
مقال 5 دقائق للقراءة
حين كان أجدادنا يلعبون قبل 4500 عام… لعبة عراقية حيّرت علماء الآثار!
قبل 4500 عام، كان سكان بلاد الرافدين يتنافسون في لعبة غامضة! اكتشف حكاية «لعبة أور الملكية» وكيف أعاد علماء الآثار إحياء أسرارها.
تخيّل أنك تعود بالزمن إلى مدينة أور السومرية، جنوبي العراق، قبل نحو أربعة آلاف وخمسمئة عام.
لا هواتف ذكية، ولا ألعاب إلكترونية، ولا شاشات يتسابق أمامها اللاعبون.
ومع ذلك، كان هناك ما يستحق أن يجتمع الناس حوله ويتنافسوا من أجله: لوحة صغيرة، وقطع مستديرة، وأحجار نرد تحدد خطوات اللعب.
قد تتصور أن الإنسان القديم كان يقضي أيامه بين الزراعة والتجارة والعبادة، وأن الترفيه ترفٌ لم تعرفه إلا المجتمعات الحديثة.
لكن قطعة أثرية محفوظة اليوم في المتحف البريطاني تقدم لنا وجهًا آخر للحياة في بلاد الرافدين.
إنها لعبة أور الملكية، إحدى أشهر الألعاب اللوحية التي وصلتنا من العالم القديم.
من مقبرة قديمة… إلى لعبة أعادها العلماء للحياة
في عشرينيات القرن العشرين، كان عالم الآثار البريطاني ليونارد وولي ينقب في المقبرة الملكية بمدينة أور، في العراق.
وبين المقتنيات المدفونة منذ آلاف السنين، عثر فريقه على ألواح ألعاب ذات شكل غير مألوف، بعضها مزخرف بألوان وأشكال هندسية مدهشة.
إحدى هذه اللوحات تعود إلى الفترة الممتدة بين 2600 و2400 قبل الميلاد.
لم يكن طولها يتجاوز نحو ثلاثين سنتيمترًا، لكنها صُنعت بعناية استثنائية.
تتكون اللوحة من عشرين مربعًا مزخرفًا، استُخدمت في تزيينها الأصداف والحجر الجيري الأحمر واللازورد الأزرق، وهو حجر ثمين ارتبط بتجارة بعيدة المدى في العالم القديم.
كانت القاعدة الخشبية قد تحللت بفعل الزمن، لكن أجزاء الزخرفة بقيت، وأمكن للمرممين إعادة بناء شكل اللوحة.
وهكذا خرجت لعبة من صمت المقابر لتصبح شاهدًا على لحظات التسلية والمنافسة قبل آلاف السنين.
لكن السؤال الأهم: كيف كانوا يلعبونها؟
عشرون مربعًا… وقواعد ضاعت عبر القرون!
تُعرف اللعبة أيضًا باسم «لعبة العشرين مربعًا».
ومن الأدلة الأثرية، يبدو أنها كانت لعبة سباق بين شخصين، يستخدم كل منهما قطعًا يتحرك بها على مسار محدد، اعتمادًا على نتائج إلقاء النرد.
أي أن الفوز لم يكن قائمًا على الحظ وحده، بل احتاج على الأرجح إلى قرارات وتخطيط أيضًا.
وكانت بعض المربعات تحمل أشكال أزهار، يُعتقد أنها منحت اللاعبين مزايا خاصة أثناء اللعب.
لكن ثمة مشكلة واجهت علماء الآثار:
لقد وجدوا اللوحات وقطع اللعب، ولم يجدوا دليل تعليمات من زمن أور يشرح قواعدها كاملة!
فكيف يمكن إحياء لعبة لا نعرف يقينًا كيف كان أصحابها يلعبونها؟
هنا تبدأ أغرب فصول الحكاية.
لوح طيني عمره أكثر من ألفي عام يحمل جزءًا من الحل
في المتحف البريطاني، درس الباحث إيرفينغ فينكل نصوصًا مسمارية تتعلق بلعبة العشرين مربعًا.
ومن أهمها لوح بابلي كُتب نحو عام 177 قبل الميلاد، أي بعد صناعة لوحات أور الأولى بأكثر من ألفي عام.
احتوى النص على معلومات عن اللعب وحركة القطع، وساعد الباحثين على إعادة بناء قواعد لنسخة متأخرة من اللعبة.
وبفضل هذه الدراسات، أصبح بالإمكان تجربة لعبة أور اليوم، وإن بقيت تفاصيل قواعدها الأولى غير مؤكدة.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة:
لقد احتفظت الأرض بلوحة اللعبة آلاف السنين، ثم ساعدت وثيقة من عصر لاحق بكثير على تفسير طريقة استخدامها.
ولذلك، عندما نشاهد أحدهم يلعب «لعبة أور الملكية» اليوم، فنحن لا نرى بالضرورة نسخة مطابقة تمامًا لما كان يحدث في أور القديمة، بل إعادة بناء علمية تستند إلى الأدلة المتاحة.
هل كانت لعبة للملوك وحدهم؟
قد يوحي اسم «لعبة أور الملكية» بأنها كانت حكرًا على الملوك وأصحاب القصور.
لكن الاسم الحديث ارتبط باكتشاف نماذجها الشهيرة داخل المقبرة الملكية في أور، وليس بدليل على أن اللعب بها كان امتيازًا ملكيًا حصريًا.
والأجمل أن لعبة العشرين مربعًا لم تبقَ محصورة في مدينة عراقية واحدة.
فقد عُثر على نماذج مختلفة منها في مناطق متعددة من الشرق الأدنى القديم، ووصلت أشكالها إلى مصر وبلاد الشام وقبرص.
وفي مصر القديمة، ظهرت صناديق ألعاب تحمل على أحد وجهيها لعبة العشرين مربعًا، وعلى الوجه الآخر لعبة «السنت» المصرية الشهيرة.
تخيّل صندوقًا واحدًا يحتوي لعبتين مختلفتين، يمكن قلبه للانتقال من إحداهما إلى الأخرى!
أما الأكثر إثارة، فهو ما يشير إليه متحف المتروبوليتان من وجود مسارات لعب بسيطة حُفرت على قواعد منحوتات حجرية في قصر الملك الآشوري سرجون الثاني في خورسباد، نحو عام 705 قبل الميلاد.
وتُفسَّر هذه الآثار على أنها دليل على ممارسة بعض الحراس لعبة العشرين مربعًا أثناء وجودهم في القصر.
هنا نقترب من مشهد إنساني لا ترويه عادة كتب التاريخ السياسي:
رجال يقضون أوقاتهم حول مربعات محفورة في الحجر، بعيدًا عن ألواح اللعب الفاخرة المطعمة بالأحجار الثمينة.
فاللعب، مثل الحكايات والضحك، لم يكن بالضرورة حكرًا على الأثرياء.
ما الذي تخبرنا به لعبة صغيرة عن حضارة عظيمة؟
حين نتأمل حضارات بلاد الرافدين، تتجه أنظارنا عادة إلى الزقورات، والكتابة المسمارية، والملوك، والتجارة، والقوانين.
لكن الحضارة لم تُبنَ من هذه الإنجازات وحدها.
لقد عاش فيها بشر عرفوا التعب والانتظار والقلق، واحتاجوا أيضًا إلى التسلية وقضاء الوقت مع الآخرين.
والألعاب واحدة من تلك التفاصيل التي تجعل الماضي قريبًا منا.
فبين لاعب يلقي حجر النرد قبل أربعة آلاف عام، وآخر ينتظر نتيجة دوره اليوم، مسافة زمنية هائلة، لكن التجربة الإنسانية تحمل شيئًا مألوفًا.
الرغبة في الفوز، وترقب النتيجة، والتفكير في الحركة التالية… كلها مشاعر نستطيع تخيلها بسهولة، حتى لو لم نعرف أسماء أصحاب اللوحات القديمة.
وليس بالضرورة أن تكون أكثر الأشياء قدرة على رواية التاريخ هي التماثيل العظيمة أو المباني الشاهقة.
أحيانًا تكفي لوحة صغيرة من عشرين مربعًا لتذكّرنا بأن الذين سبقونا لم يكونوا مجرد أسماء في سجلات الملوك.
كانوا بشرًا يعرفون كيف يلعبون أيضًا.
💬 سؤال متحف الأيام:
لو أتيحت لك فرصة الجلوس مع أحد سكان مدينة أور قبل 4500 عام، وتجربة لعبة العشرين مربعًا معه، فما أول شيء ستود معرفته عن حياته؟
وهل تعتقد أن ألعابنا الحديثة ستبقى مفهومة لمن يعثر عليها بعد أربعة آلاف عام؟
المصادر التاريخية
British Museum — Royal Game of Ur، رقم القطعة 1928,1009.378. https://www.britishmuseum.org/collection/object/W_1928-1009-378
The Metropolitan Museum of Art — Twenty Squares: An Ancient Board Game، Anne Dunn-Vaturi، 2014. https://www.metmuseum.org/exhibitions/listings/2014/assyria-to-iberia/blog/posts/twenty-squares
Irving L. Finkel — On the Rules for the Royal Game of Ur، ضمن كتاب Ancient Board Games in Perspective، 2007. https://genjam.org/wp-content/uploads/2021/09/onrules4gameofur.pdf
The Metropolitan Museum of Art — Board Games from Ancient Egypt and the Near East. https://www.metmuseum.org/essays/board-games-from-ancient-egypt-and-the-near-east
#متحف_الأيام #تاريخ_الألعاب #بلاد_الرافدين #حضارة_سومر #التاريخ_الاجتماعي #حكايات_من_الماضي
