
مقال 10 دقائق للقراءة
إيباك وواشنطن: من يدفع ثمن المعركة حين تكون فلسطين على ورقة الاقتراع؟
تحقيق استقصائي في المال السياسي الأمريكي ونفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل
في الخامس والعشرين من يونيو 2024، لم يكن سكان دائرة انتخابية تضم أجزاء من برونكس ومقاطعة ويستتشستر في نيويورك يختارون رئيسًا، ولا يبتّون في حرب بعيدة. كانوا يختارون مرشح الحزب الديمقراطي لمقعد في مجلس النواب. لكن شاشاتهم امتلأت بإعلانات ممولة بأموال تجاوزت حدود الدائرة، وأصبح موقف النائب جمال بومان من إسرائيل وحرب غزة جزءًا من معركة تدور، ظاهريًا، حول من يمثل أهل الحي.
أنفقت لجنة «مشروع الديمقراطية المتحدة» نحو 9.9 ملايين دولار ضد بومان، ونحو 4.8 ملايين لدعم منافسه جورج لاتيمر. وفاز لاتيمر بنسبة 58.6% من الأصوات.
لا تثبت الفاتورة أنها صنعت النتيجة وحدها؛ فلاتيمر كان سياسيًا محليًا معروفًا، وكانت لبومان خلافات أخرى مع ناخبيه. لكنها تطرح سؤالًا يصعب تجاهله: كيف أصبحت منظمة أمريكية تدافع عن توثيق العلاقة مع إسرائيل طرفًا بهذا الوزن في انتخابات محلية؟
اسم المنظمة هو «إيباك»؛ أما القصة فليست قصة شيك واحد يشتري قرارًا، بل شبكة من الحشد والمال والعلاقات والتشريع، لا يُفهم نفوذها إلا إذا فهمنا حدودها أيضًا.
بداية أقدم من لجان التبرع
تعود الجذور إلى خمسينيات القرن الماضي، حين نشط آيزايا كينن في تنظيم الدعم السياسي الأمريكي لإسرائيل. اتخذ العمل هيئة «اللجنة الصهيونية الأمريكية للشؤون العامة» في 1954، ثم حمل اسم «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية» عام 1959.
كانت المهمة المبكرة إقناع المشرعين بأن دعم إسرائيل جزء من المصالح الأمريكية، وبناء صلات مع ناخبين يستطيعون مخاطبة ممثليهم.
تصف إيباك نفسها اليوم بأنها منظمة أمريكية يقودها ويمولها أمريكيون من انتماءات حزبية ودينية مختلفة، وهدفها تقوية الشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
هذا تعريف المنظمة لنفسها، وليس شهادة مستقلة بأن كل سياسة تسعى إليها تخدم الأمريكيين أو الفلسطينيين على حد سواء.
الأكثر إثارة أن إيباك أمضت معظم تاريخها من دون لجنة انتخابية تابعة لها تقدم تبرعات مباشرة للمرشحين. نقطة التحول جاءت في ديسمبر 2021، حين أنشئت «AIPAC PAC»، ثم في يناير 2022 نشأ «United Democracy Project» أو «مشروع الديمقراطية المتحدة».
هنا تغيّرت الأدوات، وإن لم يتغير الهدف المعلن.
التمييز ضروري. إيباك الأصلية منظمة ضغط تنظم الدعوة إلى سياسات وتشريعات وتلتقي المسؤولين. أما لجنتها السياسية «PAC» فتجمع مساهمات ضمن القواعد الانتخابية وتقدم دعمًا للمرشحين في حدود القانون؛ وكان سقف ما يمكن أن تقدمه اللجنة المؤهلة مباشرة لحملة مرشح خمسة آلاف دولار لكل انتخابات.
وأما «Super PAC» فهي لجنة إنفاق مستقل تستطيع جمع مبالغ كبيرة والإنفاق على الإعلانات المؤيدة لمرشح أو المعارضة لآخر، لكنها لا يجوز أن تمنحه المال مباشرة أو تنسق معه إنفاقها الانتخابي.
لذلك عندما تسمع أن ملايين الدولارات «ذهبت ضد بومان»، فلا تتخيل أنها دخلت حسابه أو حساب خصمه؛ إنها دُفعت إلى إعلانات وخدمات سياسية مستقلة.
إنها مفارقة القانون الأمريكي: الأموال ليست تبرعات للحملة، لكنها تستطيع أن تملأ المجال المحيط بها.
الإعلانات التي لا تذكر موضوعها
في نيويورك، لم تكن كل الرسائل الإعلانية تتحدث عن غزة.
وهذه مفاجأة أساسية لفهم الآلية: يمكن أن يكون الدافع المعلن لجهة الإنفاق موقف مرشح من إسرائيل، بينما تخاطب الإعلانات الناخبين في قضايا محلية أو في سجل المرشح الشخصي.
إنها طريقة للفوز بأصوات لا تجعل فلسطين معيارها الأول.
ثم جاء السادس من أغسطس 2024.
في ميزوري، خسرت النائبة كوري بوش، المنتقدة للحرب على غزة، الانتخابات التمهيدية أمام ويسلي بيل. وبلغ إنفاق «مشروع الديمقراطية المتحدة» لمعارضتها ودعم منافسها نحو 8.5 ملايين دولار.
لكن السباق تضمن أيضًا خلافات محلية، وتحقيقًا في مسائل متعلقة بنفقات حملتها؛ اختزاله في المال وحده يطمس أسبابًا ساهمت في قرار الناخب.
والأرقام الأوسع تكشف أمرًا آخر.
سجلت «AIPAC PAC» في دورة 2023–2024 مقبوضات تقارب 57.9 مليون دولار، وهو إجمالي ما دخل اللجنة، لا قيمة الشيكات التي تسلمها المرشحون.
وفي دورة 2025–2026، أظهرت سجلات لجنة الانتخابات الفيدرالية أن «مشروع الديمقراطية المتحدة» جمع نحو 112.8 مليون دولار وأنفق قرابة 53.6 مليونًا في إنفاق مستقل، وفق البيانات المعروضة حتى 14 أكتوبر 2026.
لا يجوز جمع هذه الخانات معًا ووصفها «تبرعات للنواب»: لكل رقم وظيفة ومسار قانوني مختلف.
من أين تأتي الأموال؟
من متبرعين أمريكيين أفراد ولجان أخرى ضمن قواعد الإفصاح، ومن بينهم أصحاب ثروات كبيرة. لا يلزم افتراض خزائن سرية وراء الأرقام؛ تكفي قاعدة التمويل المعروفة، التي تسمح بإنفاق مستقل واسع النطاق، لفهم قدرة بعض المصالح المنظمة على رفع كلفة الترشح.
الأمر لا ينتهي عند إعلان تلفزيوني.
يدرك النائب الذي يرى زميلًا يواجه حملة بملايين الدولارات أن اتخاذ موقف مخالف قد يجلب منافسًا ممولًا جيدًا.
هذه إمكانية «الردع الانتخابي»، لا حقيقة نفسية يمكن إثباتها لكل نائب. والسجلات تُظهر المال والمرشحين المستهدفين، لكنها لا تخبرنا بما دار في رؤوس المشرعين.
إلى أين تصل الأيدي داخل الكونغرس؟
تعمل جماعات الضغط في وضح النهار أكثر مما توحي به الحكايات الغامضة.
اجتماعات مع المكاتب التشريعية، اتصالات بالناخبين في دوائرهم، مذكرات سياسية، وحملات لحشد التأييد لمشروعات قوانين بعينها.
وفي إفصاح إيباك للربع الثالث من 2026، ظهر مبلغ 712 ألف دولار في خانة إيرادات نشاط الضغط المُبلّغ عنها، مع قائمة تشريعات تشمل العقوبات على إيران والتعاون الدفاعي مع إسرائيل ومشروعات تتعلق بالضفة الغربية والأونروا وحقوق الإنسان.
هذه القائمة مثيرة للانتباه لسبب قد يفاجئ القارئ: إدراج مشروع قانون في سجل الضغط لا يعني بالضرورة أن المنظمة تؤيده؛ فقد تضغط لتعديله أو عرقلته.
ما تثبته الوثيقة أنها تعمل على هذه الملفات وتتواصل بشأنها مع مجلسي الكونغرس وجهات تنفيذية. أما الاتجاه والنتيجة فيحتاجان أدلة أخرى.
وفي مذكرة نشرتها إيباك بعد انتخابات 2024، تفاخرت بأن 326 من مرشحيها المؤيدين فازوا في الانتخابات العامة، وبمساهمتها في هزيمة بومان وبوش.
هذه روايتها عن نجاحها، لكنها ليست برهانًا على أنها صنعت كل انتصار: تأييد مرشحين أقوياء أصلًا يرفع نسبة الفوز، كما أن أغلبية كبيرة من أعضاء الكونغرس يؤيدون التعاون مع إسرائيل لأسباب تسبق أي إعلان انتخابي.
هذا الامتداد الحزبي مصدر قوة أساسي.
لا تحصر إيباك نفسها بالجمهوريين أو الديمقراطيين؛ إنها تبحث عن مؤيدين للعلاقة مع إسرائيل في الحزبين.
وفي واشنطن، قد يختلف الخصمان على كل شيء تقريبًا، ثم يلتقيان على فاتورة مساعدات عسكرية.
فلسطين في الجانب الآخر من الفاتورة
لا يبدأ الدعم الأمريكي لإسرائيل من إيباك ولا ينتهي عندها.
يذكر تقرير خدمة أبحاث الكونغرس أن إسرائيل تلقت، حتى مايو 2025، نحو 174 مليار دولار من المساعدات الثنائية وتمويل الدفاع الصاروخي بالقيمة الاسمية، ما جعلها أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي 2016، وقّعت إدارة باراك أوباما مذكرة تفاهم تتعهد بموجبها واشنطن، رهن موافقات الكونغرس، بتوفير 38 مليار دولار للمساعدة العسكرية والدفاع الصاروخي في السنوات المالية 2019–2028.
هذا تعهد صادر عن إدارة ديمقراطية، استمر ضمن مؤسسات وميزانيات عبر إدارات متعاقبة. ولم تلغِه خلافات علنية بين قادة البلدين.
ثم جاءت حرب غزة بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023.
أقر الكونغرس في أبريل 2024 تمويلًا طارئًا إضافيًا لإسرائيل، شمل تمويلًا عسكريًا وأنظمة دفاع صاروخي.
تصف إيباك إقرار المساعدات بوصفه نجاحًا لجهودها، فيما يرى مؤيدوها أنها تعزز أمن حليف أمريكي وقدرته الدفاعية.
في المقابل، يرى المدافعون عن الحقوق الفلسطينية أن استمرار تدفق السلاح من دون رقابة كافية على استخدامه يفاقم اختلال ميزان القوة ويضعف أدوات حماية المدنيين ومساءلة الانتهاكات.
ظهر هذا الخلاف داخل مجلس الشيوخ.
في نوفمبر 2024، قاد بيرني ساندرز محاولات لوقف صفقات أسلحة، لكن اقتراحًا إجرائيًا ذا صلة سقط بأصوات 19 مقابل 78.
وفي أبريل 2026، أيد 40 عضوًا محاولة أخرى للاعتراض على صفقة، قبل أن تسقط بـ59 صوتًا معارضًا.
الفارق بين التصويتين يكشف اتساع مساحة الاعتراض في إحدى القضايا، لا انقلابًا كاملًا في السياسة الأمريكية.
هنا يصبح سؤال فلسطين عمليًا لا شعاريًا: عندما تُناقَش قذيفة أو صفقة أو مخصصات دفاعية، من يحضر صوت من سيعيشون تحت آثار استخدامها؟
وتتعلق المساءلة ليس فقط بحق إسرائيل في الأمن، بل كذلك بحماية الفلسطينيين ومقتضيات القانون الدولي وحقوقهم السياسية.
ولا تستطيع إيباك، مهما اتسع نفوذها، إلغاء مسؤولية الإدارة الأمريكية والكونغرس عن قراراتهما.
النفوذ ليس سيطرة
إذا كانت إيباك قادرة على المساعدة في إسقاط بومان وبوش، فلماذا لم تنتصر دائمًا؟
في كاليفورنيا، أنفق «مشروع الديمقراطية المتحدة» أكثر من أربعة ملايين دولار ضد ديف مين في 2024، ومع ذلك تقدم في الانتخابات التمهيدية ثم فاز بالمقعد. والأسئلة التي ركزت عليها إعلانات ضده لم تكن جميعها متعلقة بإسرائيل.
وجاء اختبار أقوى في ميشيغان عام 2026.
أنفق «مشروع الديمقراطية المتحدة» أكثر من عشرين مليون دولار ضد عبد السيد في السباق التمهيدي لمجلس الشيوخ، ونحو عشرة ملايين ونصف المليون لدعم منافسته هالي ستيفنز.
فاز السيد بالترشيح الديمقراطي، ثم فاز بمقعد مجلس الشيوخ في انتخابات الثالث من نوفمبر.
الإنفاق ضخم، والنتيجة معاكسة لهدف الجهة المنفقة؛ هنا تسقط أسطورة أن الشيك يضمن ورقة الاقتراع.
لا يعني ذلك أن المال بلا أثر.
يستطيع تحسين ظهور مرشح، أو شن حملة نقدية مكثفة، أو جعل معارضة سياسة ما مكلفة سياسيًا. لكن النفوذ شيء والسيطرة على الناخبين والمؤسسات شيء آخر.
توجد أيضًا اعتبارات الرئاسة والبنتاغون والكونغرس، والمصالح الاستراتيجية، وشركات السلاح، وجماعات دينية وسياسية أخرى، ورأي عام متغير، وأصوات يهودية أمريكية تختلف جذريًا في مواقفها من إسرائيل وغزة.
ولهذا فإن نقد إيباك يجب أن يظل نقدًا لتنظيم وأفعال قابلة للتوثيق، لا إسقاطًا على اليهود بوصفهم جماعة واحدة، ولا حكاية عن يد خفية تحرك أمريكا كلها.
حتى البيانات المالية الأضخم لا تمنح دليلًا على «سيطرة كاملة»؛ تمنحنا، بدلًا من ذلك، مادة دقيقة لمساءلة نفوذ سياسي معلن وقواعد تتيح تراكمه.
نعود إلى صندوق الاقتراع في نيويورك.
كانت الأصوات للناخبين، لكن جزءًا كبيرًا من الضجيج الذي أحاط بخياراتهم دفع ثمنه أشخاص خارج دائرتهم.
وربما هذا هو سؤال الديمقراطية الأهم: حين يستطيع المال المنظم تغيير ما يراه الناس ويسمعونه قبل التصويت، كيف نعرف أين ينتهي حق التأثير، وأين تبدأ مشكلة عدالة التمثيل؟
برأيك، هل يحتاج النظام الانتخابي الأمريكي إلى قيود أشد على الإنفاق المستقل، أم أن الإفصاح العلني عن مصادره كافٍ لحماية قرار الناخب؟
المصادر والمراجع
Doug Rossinow — “The Edge of the Abyss”: The Origins of the Israel Lobby, 1949–1954، مجلة Modern American History، جامعة كامبريدج، 8 مارس 2018. الدراسة الأكاديمية.
AIPAC — About AIPAC، التعريف الرسمي بأهداف المنظمة وتمويلها ومواقفها، الصفحة المتاحة في نوفمبر 2026. الموقع الرسمي.
Federal Election Commission — AIPAC PAC Financial Summary, 2023–2024، بيانات لجنة التمويل الانتخابي C00797670. السجل الرسمي.
Federal Election Commission — United Democracy Project, 2025–2026، اللجنة C00799031، بيانات التمويل والإنفاق المعروضة حتى 14 أكتوبر 2026. السجل الرسمي.
FactCheck.org — United Democracy Project، مركز أننبرغ للسياسات العامة، 26 سبتمبر 2024. تحقيق يراجع تمويل اللجنة ونشاطها في انتخابات بومان وبوش. التحقيق.
KQED — Nisa Khan — Where Did a Pro-Israel Super PAC Spend in California Congressional Races?، 6 ديسمبر 2024. تحقيق عن الإنفاق الانتخابي والإعلانات وسباق ديف مين. التقرير.
U.S. Lobbying Disclosure Act Database — AIPAC LD-2 Disclosure Form, Third Quarter 2026، إيداع 20 أكتوبر 2026. وثيقة الإفصاح الرسمية.
AIPAC — Policy & Politics: Keeping Israel Safe and Congress Pro-Israel، 7 نوفمبر 2024. مذكرة تعرض تقييم المنظمة لنتائج الانتخابات وأولوياتها التشريعية. المذكرة الأصلية.
Congressional Research Service — U.S. Foreign Aid to Israel: Overview and Developments since October 7, 2023، التقرير RL33222، تحديث 28 مايو 2025. نسخة التقرير.
Congressional Research Service — Congressional Votes Related to the Israel-Hamas Conflict، التقرير R48289، تحديث 30 أبريل 2026. سجل التصويتات.
FactCheck.org — United Democracy Project، تحديث 7 أغسطس 2026. مراجعة لتمويل اللجنة ونشاطها خلال دورة انتخابات 2026. التقرير.
Associated Press — Joey Cappelletti — Progressive Democrat Abdul El-Sayed Wins Michigan Senate Race، نوفمبر 2026. تغطية نتائج انتخابات ميشيغان والإنفاق الانتخابي المصاحب لها. التقرير.
