نقد قصيدة: بعد تلك النظرة
أيُّ بهجةٍ هذه التي تسللت إلى روحي وهي ترى نصي يتنفس بمداد إبداع الكاتب والناقد المبدع د. وحيد زايد جزيل الشكر وعميق الامتنان لهذا الاحتفاء النبيل والنقد الراقي🙏🙏
💎قراءة في قصيدة
(بعد تلك النظرةِ)
للشاعرة ياسمين عمارة
---------
بقلم د وحيد زايد
------------
تأتي المجموعة الشعرية
"تراتيل أنثی"
بوصفها باقة شعرية متباينة الأزهار والألوان تنهل من التجربة الإنسانية والوجدانية للشاعرة ياسمين عمارة، التي تشكّلُها عبر لغة مفعمة بالصور والانزياحات. وتتسم المجموعة بثراء موضوعي كبير وغِنَیً أسلوبي جميل وتنوع موسيقي.
ومن أزاهير ديوانها هذه الزهرة أو القصيدة ذات العنوان التلقائي (بعد تلك النظرةِ) وهي قصيدة جميلة تستهلّها الشاعرة بهذا المقطع العذب:
* أُسِرَ الفؤاد بلون قهوتِكَ التي
خلف الجفونِ وتختفي مِن نظرتي
* فوجدت عقلي في هواكَ مُتيّماً
قد ذُبتُ شوقاً خلفَ تلكَ المُقلَةِ
* وأضَعۡتُ في الكأسَينِ قلبي مغرماً
وتراقَصت شفَتَيَّ ترسُمُ بَسمتي
* لا شئ يُحيي الروحَ غيرَ بريقِها
يمضي كضوء البرقِ بينَ العتمَةِ
* كلُّ الفصولِ لديكَ تُثۡمِرُ بهجةً
وتُعيدُ ألوانَ الربيعِ
لزَهرَتي
* إنِّي رضيتُ بناظِرَيۡكَ منازِلاً
ورضيتُ قلبَكَ موطِناً
لهُوِيّتي
-------
هذه القصيدة الرومانسية تسبح في بحر الكامل علی أمواج رومانسية تثير نسمات غزلية عُذرية، تمزج مشاعر الإعجاب بالمحبوب بمشاعر الشوق والحنين، وتتألق فيها أنوار العاطفة الرقيقة فتعكس تعلق المحب بالمحبوب.
مع التزام الشاعرة بقافية موحدة بحرف التاء المكسورة
الموصولة بياء المتكلم (تي) وهي قافية تحمل نغمة فيها شيء من الرّقّة المناسبة للحب والحنين الدفين.
---
الشاعرة تعترف من اللحظة الأولی للقصيدة أنها واقعة في أسر المحبوب ونظرته؛ بل وفي "لون قهوته" البادي في مُقلتيه من خلف الجفون يلاحق نظرتها ولا يفارقها.
بل تجد نفسها متيَّمة وفي حالة "ذوبان" تام، تصفهُ بالضياع وتصوره بصورة رائعة؛ كأنها وضعت قلبها المغرم بالكأسين، ليتبع ذلك تفاعل جسدي ونفسي يرسم البسمة على الشفتين بحركة راقصة.
ثم تنتقل الشاعرة إلى وصف الأثر الجميل لهذا الحب؛ فبريق عيني المحبوب يشبه "نور البرق" الذي يمزق عتمة الروح فيُنير لها الطريق ويُحيي الروح.
ولا تكتفي الشاعرة بذلك
فتمتد بالأثر الجميل للحب
ليشمل الكون كلُّه
فبحضور المحبوب وحده
تثمر كل الفصول فتعود
ألوان الربيع لتسطع من جديد علی زهرتها الباهتة.
وفي ختام المقطع تتخذ الشاعرة قرارا بالقبول عن رضی وطيب خاطر باتخاذ ناظري المحبوب منزلاً، وقلبه موطناً ومستقراً للهوية والروح.
-----
وقد حفلت القصيدة بالصور والاستعارات الفنيّة المبدعة التي جسّدت المعنوي بالمحسوس
فالفؤاد أسير محبوس في قيد الحب (أُسِرَ الفؤاد)، علی سبيل الاستعارة المكنية
تُردِفها بقولها:
(أُسِرَ الفؤادُ، بلون قهوَتِكَ)
وفيها ما فيها من كناية جميلة عن الدفء وحسن التذوّق والجاذبية المرتبطة بجمال ملامح المحبوب الآسرة وسحر عينيه.
ومثله قول الشاعرة البليغ:
(كضوءِ البرقِ بين العتمَةِ)
إذ مثّلت بريق عين المحبوب بضوء البرق، ذلك النور السريع الخطَر، الساحر الأثر، الخاطف للنظر، والبارق في آن.
وفي التباين الشديد بين (العتمة) و (ضوء البرق)،
وبينَ (الجدب) و (ألوان الربيع)، ما يغني المعنى ويزيده وضوحاً بإبراز ضده.
كما اتخذت الشاعرة من الرمزيات البسيطة المستوحاة من الحياة اليومية (الكأسين والقهوة) المعبرة عن الارتباط واندماج المحتوی مفاتيح لتجسيد حالة الوجد والذوبان في الآخر وهو ملمح إبداعي يعتمد التوأمة مدخلا وإن كان الفنجال يناسب القهوة أكثر أما الكأس فله شأن آخر.
وموسيقی النص الداخلية تتجلى في التناسق التفعيلي الصوتي بين الألفاظ مثل (فؤاد، هواك / ذبت، شوق)، والتكرار المحبب لحروف اللين يمنح النص نفساً ممتداً وموسيقى هادئة تناسب روح الرومانسية العاطفية.
----------
المقطع (2):
* فتقبّل القلبَ المُتيَّمَ سيّدي
كُن مالِكاً عرشَ الهُيامِ وجنّتي
* دعني أغرّدُ في السماءِ بحُبِّنا
أبني حروفَ العِشقِ فوقَ قصيدتي
*أرنو إلی ماء الحياةِ بنظرةٍ
وأموتُ فيكَ لأستعيدَ ولادتي
* كتبَ الهوی في الحُبّ أعجبَ قِصّةٍ
عن عِشقِ ليلی واشتياقِ المُقلَةِ
* فلقد نذَرتُ الرّوحَ عِشقاً خالِصاً
وجعلتُ حُبَّكَ وجهةً لعقيدتي
* فخُذِ الفؤادَ كما تشاءُ فإنّهُ
أعماهُ حُبُّكَ بعدَ تلكَ النظرةِ
-------
وهنا تنتقل الشاعرة من مرحلة "الوصف والبوح بالوجد" إلى مرحلة التسليم المُطلَق للمحبوب، مترجمةً حبّها إلى عقد روحي دائم والتزام عاطفي لا رجعة فيه.
وهاهي تتقدم بطلب صريح صادق بالاستسلام:
(فتقبّل القلبَ المتيّم سيّدي)، فهي تتوّج المحبوبَ ملِكاً متفرّداً على عرشها عرش الهُيام وجنتها جنّة العشاق حادية الأرواح.
وتدعوه أن يسمو بقلبها محلّقاً بالحرية والسعادة في فضاء هذا الحب، في عالمٍ خيالي يتسنّی لها فيه أن تنسج قصيدة فريدة للحب من أبجدية جديدة حروفها العِشق والهوی.
والشاعرة بهذا النص تَرقَی لمَرتبة من مراتب الصوفية العاطفية؛ فهي تعلن استعدادها الكامل ل (الموت في المحبوب) لاستعادة ولادتها الجديدة وهويتها الحقيقية.
ولا تكتفي بذلك بل تضع قصة حبها في مصاف القصص الخالدة (مستحضرة روح عشّاق التاريخ كعشق ليلى لقيس)، معلنةً تعظيم الحب ونذر الروح عشقاً خالصاً للمحبوب.
ثم ترتقي وترتفع بالحب والمحبوب إلى سماء عالية لا سقف بعدها وهي سماء "العقيدة والوجهة"، مما يمنح العلاقة بينهما أبعاداً مقدسة وثابتة لا يزحزحها شئ.
وتُختتم القصيدة بذات العنوان والعبارة المحورية التي بدأت بها: (أعماهُ حُبُّكَ بعد تلكَ النظرةِ) في ربط فني محكم و تدوير دلالي يؤكد أن الدائرة قد أغلقت على هذا العشق الأبدي وأوصِدت دون كل دخيل يحاول اختراقها عبثاً.
-----
وفي هذا المقطع الجميل
تبرز فكرة الفناء الاختياري في المحبوب والذوبان فيه طلباً للحياة الخالدة معه:
(أموت فيكَ لأستعيدَ ولادَتي)
وهي فكرة تحمل ملمحا صوفياً واضحاً واستهداء بأفكار روادها.
وفيها من الشذرات الفنية؛ الطباق بين (أموت) و (ولادتي) وهو طباق إيجاب يبرز المعنى ويقويه، ويبتكر معنیً عكسيا يجعل في الموت الولادة وفي الفناء البعث ويحيلُنا لأسطورة طائر الفينيق واس
الفينيق واستلهام الميثولوجيا القديمة.
ويرقی البيان بالشاعرة في قولها: (كن مالكاً عرش الهيام وجنّتي) وهي استعارة تمثيلية، توّجت فيها المحبوب فجعلته ملكا علی مملكتها وعرشها؛ عرش الهيام والمحبة
وكَنّتۡ عن شدة الإخلاص والتوحد مع المحبوب بقولها:
(وجعلتُ حبّكَ وجهةً لعقيدتي) فسمَت بحبها حتى أصبح هذا المحبوب وجهةَ المُحِب، وبوصلةَ الوُجود التي تهديه السبيل، وقِبلةَ الحياة الثابتة التي يولّي وجهه إياها أينما ولّی.
لقد أجادت الشاعرة إذ جعلت من الكأس والقهوة وأعين الحبيب متكأً لفكرة فنية بارعة بلورتها في قصيدتها جاعلةً من لون القهوة ولون عين المحبوب المتماثلان مدخلا بصريا يمتزج بالمدخل الحركي حين تقلِّب القهوة فتذيب قلبها وأشواقها معاً وتصعد بالمنحنی الغرامي لبلوغ أعلی قمة، قمّة الهيام والتوحُّد مع المحبوب فهو قِبلة الحياة والأشواق والوجد.
((نهاية))
------------------
#تراتيل_أنثى
#ياسمين_عماره

7