
مقال 4 دقائق للقراءة
(سرجينيا) منطلق لنوع جديد من الفنّ في (مجتمع)
لم نبتكر لعبة فقط، بل حاولنا إعادة صياغة مفاهيم فنّيّة عريقة بدمجها في قالب رقميّ معاصر لنخلق تجربة رائدة يمكن تسميتها بالمسرح الصوتي الغامر، الممزوج بتجربة بناء الدول الافتراضيّة.
أظنّ أنّ ما فعلناه يعتبر شديد الأهمّيّة والتعقيد من الناحية الفنية لعدّة أسباب، منها أنّنا حاكينا
المسرح الخفيّ في الفنون الدرامية، هناك مفهوم ابتكره المسرحي أوگوستو بوال يقوم على أداء مشاهد في أماكن عامّة دون أن يعرف الحاضرون أنّهم جزء من مسرحيّة، هنا نقلنا هذا المفهوم ببراعة إلى العالم الرقميّ، جعلنا المشاركين ينخرطون في الأداء، يتفاعلون، ويندمجون في أدوارهم بصدق وعفويّة دون أن يشعروا بعبء التمثيل.
وقد دخلنا هندسة المجتمعات الافتراضية، بتأسيس وزارات ومؤسّسات، وإدارة صراعات سياسيّة مع زعيم جزيرة سرجينيا يتجاوز فكرة الغرف الصوتيّة التقليديّة، عمليّاً صنعنا نموذجاً تفاعليّاً لـ (حضارات متّحدة) في فضاء افتراضي، حيث يتفاعل الناس ثقافيّاً واجتماعيّاً لبناء مجتمع متكامل، ويديرون شؤون دولتهم من خلال الحوار.
وفي هذا السيناريو الحي والمشاهد المتكاملة، استطعنا إلى حدّ ما توجيه الأحداث بشكل مستمر (من كارثة التسونامي، إلى الانقلاب على السلطة، ثم الوقوع في الأسر) لنعكس مهارة استثنائيّة لسيناريو دراميّ تلقائي يتقن نسج الرؤى البنيويّة. نحن لم نكتب النصّ على الورق، بل كتبناه في عقولنا في الوقت الفعلي، وتطوّعت ردود الأفعال العشوائيّة لصالح الحبكة الرئيسيّة لنخلق مشهداً درامياً متكاملاً.
لقد نقلنا فكرة المجالس من مجرّد مساحة للدردشة، إلى مسرح عقليّ ينبض بالحياة.
إنّ تحويل الجمهور من مستمعين إلى صنّاع قرار وممثّلين في ملحمة دراميّة مستمرّة هو نوع حديث وراقٍ جدّاً من الفنّ التفاعلي، ويستحقّ بكل تأكيد أن يجعل من تطبيق مجتمع رائدًا لهذه التجربة الثقافيّة الدراميّة المتطوّرة.
ما فعلناه هنا يتجاوز بكثير ترفيه لقضاء الوقت، أو تجربة تمثيليّة عابرة؛ قد صمّمنا معًا مختبراً دراميّاً وثقافيّاً حيّاً لتشريح كواليس الاستبداد والپروباگندا، مستخدمين "الكوميديا السوداء" كأداة لتمرير رسائل بالغة العمق والخطورة حول واقعنا الاجتماعي والسياسيّ.
لم نقدّم مجرّد تسلية، بل صنعنا ما يمكن تسميته "المسرح السياسي الغامر"، والرسائل التي مرّرناها من خلال هذه التجربة تلامس فلسفة الحكم والسيكولوجيا الجماعيّة في أعمق صورها كفلسفة "الديكتاتور الصادق" (جدليّة الطغيان والصراحة)
هذه واحدة من الأفكار الفلسفيّة التي طرحناها في المشهد، عندما يقول الديكتاتور في الأسر: أنا الصادق الوحيد... الجميع يبدأون بالديمقراطيّة وينتهون بالطغيان، فهو يمارس تعرية كاملة للخطاب السياسيّ التقليديّ.
ونزع القناع عن الديمقراطيات الزائفة، إذ يواجه الجمهور بحقيقة مرّة؛ أنّ الديكتاتوريّة الصريحة قد تكون أقلّ خبثاً من "الديمقراطيّة المنافقة" التي تَعِد بالحرّيّة وتمارس القمع في الخفاء.
وإنّ سيكولوجيّة التبعية، من خلال هذا المنطق، ينجح الطاغية (حتّى وهو في الأسر وخلف القضبان كما في في كسب نوع من الاحترام أو التعاطف الغريب من الجماهير، لأنّ اللعبة واضحة ومكشوفة لديه منذ البداية، هذه رسالة مرعبة عن كيف يمكن للناس أن يفضّلوا "المستبدّ الواضح" على "المصلح الغامض" بحثاً عن الأمان أو الحقيقة، حتّى لو كانت قاسية.
تشريح آلة الپروباگندا وغسيل الأدمغة
توظيف الوزارات داخل الدولة الافتراضية هو تجسيد حيّ لنظريّات الهيمنة وصناعة الرأي العامّ، فوزارة الأوقاف (تأليه الحاكم): وضعت لتوظيف الدين أو الغيب لإضفاء شرعية مقدّسة على الطاغية "من ذرّيّة الملائكة" هو انعكاس دقيق للتاريخ البشري، إنّنا هنا نكشف كيف يُستخدم "المقدّس" كأسرع وأقوى أداة لتخدير العقول، وجعل معارضة الحاكم بمثابة خروج عن الطبيعة أو الإيمان، و وزارة الثقافة من أجل (تأطير الوعي) بدلاً من أن تكون الثقافة مساحة للحرّيّة والإبداع، جعلناها أداة ل "تحديد التفكير" ورسم الحدود المسموح بها، هذه رسالة قويّة عن كيف تقوم الأنظمة الديكتاتوريّة بخصخصة الوعي، وتجعل الفنّ والأدب مجرّد بوق لتجميل قبح السلطة وقطع الطريق على أيّ فكر نقدي.
وتفاعل بقيّة الوزارات يوضّح كيف تصبح المؤسّسات، عندما تفرغ من قيمها، مجرّد تروس في آلة ضخمة هدفها الوحيد هو بقاء السلطة وحمايتها، حتّى لو كان ذلك على حساب انهيار المجتمع أو مواجهته للتسونامي والكوارث.
وهنا ظهرت الكوميديا السوداء كمرآة للواقع،
باستخدام الكوميديا السوداء، نزعنا المهابة عن الطغيان وسخرنا من بؤسه، لأنّ الطغاة عندما يصلون إلى نقطة اللاعودة، ويصبحون على يقين بأنّ الشعب يتأهّب لسحقهم، لا يكون أمامه غير القمع، وفي نفس الوقت جعلنا المشاركين والجمهور يضحكون على مآسيهم الواقعية. الكوميديا السوداء هنا لم تكن للتسلية، بل كانت درعاً يتيح للناس استيعاب الحقائق الصادمة دون النفور منها، ومواجهة تشوّهات الواقع الاجتماعي والسياسي في بلادنا بطريقة غير مباشرة.
وقد تجلّى دمج الجمهور في مسؤوليّة البناء والهدم مأعظم ما في هذه التجربة، حيث أنّ المشاركين لم يكونوا متفرّجين يلعنون الديكتاتور، بل كانوا شركاء في صناعته، الوزير الّذي وافق على غسل الأدمغة، والمسؤول الذي برّر القمع، والجمهور الّذي صفّق تحت تأثير الخوف أو الخديعة؛ الجميع تفاعلوا وعاشوا تجربة (كيف يولد الطاغية وكيف يسقط) لقد جعلنا كلّ مشارك يواجه "الديكتاتور الصغير" الكامن في داخله أو في محيطه، ويفهم كيف يساهم الأفراد العاديّون (بقصد أو بغير قصد) في تثبيت أركان الأنظمة المستبدّة.
إنّ ما قمنا به ليس مجرّد فنّ تفاعلي، بل هو محاكاة سوسيولوجيّة ونفسية رفيعة المستوى، لقد أخذنا من تطبيق (مجتمع) الافتراضي مساحة لتفكيك وصناعة الوعي، وجعلنا من اللعبة وسيلة لقول ما لا يمكن قوله في الواقع، وهذا هو الجوهر الحقيقي للفنون العظيمة عبر التاريخ.
ولدينا المزيد….
