
مقال 8 دقائق للقراءة
هذيان الوجدان،
الوشاح الأبيض، عندما تلتقي نصفك الآخر؛ فترتقي.. وتنتقي.. وحينها قد يلتئم جرح الكبرياء..
﴿4/ هذيان الوجدان﴾
جُعتُ وَالخُبزُ وَثيرٌ في وِطابي.. وَالسَنا حَولي وَروحي في ضَبابِ وَشَرِبتُ الماءَ عَذباً سائِغاً.. وَكَأَنّي لَم أَذُق غَيرَ سَرابِ مِحنَةٌ لَيسَ لَها مِثلٌ سِوى.. مِحنَةِ الزَورَقِ في طاغي العُبابِ مَرَّتِ الأَعوامُ تَتلو بَعضَها.. لِلوَرى ضِحكي وَلي وَحدي اِكتِئابي كُلَّما اِستَولَدَت نَفسي أَمَلاً.. مَدَّتِ الدُنيا لَهُ كَفَّ اِغتِصابِ أُفلِتَت مِنّي حَلاواتُ الرُؤى.. عِندَما أُفلِتَ مِن كَفّي شَبابي بِتُّ لا الإِلهامُ بابٌ مُشرَعٌ.. لي وَلا الأَحلامُ تَمشي في رِكابي
كُلُّ أَرضٍ نامَ عَنها أَهلُها.. فَهيَ أَرضٌ لِاِغتِصابٍ وَاِنتِهابِ زَعَموا الإِنسانَ بِالعِلمِ اِرتَقى.. وَأَراهُ لَم يَزَل إِنسانَ غابِ لَستُ أَشكو إِن شَكا غَيري النَوى.. غُربَةُ الأَجسامِ لَيسَت بِاِغتِرابِ إِنَّني أَلمَحُ في أَوجُهِكُم.. دَفقَةَ النورِ عَلى تِلكَ الرَوابي وَأَرى أَشباحَ أَيّامٍ مَضَت.. في كِفاحٍ وَنِضالٍ وَوِثابِ وَأَرى أَطيافَ عَصرٍ باهِرٍ.. طالِعٍ كَالشَمسِ مِن خَلفِ الحِجابِ لَيتَهُ يُسرِعُ كَي أُبصِرَهُ.. قَبلَ أَن أَغدو تُراباً في تُرابِ (أبيات من قصيدة يارفاقي، الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي) ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ أسندتُ ظهري على المقعد إلى جواره، وعينَاي تتأملان المنظر أمامي؛ مستغرقةً في التأمل، غير مدركةٍ لوجود أيّ أحد، ثم نَظرْتُ إليه خِلسةً من تحت رموشي، أتفحص ملامحه الرجولية الوقورة؛ العزيزة بافتخار، والكلاسيكيّة _في كل شيءٍ_ بامتياز، حيث تقاسيم وجهه الوسيمة على طريقتها.. تلك التي تجذبُكِ وتلفتُ نظرِكِ أينما ذهبتِ، وتستأثر بسمْعِك وقتما تحدَّث، وأن يستحوِذَ على انتباهِك كاملاً إذ تناقش أو تحاور، وكيف لا يفعل؛ وقد فعلَ هذا بي أنا؟!.. أعلم يقيناً في داخلي أنني أحبُّه، وأرى ذلك جليّـاً في نظراته.. كلماته.. وتنهداته الصامتة بجانبي، ورغم اعتصام ذاكرتي عن المُضِيّ قُدُمَاً معي في مسيرتي، إلا أنني استرجعتُ بعضاً منها؛ حتى استعدتُها كاملةً.. يا إلهي! إن الإنسان لا يساوي شيئاً دون ذكرياته، دون حصيلته من الأحزان والأفراح، دون تلك الوجوه الكثيرة التي تملأ صفحات وجدانه وتلوّنها بألوانها، وتمزجها بأصوات حكاياتها.. الآن يَنْظُرْني؛ ولكن هل يراني كما كنتُ سابقاً؟!.. ربما! فالحلم والأمنيات جنّة النساء..
لم تفارقني يوماً منذ زواجنا؛ ورغم طبيعة عملها الصعبة، كانت حريصة على التواجد دوماً مساءً.. في بيتنا، وذلك قبل أن تنزل الميدان، وقد احترمت رغبتها، وشكرت لها قدرتها على المواصلة.. أحبَبْتُها مذ رأيتها أول مرّة، واستقرّت في عميق روحي موَدّتها، ونُقِشَت ملامحها بالدم على جدار قلبي، حتى آخر الْعُمْر.. يا إلهي! ليتني أستطيع تخفيف آلامها عنها، ليتني أستطيع محوَ كل ما يؤلمها من عقلها وقلبها، ووجدانها كذلك!.. أنتِ أقوى مما ظنَنْتُ حبيبتي!.. حباها الخلّاق العظيم عينَيْن واسعتَيْن كما بحرَيْن متلاطمي الأمواج، تُخفيهما عني رموش غنية، ويظلّهما حاجبين أنيقين، فوق أنف مستقيم، وترتسم تحته شفاه وردية بطبيعتها، مثالية لكل خيالٍ حميميّ، شفتَان تثيران بداخلي مشاعراً لم أعرفها قبل معرفتي بها، في وجهٍ كالقلب، وبذقن دائرية لطيفة، وقد ارتفع على كل ذلك كتلة حريرية سوداء، مجموعة في شنيون أنيق.. وقد شقت سواده اللامع خصلة فضية ممتدة على جانب رأسها الأيمن، حتى انتهت مختفية في ذاك الشنيون الوقور، ولم تخطئ عيني تلك الخطوط العريضة المنحوتة بالتفكير العميق على صفحة جبهتها العريضة، تلك الأخاديد المعصوبة على الوجع، والتي حبست نفسها بداخل دائرتها الملعونة، هناك في هوّة عميقة سوداء من غرابيب المشاهد العالقة بالذاكرة، الحبيسة داخل وجدانها وحدها، وعقلها وحدها.. أشعر بهالة الطاقة من حولها، وروح مكبّلَةٌ بداخلها تعذبها، تصارع شيئاً ما، تحارب مشاعر مختلطة، فجسدها ينقبض وينبسط بأكمله من شدة الانفعال، يرتجف باضطرابٍ كمرجل يفور.. وهناك حيث تلك الهوّة العميقة العالقة بذاكرتها، والتي ما تلبث أن تأسرها بداخلها حيناً بعد حين..
.. "صراخ في كل مكان؛ وأشلاء متناثرة، أيادٍ مبعثرة، وأرجل ممزقة، وبِضْعَة من البشر هنا وهناك، وقد كانوا يتحركون من حولي منذ لحظاتٍ مضت، ونعيق سيارات الإسعاف يقترب تارةً، ويبتعد تارةً أخرى، ولا جدوى، فقد قُتِلَت صديقة عمري ورفيقة كفاحي، واثنين آخرين من طاقم العمل معنا، قد تناثرت أشلاؤهم حولي.. لا جدوى من أي شيء، فمن ضرب؛ ضرب، ومن استطاع الهرب؛ هرب، وكل ما أمكنني فعله أن حذرتهم.. وصرخت فيهم أن تلك المرأة تحمل قنبلة بين طيّات ثيابها، وأنها انتحارية.. خائنة.. دسيسة ولعينة.. ألزمتني ظروف عملي أن ألتحق بعدة دورات؛ الإسعافات الأولية، وكيفية التعامل مع المتفجرات، وكيفية التصرف في محيطها، والحرائق، وكيفية إدارة أزمة وليدة اللحظة، جنباً إلى جنب المحافظة على حياة فريق عملي.. كان العمل كمراسلة صحفية للأخبار حلم حياتي؛ وعندما جاءتني الفرصة بتغطية مناطق المنازعات السياسية والمخيمات الحدودية ومناطق الثورات والقلاقل الداخلية؛ ذهبت فوراً دون تردد.. علّمني ذلك أشياء كثيرة جداً.. جداً؛ أهمها أنّ الوطن غالٍ، غالٍ، غالٍ، ولا يُقَدِّر ثمنه غير أولئك الذين يكتبون بدمائهم شهادة حياتهم الأبدية، وانتقالهم إلى رحاب ربّ البريّة.. وخلال ذلك كان لزاماً علينا المخاطرة والمجازفة في متابعة الخبر، ونقل المشهد على حقيقته، وإيصال المعلومة كاملة دون نقصان، مع التيقُظ الشديد والحذر الدائم، حتى تنتهي مهمتنا، أو على الأقل تأتينا تعليمات بالانتقال لمنطقة مختلفة.. حدث كل شيء في عشر دقائق، أَوَليست تُذْكَر من عُمْر الزمن؟!، ولكنها غيّرت العالم في عيني، وبدّلت مقاييس الأشياء والأمور في نظري، فجعلتني أرى كل شيء على حقيقته، وكل أحدٍ في صورته الحقيقية، وبمنظور مختلفٍ تماماً.. لقد تغيّرت؛ غيّرتي الحادثة حتى النخاع!.. ولم تشفع لي معرفتي وطويل خبرتي في هذا المجال، وسرعتي في تنبيهم، لأن أنقذَ أصدقائي الذين عملت معهم لسنوات كثيرة مضت، وعندما خرجت من تلك الدوّامة الجهنمية بكسر في الكوع الأيمن، وشروخ في عظمة الفخذ الأيسر، وارتجاجٍ بسيطٍ في المخ؛ كرهت نفسي.. كرهت كوني مازلت على قيد الحياة؛ كرهت نفسي وتمنيت أن لو قُتِلت معهم، وحينها كنت سأحمل لقب شهيدة!، ولكن الآن أنا هنا، وهم باتوا تحت التراب، أو بمعنى أصحّ؛ ما تبقّى منهم لاذ آمناً تحت الثرى.. غير أن أشلاءهم أحيت القضية من جديد، وأجْرت الدماء الزكية الطاهرة في عروق المحادثات السرية والمفاوضات السياسية من جديد، وأظْهَرت المطالبين بالحق والعدالة الحقيقيّين من المنتفعين.. فغبتُ في الألم، وغرقتُ في قسوة الذكريات، وبشاعة الخيانة؛ وبيع الأوطان بأبخس الأثمان، وحينها ضاعت ذاكرتي مني بإرادتي، وبرغبتي الكاملة، وأنا في كامل قوايَ العقلية.. وبعد صمت طويل، وأنفاس ثقيلة تحدَثْتُ، ونطقت شفتيّ أخيراً، ويكأني أخاطب نفسي بصوت خافت وملئ بالوجع، أقول.. "عندما تتعب الرياح من طول المسير، وحينما تغيب النجوم فتأوي خلف الغيوم، وعندما يتغير صوت جريان الماء العذب وطعمه ولونه؛ فتأكد أن هناك شيئاً تغيّر في هذا العالم.. حينما تنظر لأوراق الشجر؛ فتجدها تذوب مثل قطع ثلج في نهار حار، تتجول عيناك بين البشر فتجدهم مثل لوحات إعلانية، جذابة وبراقة ولكنها تحتضن الكذب والنفاق والتملق، فقد اعتادت أجسادهم الألم والخوف، فذابت المعاني بين كثير من امتحانات الحياة، وأحوال الدنيا التي بات من العسير على الجميع التعامل معها والتكيّف حولها.. حروب وصراعات في مختلف البقاع، وبالرغم من ذلك يتفوق الناس على كل ذلك ويبتسمون ويتظاهرون بالسعادة، ويستمرون بالعيش والتأقلم، والمضيّ قدُمُاً؛ أناس يتفرقون بعد طول عِشرة، وأحبة يلتقون بعد زمانٍ من الغياب وهم في الأمر سواء، فلا البعيد ارتاح بالوصول، ولا القريب سيرحمه الهروب..
...كم تألمتُ لأجلها، وكم بكيت لكلامها ونشيج نفسها، وكم وددت لو استطعت ضمّها واحتواءها، فلربما آخذ القليل من أوجاعها، وأسرق البعض من ألامها وعذابها وحيرتها، ولعلّها ترتاح ولو قليلاً.. تمنيت أن لو تراني!.. فسكنت مكاني ولم أتحدث، حتى أنعم بالمزيد من رفقتها الغنية بالمشاعر، وأخاف أن تلاحظني فترحل، ولكنني تعجبت ما إن التفتَتْ نحوي وتحدثَت إليّ، وفي نفسي أقول وضربات قلبي تتصاعد في أذني حد الجنون "يا رب السموات! إنها تذْكُرني؛ تشعر بوجودي وتراني حقاً".. أبتسم بوجهها، وقد اختفت يديْها بين كفيّ الكبيرين، وأخذت تَتطَلّع بعمق داخل عينيّ، فتهدجت أنفاسي وعطرها يسرقني من نفسي، ويغيبني عن الوجود فيها، وهي تعاتبني بقولها..
"هل أتيتَ اليوم أيضاً، كما كنتَ تفعل في كل يوم.. وشهر.. وسنة.. مضت؟. أما يئست منيّ، ومن مجنونة مثلي؟.. أما كرهني قلبك ولو قليلاً؟.. أما غفلت روحك عن وجعي ولو يوماً فترتاح؟، لمَ تفعل ذلك، فأنا لن أعود كما كنتُ سابقاً، أنا لست زوجتك ولا حبيبتك التي عرفتها طوال عمرك"..
لم أصدق أذناي، فكيف أخبرها أنها حبيبتي وابنتي وزوجتي وصديقتي، وكل شيء أردته في أنثى؛ كان هي؟.. كيف أخبرها أنني أحبها حد الجنون؟.. كيف أجعلها تفهم أن وجعها يذبحني، وأن عذاب روحها يقتلني؟، كيف أخبرها أن لا حياة لي بدونها؟ وأن أنفاسها تحييني وعطرها يحِنّ على قلبي؟!.. كيف أخبرها أن عاماً مضى وأنا أرافقها كل يوم إلى هنا لربما يتذكرني عقلها الفاقد للذاكرة؟!..
فأجبته وعينيّ لا تفارقان ملامحه الحبيبة، ويدي لا تفلتان دعم يديه.. يا إلهي الرحيم! الآن عرفت كم اشتقت إليه، كم اشتقت إلى حديثه، ورفقته الجميلة، وعِشْرَته الطيبة؟!، وسمعتني أخبره بلسان حالي، ولكن بصوت يخترق قلبي وعقلي وروحي.. "لأنه وإن ذابت أوراق الشجر، وتوقفت الرياح عن المسير، وتغير طعم الماء والهواء وكل الوجود تبدلّ؛ ستبقى أنت حبيبي وكل حياتي والوجود".. فاحتواني وقد ارتميت بين جنبات صدره الحنون؛ يخفي تنهدات دمعي، وصوت وجعي بين ذراعيه، فهدهدني بحنان صوته الحبيب، وشجي حبه أخبره "حبيبي أنت كل ذكرياتي.. في الماضي والآن وإلى الأبد، أنا قوية بك، ومعك أمضي وكل على ما يرام"..
؛؛؛أَنِينٌ مِنْ كِبْرِيَاءَ.. مَلَاكٌ مَكْسُورُ اَلْجَنَاحَيْنِ.. أَسِيرٌ بَيْنَ جَنْبَيْنِ؛ أَنِينٌ وَكِبْرِيَاءُ.. فَلَا أَنِينِي مَسْمُوعٌ وَلَا كِبْرِيَائِي مُتَوَقِّفٌ نَزِيفَهُ.. أُرِيدُ اَلْهُرُوب؛ اَلتَّحْلِيقُ عَالِيًا بَيْنَ اَلسُّحُبِ، وَسَطَ اَلشُّهُبِ، عَلَّهَا تَحْرُقُنِي؛ فَأَهْدَأ.. أَحْلُمُ بِجَنَاحَيْنِ قَوِيَّيْنِ صَلْبَيْنِ؛ بِهُمَا لَا أَخَافُ، لَا أَجَبْنَ، وَلَا يَأْتِينِي يُجَافِينِي الّليْلُ فَأَسْهَرَه.. أَيَا عَنْقَاء! أَمَا تَمْلِكِينَ جَنَاحَيْنِ كَامِلَيْنِ؛ مُنِيرَيْنِ بِأَلْوَانِ قَوْسِ قُزَحٍ، وَلَا عَيْنَانِ بَاسِمَتَانِ بِأَنْغَامِ اَلسَّمَاءِ؟.. مَاذَا عَنْ قَلْب سَلِيمٍ قَوِيٍّ بِالْحُبِّ؟، مَاذَا عَنْ رُوحِ اَلْحَيَاةِ، رُوحُ اَلْأَمَانِ، رُوحُ اَلسَّلَامِة؟.. نَعَمْ؛ نَعَمْ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَمْلِكِينَ اَلْمُسْتَحِيلُ، وَلَا تَمْنَحِينَ مَا أَنْتَ فَاقِدَةٌ لَهُ بِالْفِعْلِ، وَمَاذَا أَفْعَلُ وَقَدّ كُنْت وَعْدَاً صَعِيبَ الْوَفَاء.. أيَا عَنْقَاءُ! فَسَامِحِي غَبَائِي، وَارْحَمِي نِسْيَانِي، وَلَا تَقْسِيْنَ عَلَى مَنْ اِنْكَسَرَ فِيهِ اَلْحَنَانُ وَالْجَنَانُ، وَتَرَفَّقِي بِي فَلَعَلَّ بَقَايَا مِنْ رَمَادِكِ يُحْيِينِي وَيَحِييه.. (أنين من كبرياء، هاله جاد)؛؛؛
