حكاية كوب ماء!
استيقظتُ ذات صباح، وشعرتُ بعطشٍ شديد. نهضتُ من مكاني متجهًا نحو المطبخ، وكانت غايتي بسيطة لا تتجاوز الحصول على كوب من الماء. فتحتُ الخزانة، وانتقيتُ كوبًا زجاجيًّا شفافًا، ثم فتحتُ صنبور الماء وملأتُه حتى اقترب الماء من حافته. وحين هممتُ برفعه إلى فمي، استوقفتني لحظةٌ من التأمل؛ فقد وجدتني أتساءل عن العلاقة التي تجمع بين هذا الكوب والماء الذي يحتويه، وكيف يمكن لشيئين مختلفين في طبيعتهما أن تتشكل بينهما علاقةٌ تحمل من الدلالات أكثر مما توحي به صورتهما البسيطة.
تأملتُ الكوب أولًا، فوجدته وعاءً فارغًا في أصله، مهيّأً لاستقبال ما يوضع فيه، وتأملتُ الماء، فإذا هو سائلٌ لا يستقر على هيئةٍ مخصوصة، وإنما يتشكل بحسب الوعاء الذي يحتويه. وهنا بدأت تتكشف لي علاقةٌ سيميائية تتجاوز حدود الوظيفة المادية؛ فالكوب علامةٌ على الاحتواء، والماء علامةٌ على الحياة والارتواء، واجتماعهما ينتج دلالةً ثالثة تتصل بالإشباع وتحقيق الحاجة. فالكوب يمنح الماء حدودًا مرئية، والماء يمنح الكوب وظيفةً ومعنى في هذا السياق. وإذا كان الكوب فارغًا فإنه يستدعي دلالة الانتظار والاستعداد، فإذا امتلأ انتقل من دلالة الفراغ إلى دلالة الاكتمال. أما شفافيته فتؤدي وظيفةً دلالية أخرى؛ إذ تكشف محتواه وتتيح رؤيته دون حجاب، فتجعل ما في داخله حاضرًا للعين. ومع ذلك، فإن هذه الدلالات لا تكتمل بمجرد وجود الكوب والماء؛ إذ تظل بحاجة إلى ذاتٍ إنسانية تتفاعل معهما وتمنحهما قيمتهما بحسب حاجتها. فالكوب الممتلئ أمام إنسانٍ مرتوٍ ليس كالكوب نفسه أمام إنسانٍ أضناه الظمأ. ومن ثم تتشكل العلاقة الدلالية من ثلاثة أطراف: الكوب بوصفه وعاءً، والماء بوصفه محتوى، والإنسان بوصفه ذاتًا تستدعي اجتماعهما وتمنحهما غايتهما.
ومن هنا وجدتني أنتقل من تأمل العلاقة بين الكوب والماء إلى تأمل العلاقة بين الإنسان وحاجته، فالمسألة في جوهرها تتجاوز الوعاء ومحتواه إلى معنى الافتقار والامتلاء. ولعل العطش من أصدق التجارب التي تكشف للإنسان طبيعة علاقته بالأشياء؛ فالماء الذي قد يمر أمام عينيه في لحظات الارتواء دون أن يستوقفه، يتحول في لحظات الظمأ إلى غايةٍ تستحوذ على تفكيره. وهنا تتجلى مفارقة الحاجة؛ إذ لا تتحدد قيمة الأشياء بماهيتها وحدها، بل تتشكل كذلك بحسب حاجة الإنسان إليها. فالظمأ يمنح الماء قيمةً استثنائية، والحرمان يكشف ما كان الحضور يحجبه عن الوعي. وربما لهذا تتجاوز فلسفة العطش معناها الجسدي؛ إذ للإنسان عطشٌ إلى المعرفة، وآخر إلى المحبة، وثالث إلى الطمأنينة، ولكل عطشٍ مورده الذي يبحث عنه. وكأن الإنسان كائنٌ لا يكف عن طلب الامتلاء، ينتقل من حاجةٍ إلى أخرى، ومن ارتواءٍ إلى ظمأ، في رحلةٍ تتجدد فيها الرغبات كلما ظن أنه بلغ غايتها.
وحين انتهيت من تأملاتي، رفعتُ الكوب إلى فمي وشربت الماء، فإذا بالعطش الذي استدعى كل تلك الأفكار قد زال في دقائق معدودة، بينما استغرقتُ في تفسيره وتأمله زمنًا أطول بكثير. وضعتُ الكوب على الطاولة، ونظرتُ إليه مبتسمًا؛ فقد دخلتُ المطبخ أبحث عن رشفة ماء، وخرجتُ منه محمّلًا بأسئلةٍ عن العلامة والحاجة، وهكذا كان كوب الماء أكثر من وعاءٍ يحمل سائلًا؛ لقد أصبح مناسبةً لاكتشاف عوالم كامنة في أبسط تفاصيل الحياة.
2