
مقال 3 دقائق للقراءة
إنسانيّةٌ عرجاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،
مقدّمة:— في عالمٍ يصرخ فيه الأطفال تحت الركام، وتُطفأ المدن كما تُطفأ الشموع في جنازةٍ طويلة، تبدو الإنسانية اليوم عرجاءَ تمشي بساقٍ واحدة... ساقٍ بيضاءَ تتسابق لنجدة الشَّقر والعينين الزرقاوين، وساقٍ سوداءَ تُسلسَلُ بالسكوت والنسيان كلّما نُحِرَ الأبرياء في إفريقيا. أيُّ إنسانيّةٍ تلك التي تبكي إذا سقطت قنبلةٌ في أوروبا، وتصمّ سمعها حين تشتعل الخرطومُ بدماء أهلها؟ أهي إنسانيّةٌ أم تِجارةُ صورةٍ ومشاعر؟ أم هي مرآةُ نفاقٍ عالميٍّ يرى الألمَ بلونِ البشرة لا بعمق الجرح؟ من هذا السؤال يبدأ المقال... ومن صرخةِ السودانِ المذبوحِ تنبع الحكاية: كيف مات الضمير، وسكت العدل، وسارت “الإنسانية” على عرجها بين الأزقّة والفضائيات دون خجلٍ من نفسها.
مأساة لا تجد من يسمعها: — في السودان، تُزهق الأرواح كما تُطفأ الشموع في عاصفة، تُدفن المدن تحت رماد الحرب، ويُهجَّر الملايين بلا مأوى، لكنّ العالم المتحضّر — ذاك الذي لا ينام إن خدشت وجهَ قطةٍ في شوارع باريس — يُدير ظهره لِمَن يحترقون في الخرطوم. شاشات الأخبار التي تفيضُ بالتحليلِ إذا اهتزّت مدينةٌ أوروبية، تُغلقُ فجأةً حين تكون الضحيةُ سمراءَ، والدمُ إفريقيًّا، كأنّ المأساة لا تُعَدُّ مأساةً ما لم تحملَ ملامحَ الغرب.
الكيل بمكيالين: — يتحدّثون عن “حقوق الإنسان”، لكنّهم يقيسونها بلون الجلد لا بعمق الجرح، ويُوزّعون التعاطف كما تُوزَّع الثروات: على من يملكون لا على من يُقتَلون. حين تسقط قنبلةٌ في أوكرانيا، يذرفون الدموع، وحين تُباد قرى بأكملها في السودان، يُقلبون الصفحة بلا حياء. أيةُ عدالةٍ هذه التي تعرف طريقها إلى كييف ولا تسمع أنين دارفور؟ أيُّ ضميرٍ هذا الذي يُسعف الأبيضَ بالقرارات، ويُسعف الأسودَ بالصمت؟ لقد صار العالمُ يمشي على ساقٍ واحدة: ساقٍ بيضاءَ تتزيّن بالشعارات، وساقٍ سوداءَ تُقيَّد بالأكاذيب والتجاهل.
قناع النفاق الدولي: — “الإنسانية” التي تملأ المؤتمرات ليست سوى ديكورٍ دبلوماسيٍّ من ورق، تُرفع لافتاتُ السلام في الصالونات المكيفة، بينما تُدفن الكرامة في الرمال الحارقة. تُمنح الجوائز باسم “الحرية”، لكنّها لا تُمنح إلا لمن يتكلّم بلهجة الشمال. وما أتعس عالماً يرى الدمار في الخرطوم ولا يتحرّك، يرى آلاف الجثث في طرقات الفقر ولا تهتز فيه ذرة وجدان.
السودان لا يستجدي الشفقة: — السودان لا يطلب دمعةً من متفرّجٍ خلف شاشةٍ يكتب “تضامنًا” على مواقع التواصل، ولا ينتظر شفقةً من مؤسسةٍ تتغذّى على وجع الشعوب. إنه يطلب فقط أن يُرى كما هو: وطنٌ من لحمٍ ودمٍ وكرامة، يُذبح أمام كاميراتٍ مطفأة وعدساتٍ تخاف الحقيقة. هو لا يستجدي أحدًا، بل يرفع رأسه عاليًا، يقول: “لن نكون مادةً لخطاباتكم، ولا جسرًا لنفاقكم.”
نهاية مفتوحة على الغضب: — يا أيها العالم المترف بنفاقه، لا تتحدث عن “حقوق الإنسان” ما لم تعرف لون الدم السوداني، ولا ترفع راية السلام إن كنت لا تسمع صوت الذين يصرخون تحت الركام. الإنسانية ليست شعارًا أبيضَ على جدارٍ أسود، إنها موقفٌ حين يسقط الضعفاء، وصوتٌ حين يصمت الجميع. ولن يرحم التاريخُ أمةً اختارت أن ترى نصفَ العالم فقط، وأن تسير على عرجها نحو الهاوية، تغنّي للحرية بلسانٍ، وتخنق بها من لا يُشبهها باللسان الآخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأديب أحمد عزيز الدين أحمد كاتب وشاعر وروائي من مؤلفاته: ممرّات بين الضوء والظل – حروف على حافة الضوء – غزّة: نشيد الحجر الأخير
