
مقال دقيقتان للقراءة
صباح الخير للنائمين في أمان... وصباح الوجع لأطفال غزة تحت الخيام بقلمي.عون البحيصي
حين يستيقظ البعض على دفء البيوت ورائحة القهوة، يستيقظ أطفال غزة على صوت المطر وارتجاف الأجساد ووجع الخيام. صباح الخير للنائمين في أمان وسلام، لمن أغمضوا أعينهم الليلة الماضية تحت أسقف تحميهم من المطر، واحتضنتهم أسرّتهم الدافئة، ولم توقظهم قطرات الماء المتسربة من سقوف بيوتهم. صباح الخير لمن فتحوا نوافذهم هذا الصباح ليتأملوا المطر من خلف الزجاج، واحتسوا قهوتهم في هدوء، وهم لا يعلمون أن هناك في مكان آخر من هذه الأرض أطفالا لم يذوقوا طعم النوم، لأن المطر كان يطرق خيامهم الممزقة، والبرد كان ينهش أجسادهم الصغيرة. صباح الخير لأطفالنا في غزة... لأولئك الذين لا يعرفون معنى الشتاء كما نعرفه، ولا ينتظرون المطر كما ينتظره الآخرون. فالمطر بالنسبة لهم ليس موسما للفرح، ولا مناسبة لارتداء الملابس الدافئة، بل خوف جديد، ومعاناة تتجدد، وليل طويل يبحثون فيه عن قطعة قماش جافة أو حضن أم يقيهم قسوة البرد. هناك طفل يستيقظ اليوم وقد ابتلت ملابسه وفراشه. وهناك أم تحاول أن تجمع أطفالها تحت غطاء واحد، فلا الغطاء يكفي، ولا الخيمة تمنع الرياح، ولا يداها قادرتان على أن تصنعا لهم دفئا يواجه قسوة هذا الشتاء. هناك أب يقف عاجزا أمام خيمته التي غمرتها المياه، ينظر إلى أطفاله ولا يملك سوى أن يضمهم إلى صدره، وكأنه يريد أن يمنحهم من حرارة قلبه ما عجزت عنه كل وسائل الحياة. أي صباح هذا الذي يبتسم فيه العالم بينما ترتجف أجساد أطفالنا من البرد؟ وأي عدالة إنسانية هذه التي تجعل بعض الأطفال يختارون ملابسهم قبل الخروج، بينما يبحث أطفال غزة عن ملابس جافة يرتدونها بعد أن غمرتهم مياه الأمطار؟ لسنا هنا بصدد استعطاف أحد، ولا نكتب لنصنع مشهدا عاطفيا عابرا، بل نكتب لأن الطفولة حق، ولأن الدفء حق، ولأن المأوى ليس ترفا، ولأن الطفل لا ينبغي أن يدفع ثمن الحروب والظروف القاسية من صحته وكرامته وأحلامه. إننا نناشد كل صاحب ضمير حي، وكل مؤسسة إنسانية، وكل من يستطيع الوصول إلى هؤلاء النازحين، أن يجعل من حماية الأطفال أولوية عاجلة. فالخيام المهترئة لا تواجه الأمطار، والأغطية القليلة لا تصنع شتاء آمنا، والوعود لا تجفف ثياب طفل يرتجف من شدة البرد. إلى العالم الذي يستيقظ على صباح هادئ... تذكروا أن في غزة أما لا تفكر الآن في فطور أطفالها، بل تفكر كيف تحميهم من البرد. وأبا لا يبحث عن مكان أجمل للسكن، بل عن زاوية جافة لا تصل إليها مياه المطر. وطفلا لا يحلم بلعبة جديدة، بل يحلم بليلة واحدة ينام فيها دون أن يوقظه البرد. صباح الخير للنائمين في أمان وسلام... أما أطفال غزة، فصباحهم دعاء أم، ودمعة أب، وارتجافة جسد صغير تحت خيمة لا تملك من الحماية إلا اسمها. فهل يسمع العالم أنين الطفولة قبل أن يتحول البرد إلى مأساة جديدة؟ وهل تتحرك النخوة الإنسانية قبل أن نفقد مزيدا من ابتسامات أطفالنا؟ غزة لا تطلب المستحيل... غزة تطلب ألا ينام أطفالها تحت المطر.
