
مقال دقيقتان للقراءة
ليس كل خلافٍ فتنة، وليس كل سكوتٍ حكمة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وبعد: فمن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يجعلون كل خلافٍ فتنة، وكل نقاشٍ سببًا للفرقة، وكل اعتراضٍ خروجًا عن الجماعة؛ حتى أصبح بعضهم يهرب من بيان الحق بحجة المحافظة على الألفة، ويسكت عن الخطأ بحجة تجنب الخلاف. وليس الأمر كذلك؛ فإن الخلاف منه ما هو سائغ، ومنه ما هو مذموم، وليس كل اختلافٍ يستوجب الخصومة، كما أن اجتماع الناس على كلمة واحدة لا يعني بالضرورة أنهم على صواب. قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59]. فتأمل كيف أرشد الله عند وقوع التنازع إلى رد الأمر إلى الوحي، ولم يجعل مجرد وقوع الخلاف دليلًا على فساد أصحابه، ولا جعل إنهاء النقاش مقدمًا على معرفة الحق. فالحق لا يُعرف بكثرة الموافقين، ولا يُرد لمجرد أن قائله خالف المألوف، وإنما العبرة بالدليل والبرهان. وكذلك ليس كل سكوتٍ حكمة؛ فقد يكون السكوت حلمًا وعقلًا، وقد يكون عجزًا أو خوفًا أو مداهنة، وقد يكون تفريطًا في حقٍ يجب بيانه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]. فليس من الحكمة أن ترى الخطأ فتسكت عنه دائمًا، ولا من المروءة أن تعلم الباطل ثم تتخذ الصمت ستارًا تتوارى خلفه؛ فإن للحكمة موضعًا يكون فيه الكلام واجبًا، كما أن لها موضعًا يكون فيه السكوت أولى. وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ». رواه مسلم. ولكن ينبغي أن يُعلم أن بيان الحق لا يبيح سوء الأدب، وأن الإنكار لا يستلزم التشهير، وأن الاختلاف لا يمنح أحدًا حق الانتقاص من مخالفيه أو إسقاط أقدارهم. فليس كل من خالفك مبطلًا، وليس كل من وافقك محقًّا، وليس كل من سكت حكيمًا، ولا كل من تكلم مفسدًا. وإنما العاقل من عرف متى يتكلم، ومتى يسكت، ومتى يناقش، ومتى يترك الجدال؛ فلا يسكت عن حقٍ خوفًا من كلام الناس، ولا يثير خلافًا طلبًا للظهور والانتصار للنفس. وأشد ما يُخشى أن تتحول المحافظة على الألفة إلى ذريعة لكتمان الحق، أو تتحول الغيرة عليه إلى باب من أبواب التنازع والعدوان؛ فالأولى تفريط، والثانية غلو، وكلاهما بعيد عن سبيل العدل والحكمة. وأنا قبل أن أطلب من غيري ذلك، ألزم نفسي به؛ فلا أريد خلافًا لمجرد المخالفة، ولا سكوتًا لمجرد السلامة، وإنما أسأل الله أن يرزقني قول الحق في موضعه، والصمت في موضعه، والإنصاف عند الاختلاف، وألا يجعل حظي من النقاش الانتصار لنفسي. فاللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وطهر ألسنتنا من البغي والعدوان، وقلوبنا من الكبر والمراء، واجعلنا من أهل العلم والعدل والحكمة. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. غفر الله لي ولوالدي، ولمن علمني حرفًا، ولمن انتفع بهذا الكلام، وجعلنا ممن يقولون الحق ويعملون به.
