذا عشت بي قوسين، ومع ذلك لا أعرف هل وجودي امتياز أم نقيصة، خاصة أن بيتي الثاني بيت زوجيتي، الذي لا أظنني زعمت أنني عميده، ولا أظنني أيضًا أنني نفيت أنني عميده، مثل كل بيوت الشعر، في بيتي الثاني تركت زوجتي لابني، وتركت ابني لزوجتي، فكانا كما تمنيت، علماني الانفراد بالشعر، إلى أن ذهبت زوجتي بصحبة "كورونا"، ففطنتُ إلى خطيئتي؛ لأنني لم أتعلم حراسة من أحبه، وبسبب هذا خفت مني على الشعر، في علاقتي بزوجتي وابني، لم يفكر أحدنا في استعمال الآخر، فانتقلنا من الكينونة العابرة إلى الوجود الخالص، وفطنتُ إلى أنني هكذا في الشعر، أنا واللغة والشعر، فطنت إلى أن أحدنا لا يستعمل الآخر، فطنتُ إلى أن الاستعمال تصريح بالموت، وأن استعمال اللغة تصريح اغتيال للشعر، وكذلك العكس، فتمنيت لنفسي أن أرى كل شعر أحبه خارج كل سياق عام، تمنيت أن تكون السياقات بعدد الشعراء، والشعراء الذين شعرهم هو ذلك الوجود الحق قليلون، والشعراء العموميون أغلبية، وأي شاعر لن يستطيع أن يجزم بما هو عليه، لا يخفف من صعوبة الأمر سوى أن أغلب الشعراء يفضلون أن يكونوا شعراء عموميين، شعراء الأغلبية.
· 3- في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت فترة السبعينيات، كانت ثمَّ ما دفع كلًّا من الشعراء عبدالمنعم رمضان وعبدالمقصود عبدالكريم وأحمد طه ومحمد سليمان، لتشكيل جماعة "أصوات"، بدورها الريادي آنذاك، والتي أعطت متنفسًا لطباعة ديوان لكل شاعر، أعقبه صدور عدد واحد من مجلة "الكتابة السوداء".. في المقابل كانت هناك جماعة "إضاءة77". حدثنا عن تلك المرحلة. وهل بالضرورة على الكاتب أن ينتمي إلى "جماعة أدبية"؟
= تزامنت نكسة ١٩٦٧ مع بداية دراستي الثانوية تقريبًا، وأول انشغالي بأوهام الحب، العاطفة والجسد، كنت أيامها أدمن قراءة روايات "محمد عبد الحليم عبدالله"، وأصوغ بعض مشاعري وكأنني شخص في رواية، ولما تقدمت كتبت فصولًا من هذه الرواية، لكنني مع بلوغي السنة الثالثة الثانوية كنتُ انصرفتُ تمامًا إلى رومانسية "إبراهيم ناجي" و"علي محمود طه" و"عبدالمعطي الهمشري" و"محمود حسن اسماعيل" الذي سيستمر معي لفترة أطول، الشعر هذا صرفني عن الدراسة إلى حد تعطيلي سنتين عن دخول الجامعة التي كانت عتلة تغيير، معها عرفت مشاعر ورؤى أخرى، "الماركسية" التي جسدتها "ماجدة شعراوي" وجماعتها، و"الوجودي" ومثّلها بمفرده "محمد خلاف" الذي تجهز كشاعر لفترة ثم انطفأ. عمومًا كانت الجامعة بالنسبة لي عتلة تغيير، معها جرؤت وذهبت بما أكتبه إلى الشاعر "أحمد عبدالمعطي حجازي" في روز اليوسف ليكتب عني مقالته نداء إلى شعراء المستقبل، التي تنتهي بنبوءة أنني سأضطر إلى اختصار اسمي الطويل، عبدالمنعم رمضان أحمد حسن، مقالة حجازي نفخت في روحي نارًا ونورًا ، كنت أوائل ١٩٧٢، وكنت خجولًا جدًا ، أيامها أقبلت على الآخرين باحثًا عن ألفة وعن رفاق، آنذاك ستبدأ حبات المسبحة بمحمد سليمان، وكان يكبرني ، وبمحمد عيد ابراهيم وكان يصغرني ، الأول يجلس على ما يعرفه ويغني، والثاني يرفس ما يعرفه ويبحث عن الغرابة، ويخالف خط السير، قرأت معه "أدونيس" و"أنسي الحاج" و"شوقي أبي شقرا" و"فؤاد رفقة" و"عصام محفوظ" و"يوسف الخال" و"محمد الماغوط"، كنت أيامها أحس بأنني أقترب من ملامح وجهي وقلبي، إنها مرحلة التحولات، زاملت "محمد عيد" ورقصنا معا قرب فوهة هذا البركان، وصرنا أخوين بالروح، كان محمد منذ بدايته يرفس الوزن ويستعد معظم الوقت لقتل آبائه، ولا يأبه بإنكارهم لوجوده، عن طريقه عرفت "أحمد طه" و"عبدالمقصود عبد الكريم"، وصرنا خمسة يبحثون عن سفينة تتسع لهم، كلنا نلعن ما آل إليه نظام عبدالناصر ومن بعده، ونبتعد بدرجات مختلفة عن الآباء الشعراء صلاح عبدالصبور وأحمد حجازي، ونمتعض من المجلات الثقافية ، وننظر إلى الوراء في غضب، وإلى الأمام في اشتهاء، داخل هذه الخيمة انصهرت جماعة أصوات، وخيمتنا لم تكن معاناة خاصة، كانت مناخًا، آنذاك كانت جماعة أخرى تنصهر تحت خيمة أخرى، فأصبحنا "أصوات"، وأصبحوا "إضاءة ٧ ٧"، كنا، أعني "أصوات"، أبناء مدينة بدأت تتخلى عن ألفتها وتكشف عن توحشها واختلاف ممثليها، وكانوا، أعني "إضاءة"، أبناء ريف، يدلون أكثر على وحدتهم، خيمتنا كانت مليئة بثقوب سندأب على توسيعها، وخيمتهم يحميها من التلف حنين دائم إلى ما سبق، إلى الآباء، إلى حد الإصرار على الفيضانات العاطفية والحذر من جموح المغامرات، كانوا موصولين بواقع حمولته تفوق حماسة شاعر، هكذا تآلفوا مع الآخرين الذين أزعجهم غضبنا .
· 4- في حوار سابق لها، بما يزيد عن 10 سنوات، كان للكاتبة الصحافية وزوجة الشاعر الجنوبي أمل دنقل، تعبير صادم عن أن جماعة "أصوات" خرجت على الجنوبي، ولم يضف أي من شعرائها جملة شعرية على أمل". إلى أي مدى صحة هذه العبارة؟
= ربما تكون السيدة "عبلة الرويني" على صواب، وربما تكون على خطأ، أنا غير معني بمدى خطأ أو مدى صحة ما قالت، أنا معني أكثر بتأكيد إعجابي بديوان أمل ( الغرفة رقم ٨) الذي به تخلص من غبار شعرية أحمد حجازي والذي، أي الغبار، سبق أن علق ببعض قصائد سابقة لأمل، وكل الشعراء يبدأون ممسوسين بشعرية شاعر ما، بعدها قد يرسون على الشاطئ الخاص وقد يظلون ممسوسين، الحقيقة أن "دنقل" عثر على شعريته في الغرفة ٨، و ها هي مازالت تدهشنا كأنها بنت اليوم، كأنها الطيف الأخير.
· 5- من خلال قراءتك ومعايشتك للحركة الثقافية في مصر، هل ترى أن جيل السبعينيات يمثل نضوجًا فاعلًا في المشهد الثقافي العام؟
= بدأنا، جيلي وأنا، زمننا الشعري تحت سقفين خانقين، الحكم العسكري والنكسة، كنا أيامها في أطوار مراهقتنا، معظمنا التحق بالجامعة بعد النكسة، فعرفنا الحركة الطلابية واقتربنا منها فضولًا، ثم استظللنا بها، ووجدناها فريقين، الأول يباركه النظام وكان ناصريًا، وأيضًا كان الأغلبية، خاصة في اتحادات الطلاب، والثاني كان ماركسيًا، وفريق ثالث، آنذاك كان قادما من بعيد ، وهو أو ٣ هم: الإسلاميون، والفرق الثلاثة انقسمت فيما بعد، انقسمت حول حرب ٧٣، هل كانت حرب تحرير أم حرب تحريك، الطلاب الشعراء اختلطت رؤيتهم الشعرية للعالم فظهرت معالم رؤيتهم الأيديولوجية، حتى أننا بدونا الأكثر غرقًا في هذا البحر عمن سبقونا وعمن لحقونا. كنا نتمنى أن نتكلم بصيغة المفرد، لكن الظرف الموضوعي يجبرنا أن نتعلم لنتكلم بصيغة الجمع، كنا أيامها مأخوذين بشعر الرواد، نردده ونحفظه ونزهو به، ونفاضل فيه بين صلاح عبدالصبور وأحمد حجازي، ونتشدق أحيانًا بأسماء الرواد العرب خاصة السياب، أيامها كان عفيفي مطر أقل حظًّا في الحضور، كنا نردد شعر صلاح وحجازي في كل مجالسنا. في سنة ١٩٧٢، في أولها، وربما في آخر ١٩٧١ سأذهب ببعض شعري إلى حجازي في مجلة روز اليوسف، الذي فاجأني، بعد أن أوشكت على اليأس منه، بكتابة مقالته الأسبوعية تحت عنوان: نداء إلى شعراء المستقبل، كتبها عني وعن شعري، وختمها بأنني سأضطر في المستقبل إلى اختصار اسمي، كان ذلك تقريبًا في فبراير ١٩٧٢، بعد أكثر من ثلاثين سنة سينشر بجريدة الأهرام مقالاته (أحفاد شوقي)، أيامها ضحكت وأضفت وأبناء حجازي. عمومًا لم ينتبه جيلي انتباهًا كبيرًا، لغير صلاح عبد الصبور وأحمد حجازي، أما الجيل التالي عليهما، جيل الستينيات الشعري فلم يشغلنا كثيرًا، فيما بعد انتبهنا إلى عفيفي مطر، وانقسمنا حول أهمية أمل دنقل، لكننا جميعًا أحببنا ديوانه (الغرفة رقم8 )، في الحقيقة استعصى تكويننا على الشرب والارتواء من ماء شعر الستينيات، كان ماء تُرع صغيرة لا ماء أنهار كبرى لها فيضانات، خاصة أننا أيامها نهلنا من الشعرية العربية، السياب وحركة شعر، أدونيس والماغوط وأنسي الحاج، وأذعنا قصيدة الماغوط ( أمير من المطر وحاشية من الغبار ) وأشعناها بعد أن انتحلها أمل. خصوم السبعينيات طعنوا شعرنا بشبح أدونيس، كل هذا أصبح الآن مضحكًا. الظاهرة الأهم في حركة جيل السبعينيات، أن بدايتنا زامنت ظهور طباعة الماستر، فأصبحت حركتنا تقريبًا هي التجلي الثقافي لثورة الماستر، لأننا بسببها استطعنا أن نستقل عن المؤسسات الثقافية التابعة للنظام، وأن نملك الاستغناء عن مجلاته وصحفه، عندها اصطففنا في تكوينات تمثلنا، كما لو أننا عرفنا كيف نتحرر أدبيًا وسياسيًا، وظهرت آنذاك مطبوعات خاصة كثيرة، شعريًا لم يستقر منها في الأذهان إلا جماعة أصوات وجماعة إضاءة، الجماعتان شعريتان تميلان جهة اليسار، الرسمي (يسار الأغلبية) في حالة "إضاءة"، والتروتسكي (يسار الأقلية) في حالة "أصوات"، مما أدى إلى سهولة قبول إضاءة، والتململ من الترحيب بأصوات. نشاط الجماعتين أجبر المؤسسة الثقافية الرسمية على ضرورة التفكير في ضرورة احتوائهما، واحتواء ما يقلدهما في الأقاليم، فبحثت، أي المؤسسة، عن شخصيات مقبولة لتكون على رأس مجلات أنشأتها لتكون حظائر جديدة لاستقطاب هؤلاء الخارجين فنيًا وأدبيًا وسياسيًا وحياتيًا، كنا قبلها قد مررنا بأزمة مجلة "الكاتب"، التي أطيح بهيئة تحريرها بعد نشر مقالة رأت حرب ١٩٧٣ حرب تحريك لا حرب تحرير، وجاءوا بهيئة تحرير جديدة على رأسها الشاعر صلاح عبد الصبور، حينها شتمناه بشعره، "ياللإنسان الورقة!"، وابتعدنا عن مجلته، وشرعنا في تكوين جماعاتنا، وساعدنا على ذلك ما سبق أن أشرت إليه، ثورة الماستر، فيما بعد، ستنتبه السلطة الثقافية الرسمية، وتغرق الدنيا بمجلات ماستر عميلة لتغطينا. السبعينيات كانت بتعددها هي وقت انتباهنا للتفكير في نيل حرياتنا الإبداعية، والماستر كان أداتنا، وكنا بعض الفاعلين بها، إلى أصبحت ماضيًا لا يعود .
· 6- "قصيدة النثر المصرية" –إذا ما اتُفق على هكذا مصطلح- عبر أجيالها ومبدعيها، هل كانت بدرجة ما تمثل نقلة نوعية لذاتها أولًا، وللمشهد الشعري بشكل عام؟
= لا يمكن القول بأن "سوزان برنار" من اخترعت قصيدة النثر ، إنها موجودة منذ الإنسان الأول، لكننا لم نكن نملك طريقة التعرف عليها، قبل "جماعة شعر" كانت قصيدة النثر هامشًا على متن، مثل ظل يرفع رأسه في استحياء، آملًا أن يراه أحد، أو لا يراه أحد، ويتلعثم خائفًا أن يسمعه أحد، أو لا يسمعه أحد، ولكنه في أماكنه الخلوية كان يتخلص من الاستحياء واللعثمة، مثلما فعل في "نشيد الأنشاد" و"سفر الجامعة"، ضمن أهم ما فعلته جماعة شعر هو تعميدها في معابد برّية قائمة على الطريق، ولا تشترط تمام طهارة من يدخلها، لا تشترط طهارته أصلًا.
كان "أنسي الحاج" أشبه برأس حربة مسكونة بالتعدد الثقافي، وحائمًا حول قصيدة النثر الفرنسية وما أحاطها من كتابات ورؤى. ولعله، أي أنسي، كان مسكونًا بكتاب سوزان برنار "قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا"، وحيوات محبوبيه، ومعه، أي مع أنسي، آلف أدونيس بين قصيدة النثر وقصيدة الوزن، وغالبًا لم يفاضل، وحاول أن يرفع الحواجز التي بينهما كما يزعم من لا يعرفون الشعر، واكتشف جسورًا جديدة سوف تمر عليها قصيدة النثر الراهنة.
وأتى "محمد الماغوط" من مكان آخر، ظهرت فيه اللغة وكأنها فِطرة أحيانًا، وكأنها وحش أسطوري أحيانًا، وكأنها في الأخير عدم طاعة المخلوق للخالق، وادعاء أنه خالق نفسه.
قصيدة النثر المصرية تأخرت عن نظائرها في علاقتها باللغة إلى حد أنها بدت وكأنها تؤكد صحة الزعم بأن مصر قلعة السلفية، قلعة القول بأولوية ماذا تقول على كيف تقول، فهي تبعث، في الغالب، صوتها ودقاتها متأخرة قليلًا أو كثيرًا عما تجسده حروفها من معان. مازالت اللغة هي الحلقة الأضعف في قصيدة النثر المصرية، بمعنى أنها الأقل براءة، وشرط قصيدة النثر بلوغ البراءة، بلوغ أقصى براءة، مع العلم أن هذا الأقصى لا آخر له.
· 7- في أواخر التسعينيات كتبت مقالًا، نشر في جريدة أخبار الأدب، هاجمت فيه د. جابر عصفور، ما الأسباب التي دفعتك لذلك؟
= أعترف بدايةً أن "جابر عصفور" كان أحيانًا صديقي وخصمي، وفي أحيان أخرى كان خصمي وصديقي، لقد تعارفنا، أعني "جابر عصفور" و"جيل السبعينيات"، في لحظة سعينا الدؤوب لتحقيق ذواتنا، التي ظلت عند بعضنا للأسف تختلط بشهوة ركوب قطار السلطة، ولو في العربة الأخيرة، ولو في السبنسة، أعترف ثانيةً أن بداية جابر كانت تمتلئ وتجيش بمشاعر انبهاره بـ"طه حسين" و"سهير القلماوي"، وله سردية حول استقبال طه لسهير ومعها تلميذها جابر، مما أدى إلى إصرار خياله على تصور أنهم ينبغي أن يكونوا أبًا وابنة وحفيدًا، ويكون هو الحفيد، ويكون بعض ميراثه الذي سيصر عليه هو الالتحام بالسلطة على هيئة الدليل والمرشد، ولعل هذا الهاجس خامره مبكرًا وبسذاجة أيامَ كان طالبًا مسحورًا بالبطل، إلى حدّ أن أرسل إلى "عبدالناصر" رسالة تتمنى الحصول على صورة الزعيم، ووافته الصورة، ها ها، هذا حلم طالب يتحقق، في الشعر اعتنق جابر محبة صلاح عبدالصبور وأمل دنقل، الأول أمير الشعراء، الأمير الرسمي، والثاني أمير الشعراء الخوارج، ولما استشعر فيما بعد أن جيل السبعينيات الشعري، هو الجيل المهيأ لوراثة السلطة الثقافية الشعرية، عانقتْ كتاباته شعر هذا الجيل، وخصني في الحقيقة، وطوال الوقت حتى وفاته، بحفاوة خاصة، لا أعرف مدى صدقها، ولكنني أزعم أنني أعرف جغرافيا وجودها، فعلى الرغم من ترويجه لمقولته زمن الرواية، سيظل الشعر هو النص الأساس في خيال جابر، يتغافل عنه أحيانًا، يغالطه أحيانًا، لكنه مع ذلك ظل يخشاه، ويقر في بعض مجالسه بأوليته، أولية الشعر، وفي حوار نشرته مجلة الأهرام العربي في أكتوبر ٢٠٠٠ ختم جابر حواره بالإشارة إلى مقالة له نشرها في مجلة إبداع سنة ١٩٩٠ أو ١٩٩١ بعنوان شاعر من السبعينيات، وفيها قام جابر بالتفريق بين الشاعر السبعيني الذي ينسب للزمن، وإبداعه ليس سوى تكرار للسابقين، والشاعر السبعيني الذي يسعى إلى تأسيس نوع من الانقطاع، والأخير هو الغالب -عند جابر- ثم يستدرك ويقول: "أما عبدالمنعم رمضان فلديه قطيعة واضحة، خصوصًا بعد أن صفى وعيه الشعري من أدونيس، وأصبح مستقلًا تمامًا، فتصور الشاعر عن نفسه في شعره هو المفتاح الذي يقودنا إلى خصائص كثيرة" انتهى كلام جابر، في حياة جابر كثيرًا ما تشاحنا، لكنه مات ونحن صديقان.
· 8- يدّعي "هارولد بلوم" بأن "القوة الدافعة الأساسية عند الشعراء في أي عصر هي الدافع للإطاحة بأفضل الشعراء الذين جاءوا قبلهم" أيمكن أن يعني هذا الطرح وجود صراع أزلي يتبناه كل جيل ليحيا على أكتاف من سبقه؟
= لم يفاجئني "هارولد بلوم"، تخيلته يختار كرسيه جهة اليمين دائمًا، وهي جهة تخشى التعدد وتعشق سلطة الواحد، أحب أن أخطف عبارة "بيكاسو" وأرددها، يقول بيكاسو: "الفنان الجيد يسرق، والفنان الرديء يقلد" عبارة بيكاسو تدعو تقريبًا لسيادة الفن الرديء، أليس كذلك يا عمّ هارولد؟ هل الفن عمومًا والشعر خصوصًا لا يسمح إلا بقمة واحدة يحتلها شاعر واحد، هارولد يقول: نعم ، وأن هناك ذلك الشاعر الذي يصح أن نسميه أمير الشعراء، نعم نعم، أم أنها قمة مفتوحة لكثيرين لا تقوم على الإزاحة بالتقليد، "هارولد بلوم" يبدو وكأنه خرج لتوه من صندوق "داروين"، فالقمة لا تكون إلا للأقوى، أحمق من يدعي أن مسرح البقاء مفتوح للكثيرين، "بلوم" يوهمنا بثبات تصورنا للأجمل وفق قواعد يعرفها هو، ويعرفها أشباهه، لذا هي فكرة تقوم على تبريز الواحد، تبريز الملك، وكأننا في سيرك لصراع الأسود، البقاء فيه للأقوى. سياسيًا هي تخدم إيديولوجيا الملكية، إيديولوجيا اليمين ، تخدم الديكتاتورية، ولعلها تنطلق منها أصلًا، وتمتد لتشمل الأدب، "هارولد" يقف هكذا على يمين العالم، آملًا أن تدعم ديكتاتورية الأدب ديكتاتورية السياسة، بدعوى حماية الشعر من دعوات الانحطاط، حمايته من السوقة ، من رامبو وأمثال حلمي سالم وعبدالمنعم رمضان وعباس بيضون، "هارولد بلوم" يضيف : وأبو نواس.
· 9- دعنا على سبيل المثال. أولاً ، نقرأ من قصيدة "باب السفر" التي تقول فيها:
كان أبي يتوكأ مثل الرجال الفرادَى
على أول النورِ
كانت ملامحه تتخايل مثل
ملامح طفل صغيرٍ
ولمّا يكاد يسلّم رايته
يتذكّر أمي ويمسح جبهتَهُ
ويفكر فيما يفكر فيه البرابرة المتعبون.
يمكنك قراءة هذه القصيدة بوعي كاشف وفلفسي ناضج والاستمتاع بها. لكن شيئًا آخر يحدث عندما نفكر في الأمر كجزء من سيرة ذاتية لك تضعها بين أيدينا.
=هذه السطور الشعرية تبدو وكأنها امتداد لمتاهة الاسكافي، ولأنني أدعي أنني أقرأ الرواية وأكتب الشعر، قامرت ذات فترة، وشرعت في كتابة سيرة ذاتية، كانت سيرة طفولة أكثر، عنوانها متاهة الإسكافي، لماذا الإسكافي، لا أعرف تقريبًا، دار الآداب ببيروت نشرتها في مطبوعة فاخرة، وطبعًا غالية السعر، على غلافها صورة أبي بملابسه الريفية، فيما كان على غلافها الآخر عنوان الهجر، حيث سيرة الفنانة التشكيلية نجاح طاهر. كتاب بغلافين وسيرتين لشاعر مصري وفنانة تشكيلية لبنانية، الكتاب البيروتي كان غالي الثمن، فيما بعد استأذنت نجاح طاهر ودار الآداب، ونشرت المتاهة بمفردها في دار الثقافة الجديدة بفضل الروائي صنع الله ابراهيم، مسئول الدار، هل سأكتب جزءًا ثانيًا، على أمل أن أصل فيه إلى زمن تخيفني الكتابة عنه؟ أعلم أن السيرة حجتي لدخول الجنة العذراء التي أشتهي استعادتها، أعلم أنني أخاف من الرواية على الشعر؛ لأن الرواية تخيف إذا كانت أنثى، تخيف أكثر إذا كان من سيكتبها شاعر.
· 10- أنت سليل عائلة الإبداع الشعري السبعيني، بما لتلك الحقبة وبما عليها. بماذا يمكن تقييم تجربة ذاك الجيل، ومنجزه الإبداعي؟
= هل الحقيقة أنني فعلًا سليل الإبداع الشعري السبعيني؟ فليكن! فليكن! كان معظمنا مزامنًا تقريبًا لميلاد حركة يوليو ١٩٥٢ التي بعد ذلك أصبحت ثورة يوليو، ربما يسبقها أحدنا بسنة أو سنتين أو يتلوها بمثلهما، أمهاتنا للأسف أرضعننا لبنًا ناشعًا من أحلام قادة الحركة، الذين كانت ثقافاتهم قصيرة القامة، قصيرة النفس، تكاد لا تتجاوز حدود ظلالهم. في المدرسة الابتدائية صبّوا لنا عصائرهم التي تصورناها ستروينا، وحمدناهم، وبعدها بفترات أدركنا أننا كنا قطعانًا من المغشوشين، سنة ١٩٦٧ تحرشت بنا رغباتنا، ودفعتنا أن نبلغ الجامعة، كنا نريد أن نعرف، كثير منا التحق بجامعة ما بعد النكسة، ولأننا أصبحنا أكثر قدرة على تمييز الأصوات، سمعنا وبرعب أنين الأغلبية، وبرعبٍ مماثل سمعنا طنين الحكام والكهنة، وعلى أرصفتنا أرعبتنا هيئات المهزومين، وعلى أرصفتهم لم نرهم، جعلوا بيننا وبينهم سدًّا، آنذاك تركنا عافيتنا ودخلنا الشعر من بوابات عدم الرضا، من بوابات المقاومة والرفض، رومانسيتنا آنذاك احترقت مثل وردة عابرة، عرفنا أن عين علم العسكر ، بكسر العين، غالبًا ما يكون جهلًا موروثًا، وبقدر ما عطلتنا هذه الفترة، بقدر ما صهرتنا وأوقفتنا أمام بوابات الرفض الذي امتد من رفض العسكر إلي رفض سلطات الأسرة والأب والماضي والسماء. كنا نأمل أن نكون نحن، صارت الجامعة ميدان سباق للقفز إلى أعلى وإلى أمام، حمى الرفض أصبحت آيتنا وأمارتنا، نحن الأبناء البكر للنكسة، الأصح أبناء النكسة الذين بسبب ارتفاع منسوب أحلامنا، وانخفاض منسوب معارفنا، كان لابد أن نتحالف ونتكتل ويسمينا البعض جيل السبعينيات. جيل السبعينيات هذا هو ذلك الجيل المنكوب في تاريخنا الأحدث، فهو دائما الجيل الذي فوجئ أكثر من مرة بسقوط روحه تحت أقدام محمية بأحذية سوداء غليظة، بسقوط روحه فوق غطاء المائدة التي أعدها الجميع، أسلاف أهل يوليو وأخلاف أهل يوليو، منذ ذلك التاريخ اغتربنا عن أنفسنا، منذه حاولنا استعادة أنفسنا، منذه أزحنا بعيدًا عنّا ثقافات الإجابات المفحمة، على أمل ميلاد ثقافات الحيرة والتساؤل والبحث، بعضنا لم يستطع البقاء في الحيرة، تعب، فبحث عن انتساب يريحه، وبعضنا رفض كل انتساب وتصالح مع العدم، وأغلبيتنا أدمنت البحث والاختلاف بغض النظر عن الوصول، وأقلية منّا أدمنت دوام الصيرورة ودوام التحولات، التحولات، حيث لا أول ولا آخر، حيث الطريق عند كل نقطة يتعدد، ويصبح طرقًا، هي الأخرى تتعدد ،وهكذا بلا نهاية، تعبت أغلبيتنا، البعض مات دون أن يصل، البعض غسل يديه وارتكن إلى جدار ليستريح، نحن فعلا جيل النكسة، جيل السبعينيات، ومع ذلك نزعم أننا فتحنا النوافذ على كل الطرق، وحرصنا على أن نكون جيل التعدد ، لا يمكن لحلمي سالم أن يشبه أحمد طه، ولا لرفعت سلام أن يشبه بشير السباعي، ولا يمكن لي أن أتبنى رؤيا حمدين صباحي ورؤيته، ولا يمكن للسماء البعيدة جدًا عن رأسي أن تكون هي السماء القريبة جدًا من رؤوس بعض الآتين بعدي، هكذا أصبحنا جيل التعدد الذي لا آخر له، سوف نحب ظلالنا لكننا في الأخير سنرجمها، نعم نعم سنرجمها.
11- جميع الشعراء لديهم رؤى قريبة الشبه عن قصيدة النثر، ولكل من تلك الرؤى تركيز مختلف يشير إلى مساهمة ذلك الشاعر في إنتاجه الخاص.
هل، برأيك، قصيدة النثر الآن في حاجة إلى أن تصبح جزءًا من الحداثة الإبداعية في المشهد الأدبي العام؟
= دعني أعترف أمامك دون خجل ودون خوف من أي اتهامات يمكن أن تصفني بصفات بشعة تليق بكل ثقافات التقليد والنقل، دعني أعترف بأنني أكاد أرتعب وأرتجف من كلمة العالمية إذا اقتربت من هذا الشبح الجميل الغامض الذي نسميه الشعر. كلنا، كلنا نعرف ونكرر العبارة المحفوظة والمدوخة والتي تفيد بأن المعاني مطروحة على قارعة الطريق، وكلنا، كلنا ممن يعرفون الشعر كصوتٍ أولا ومعنًى ثانيًا، يلحون على أنه، أي الشعر ليس فاترينة المعاني، وعلى أنه ببساطة ضفيرة من جديلتين، الأدق مركب من عنصرين يستحيل فصلهما، هما الصوت والمعنى ، كل كتب الشعر تتمهل أمام الاثنين، ولكنها تتمهل اكثر أمام الصوت لأنه المميز الأول لشعر كل شاعر داخل كل لغة، والمميز الأول لشعر لغة ما عن سواه من شعر اللغات الأخرى؛ فالصوت عندهم هو العلامة الكبرى، الآية الكبرى، لهذا يصر دائمًا منظّرو الشعر في مختلف العصور على تقديم الصوت وتأخير المعنى، مادام المعنى عملة متداولة في كل اللغات، وربما المعنى ذاته، المعنى الذي يقبل أن يُسرق أو لا يُسرق، وها هي كتب سرقات الشعراء تقوم على تدوين سرقات المعاني التي قد تُمتدح، إذا تفوق صوت النص السارق على صوت النص المسروق، لأن الصدارة في الشعر تكون دائمًا للصوت، بلغة أخرى، الشعر شعر بصوته وليس بمعانيه، واللافت أن كل ترجمة للشعر من لغته الأصلية إلى لغة أخرى هي نفي للصوت، لذا تبدو بالضبط مثل خيانة متفق عليها، هذه الحقيقة البسيطة بساطة البداهة، ستصر بعض أغلبية على إنكارها والنيل منها، في سبيل ادعاء عالمية الشعر، والدعوة إلي كونها غاية الشعر وذروة سنامه، وأعني العالمية.
· 12- "الشعر فعلك الحداثي الذي ولِدتَ به وجُبلت عليه."
من خلال تجاربك الشخصية وعطائك الإبداعي الممتد، هل أتى الوقت لأن نقرّ بانتصار "الشعر" -كمنجز بشري- على صنوف الآداب الأخرى؟
= ليس الشعر في صراع مع الفنون الأخرى ، صحيح أنه كان أول فنون اللغة ، عرفها في البداية كصوت ، فأصبحت اللغة كصوت علامة الشعر الأولى ، وهذه العلامة لم ينافسه فيها فن لغوي آخر ، إلا بقدر وحساب ، بعضها رغب في هذه العلامة وألتمسها التماسًا، في أيامنا سعى الكثير من الشعر باسم الحداثة وما بعدها إلى التخفف من سلطة الصوت ، والنزوع إلى تهجين الشعر بغيره ، وتهجين غيره به ، مما هددها ، أعني سلطة الصوت في الشعر ، كلنا الآن يعرف أن تلاقح فنون الكتابة سمة من سمات زمننا ، نقاء النوع أصبح طقسا قديما ، لذا سيبحث شعر كل شاعر عن العلامة التي تميزه ، وهكذا يصبح تعريف الشعر متعددا وغير متفق عليه ، أصبح تقريبا بعدد الشعراء ، قد يكون هذا مقدمة ثراء وبقاء ، وقد يكون مقدمة فناء وموت ، في الماضي كانوا يعتقدون أن الشعر صعب وطويل سلمه ، لا يرتقي فيه الذي لا يعلمه، الآن أصبح الشعر أكثر صعوبة مادام قد أصبح أكثر سهولة، الشعر الآن وبيقين أصبح أصعب.
· 13- من مراقبتك الدقيقة للمشهد الأدبي في مصر والوطن العربي، هل هناك ما يستدعي الانتباه له، من خلال الإصدارات، الجوائز الخاصة بالشعر، البرامج الثقافية أو ما شابه، مثلًا كبرنامج "أمير الشعراء".
= الاستبداد يبدأ من أن أشرع في تحويل ما أعتقده إلى قانون عام، هذه مقدمة تسمح لي بألا أخلط نشاطي الإبداعي بأنشطتي الاجتماعية مثل الجوائز؛ لأنه في الحقيقة لا يوجد ما يمكن أن أسميه أفضل قصيدة مثلًا، فللقصيدة مكانة تخصها، هناك قصائد كثيرة نحبها ولا نستطيع ترتيبها والمفاضلة بينها، نحن بالمفاضلة نُخضع الفن لما هو ضده، الفن الجميل يتجاور ويتحاور ولا يمكن أن يتسابق، إنه يتكامل، المفاضلة فعل تسويق، فعل يخشاه الفن لأنه يخشى المقارنات. كل عمل جميل هو عمل مكتفٍ بذاته، أنت كفنان تستعد للإبداع بالاستغراق في العمل، ثم تصطاده بإتقان العمل، ومع ذلك إذا أتى واكتمل سوف تحس بأنه هبة، ولهذا لابد أن يتعالى وأن نتعالى معه لنحمي مكانته ومقامه، لنحمي رغبته في أن يبدو كـ"هبة". طوال الوقت أتصور أن فرح "نجيب محفوظ" بكتابة رواية هو فرحه المقدس العميق، أما فرحه بنوبل فهو فرحه الاجتماعي العابر، فرحه الهش. الفن مثل الحب يوجد لذاته، والجوائز محض درجات سلم للوجود الاجتماعي، الفن يطير بنا، والجوائز أحيانًا تكون ثقيلة إلى حد ألا يستطيع حاملها الطيران بعدها، يمكن لكل قارئ أن يعتبر هذا كلام شخص لم يستطع أن يحصل على جائزة في حياته، وهذا حقيقي.
· 14- فيما يخص مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت من حالة افتراضية إلى واقع.. في ظل ما تعانيه الصحافة الثقافية، عكس ما كانت عليه في الماضي.
من الواضح أنك تعيش عزلة ما، ولديك عزوف واضح عن تعاملك مع التكنولوجيا، فما سبب ذلك؟
= أعترف بأنني لا أملك إجابة موضوعية مقنعة، أملك فقط الاعتياد وبعض التفكير الخرافي الذي قد يكون خاطئًا، نعم لا توجد أسباب، فقط أصبحت غير قادر على ذلك الضياع الذي قد يتيح لك معارف لا آخر لها، لكنه لن يتيح لك المعرفة بعمق. كنت ذات يوم أصغي إلى من يقول، لا تصرف عمرك في معرفة كل الأشياء، يكفي أن تعرفها معرفة العابر، واعرف شيئًا واحدًا معرفة المقيم، إذا استغرقك العابر ستضيع، والعابر فيه إغراء، وخزانة جسدي تدربت على ألا تحفظ العابر، تدربت على حفظ المقيم، وأنا في الحقيقة أخاف على خزانة جسدي، وأخاف أن تهبط حرارة جسدي ويبرد قلبي، لذلك أدافع عن اعتياداتي، وعما سبق من عمري، لا أملك أسبابًا تصلح للإقناع، أملك فقط حرارة إنسانية رأيتها تضيع تحت عجلات هذا التقدم، أعلم أنني أدافع عما تراه خرافة، لذا أرجو أن تسامحني .
· 15- من خلال شهاداتك عن نصوص تلمست فيها مغامرة القراءة الفاحصة، والنابضة في آن، عن مفهوم مغاير للشعر، مفهوم حداثي، وما بعد حداثي.. اكتشفت أنه عليك التوقف، بأي وسيلة، لأنك بالأساس، لا تقرأ فحسب لغيرك، أو تكتب عنهم، بل تقرأ وتكتب عن نفسك. كيف ذلك؟
= سأجيبك هذه المرة بطريقة أخرى..
سأنقل إليك قصيدة كتبها شاعر مصري شاب يعيش في تركيا منذ ما بعد يناير ٢٠١١ ليس من الإخوان، فأنا كراهتي للإخوان تعادل كراهتي للعسكر ناصريين أو غير ناصريين، الشاعر اسمه أحمد زكريا، أثارت قصيدته غيرتي ، وتمنيتها لي:
أبحث عن كلماتٍ لم يكتبها الشعراء
بعيدًا عن بلادهم
أبحث عن بلادٍ لا تحاول أن تحذف الربيع
من الكتبِ المدرسية
أبحث عن أغنيةٍ جديدة
لم يقتلعها العساكر من حناجرِ المغنّين
أبحث عن قصيدةٍ تنصب الفخاخ للحنين
حتى إلى أمي
الطائفية الوحيدة التي أحببتها
وهي تدعو الله وللمسلمين فقط
أبحث عن معنى آخر للغتي الأم
وعن لسان آخر
لا يفكر بلغةٍ، ويتحدث بأخرى
أبحث عن ذاكرةٍ جديدة
لا تبحث عن بلادٍ لا تسأل عني.
· 16- حول إشكاليات الواقع والقضايا الكبرى والأسئلة الوجودية، هل كان، خلال مشوارك الإبداعي الغزير، ما يعزز المساحة اللازمة للبوح والتحرر من تبعية "التابوهات"؟
= بدأت حياتي أعزل مثل عصا لا يتوكأ عليها أحد، عصا عاطلة، نشأت منذ طفولتي هكذا مفردًا وخجولًا، وكأنني أخفي تحت بشرة وجهي جريمة خجلي، فإذا حاصرني الآخرون بأسئلة، حوصرت جدًا، وعجزت عن الإجابة، وإذا تجاهلوني، حمدت لهم تجاهلهم. هذه النشأة نفخت جوفي، وملأته بأسرار ذاتي، إلى أن دخلت الجامعة، والجامعة من الكلمات التي أعشقها، بسبب سفر الجامعة، والاثنان الجامعة ونشيد الأنشاد اعتبرتهما القصيدتين المثال، عمومًا، في الجامعة تعلمت أن أشتهي لنفسي ما لا أعرف مدى قبول الآخرين له، ولم أحاول أن أعرف، ولم أهتم، كنت أسعي كي أكتمل، وكانت المرأة سقف سمائي، في البداية كتمت اشتهاءاتي، ولكن لما أصبح الشعر طريقي، وأسلمته نفسي، وملأته بهذه الاشتهاءات التي فارت وانتفشت، فبدا، أعني الشعر، فاجرًا أحيانًا، وعفيفًا أحيانًا، غامضًا أحيانًا، وواضحًا أحيانًا، جميلًا أحيانًا، ودميمًا أحيانًا، وعرفت أنه سيكون وجهي، وعرفت أيضًا أنه في الوقت ذاته سيكون مرآتي، فلم أفرط، ولم أتراجع، وأسلمته كل أسراري، ولم أنزعج عندما فجأة يباغتني ويفضح بعضها، ولم أندهش إذا فجأة كتمها، كانت القصائد أحيانًا تفاجئني بالبوح بما ظننت أنني سأضن به، ومع الوقت استمرأت ثم استمتعت بما أفعل، أنا الذي حاولت أن أجيد السباحة ولم أفلح، فظللت لا أسمح لماء البحر أن يتجاوز ركبتي، ومع ذلك أصبحت أجلس مع الشعر عاريًا في الغالب، الطريف أنني أصر على أن الشعر أنثى لا تقبل الخيانة، والخيانة عند الشعر هي الكتمان، لذا تواطأنا معًا على عدم الكتمان. كما أود أن أذكر أيام كنت طالبًا بالجامعة، أعني أوائل السبعينيات، كنت أكتب قصائد عمودية، صحيح كانت بعض بواكير شعري، التي عن طريق البريد نشرت بعضها في مجلة البيان الكويتية، ولعلها إحدى أوائل المجلات التي نشرت بداياتي، لذا أذكر المجلة بحنين يرفع صوتي وأنا أقول: مجلة البيان الكويتية. #مجتمع #محمد_حسني_عليوة
#شعر #شاعر_من_مصر
