
مقال 6 دقائق للقراءة
الرحمة... حين يسكن وجع الآخرين قلوبنا
سلسلة الأخلاق (15) ــــــــــــــــــــ،
ليست الرحمة أن ترى دمعةً في عين إنسان فتمسحها فحسب، بل أن تشعر بالوجع الذي أنزلها، حتى وإن لم تعرف حكايته. ثمة فقرٌ لا تراه العيون، وجوعٌ لا تصنعه قلة الطعام وحدها، ودموعٌ تسقط خلف أبواب مغلقة لا يسمع صوتها أحد. ثمة إنسان يضحك أمام الناس كي لا يفضح انكساره، وآخر يتظاهر بالقوة لأنه لم يجد كتفًا يتكئ عليه، وثالثٌ ينتظر كلمةً طيبة قد تكون آخر ما يربطه بالأمل. وفي زحام الحياة، قد نعبر بجوار هؤلاء دون أن نلتفت، وقد نرى وجوههم ولا نرى ما وراءها، وقد نسمع كلماتهم دون أن نصغي إلى الصمت المختبئ بينها. وهنا تبرز الرحمة، لا بوصفها شعورًا عابرًا، بل بوصفها ضميرًا حيًّا يجعل الإنسان يرى في ألم غيره مسؤوليةً أخلاقية، لا مشهدًا عابرًا في طريقه. فالرحمة ليست ترفًا إنسانيًّا، ولا ضعفًا في الشخصية، وإنما هي إحدى أرقى صور القوة؛ لأنها تمنح صاحبها القدرة على أن يشعر بغيره في زمنٍ يتسابق فيه كثيرون إلى الاهتمام بأنفسهم وحدها.
أولًا: الرحمة عينٌ ترى ما لا تراه العيون
ليس كل محتاجٍ يمد يده، وليس كل حزينٍ يبكي، وليس كل منكسرٍ يطلب المواساة. قد يكون المحتاج جالسًا بيننا، يرتدي ثيابًا أنيقة، ويخفي وراء ابتسامته ضيقًا لا يعلمه إلا الله. وقد يكون زميلنا الذي نلومه على تقصيره يخوض معركةً لا نعرف عنها شيئًا، وقد تكون الكلمة التي نعدّها بسيطةً هي أثقل ما سمعه إنسانٌ في يومه. إن الرحمة تبدأ حين نتوقف عن إصدار الأحكام السريعة، ونتعلم أن وراء كل وجهٍ حكاية، وأن ما نراه من الناس ليس إلا جزءًا صغيرًا مما يعيشونه. فكم من إنسانٍ لم يكن يحتاج إلى نصيحة، بل إلى من يسمعه! وكم من قلبٍ لم يكن ينتظر حلًّا لمشكلته، بل إنسانًا يقول له بصدق: لست وحدك.
ثانيًا: الرحمة ليست شفقةً من علٍ... بل إنسانيةٌ من قلبٍ إلى قلب
هناك فرقٌ كبير بين أن تنظر إلى إنسانٍ محتاجٍ فتشعر أنك أفضل منه، وبين أن تنظر إليه فتدرك أن الكرامة الإنسانية تجمعكما، وأن اختلاف الظروف لا يجعل أحدكما أرفع قيمةً من الآخر. فالشفقة التي تُذلّ صاحبها ليست رحمة، والعطاء الذي يجرح كرامة المحتاج ليس إحسانًا كاملًا. الرحمة الحقيقية أن تعطي دون أن تمنّ، وأن تساعد دون أن تُشعر الآخر بصغره، وأن تحفظ ماء وجهه كما تحرص على تلبية حاجته. فليس المهم أن تملأ يد إنسانٍ بالعطاء، بل أن تترك قلبه محتفظًا بكرامته.
ثالثًا: الكلمة الرحيمة قد تكون طوق نجاة
قد لا نملك مالًا نمنحه لكل محتاج، ولا سلطةً نرفع بها كل مظلوم، ولا قدرةً نغيّر بها جميع أوجاع العالم، لكننا نملك شيئًا لا ينبغي الاستهانة به: الكلمة. كلمةٌ ترفع معنويات إنسانٍ أو تهدمها، وعبارةٌ تفتح نافذةً للأمل أو تغلقها، ونظرةٌ تشعر الآخر بأنه مرئيٌّ ومقدَّر، أو تجعله يشعر بأنه عبءٌ على من حوله. كم من إنسانٍ استعاد ثقته بنفسه بسبب كلمة تشجيع، وكم من طفلٍ ظل يتذكر طوال عمره معلمًا آمن بموهبته، وكم من قلبٍ تجاوز محنته لأن أحدهم لم يسخر من ضعفه، ولم يقلّل من ألمه. إننا لا نعرف دائمًا حجم الأثر الذي تتركه كلماتنا، ولذلك ينبغي أن نجعلها جسورًا للطمأنينة، لا سكاكين في صدور الآخرين.
رابعًا: الرحمة تبدأ من أقرب الناس إلينا
من المؤلم أن يبحث بعض الناس عن فرصةٍ لمساعدة الغرباء، بينما ينسون قلوبًا قريبةً منهم تنتظر اهتمامهم. قد يكون أبٌ مسنٌّ لا يريد من أبنائه سوى دقائق من الجلوس معه، وأمٌّ أنهكها العمر وتنتظر سؤالًا صادقًا عن حالها، وزوجةٌ تحتاج إلى تقديرٍ لا إلى أوامر، وزوجٌ يثقل كاهله العمل ولا يجد في بيته كلمةً تخفف عنه، وطفلٌ لا يحتاج إلى لعبةٍ جديدة بقدر حاجته إلى حضنٍ آمن. إن الرحمة لا تُقاس بما نقدمه للبعيدين وحدهم، بل بما نمنحه لمن يعيشون معنا، ويشاركوننا تفاصيل أيامنا. فما قيمة أن نكون رحماء في الطرقات، قساةً في بيوتنا؟ وما جدوى أن نواسي العالم، ثم نترك أقرب الناس إلينا يواجهون حزنهم وحدهم؟
خامسًا: حين تغيب الرحمة يصبح المجتمع قاسيًا ولو امتلك كل شيء
يمكن للمجتمع أن يمتلك المباني الشاهقة، والطرق الواسعة، والمؤسسات المتقدمة، لكنه يظل فقيرًا إذا غابت الرحمة عن علاقات أفراده. فالموظف الذي يعامل صاحب الحاجة باحتقار، والطبيب الذي ينسى أن وراء كل مريض إنسانًا خائفًا، والمعلم الذي يكسر نفس طالبٍ بسبب خطأ، والقوي الذي يستغل ضعف غيره؛ جميعهم يسهمون في صناعة مجتمعٍ تتسع فيه المسافات بين البشر، حتى وهم يعيشون في المكان نفسه. ولا تُبنى المجتمعات العظيمة بالحجر والمال وحدهما، بل تُبنى بقلوبٍ تعرف أن الإنسان ليس رقمًا في سجل، ولا عبئًا في طريق، ولا فرصةً لاستعراض القوة. إن المجتمع الرحيم لا يعني مجتمعًا بلا قوانين أو محاسبة، بل مجتمعًا يجمع بين العدل والإنسانية، وبين حفظ الحقوق ومراعاة الضعفاء.
سادسًا: كيف نجعل الرحمة سلوكًا لا شعارًا؟
الرحمة لا تحتاج دائمًا إلى إمكانات كبيرة؛ أحيانًا تبدأ بتصرفٍ صغير، لكنه يترك أثرًا عظيمًا. أن نستمع إلى من يتحدث إلينا دون مقاطعة أو استهزاء. أن نساعد المحتاج دون تصويره أو التشهير بحاجته. أن نرفق بالضعفاء وكبار السن والأطفال، ونحفظ كرامتهم. أن نخفف عن المبتلى بدلًا من لومه على ما لا يملك تغييره. أن نعامل العامل البسيط والموظف وصاحب الخدمة باحترام. أن ننتبه إلى الحزين الصامت، فقد يكون أكثر الناس احتياجًا إلى المواساة. أن نغرس في أبنائنا أن الرحمة ليست كلامًا يُقال، بل خيرٌ يُصنع. مشهدٌ صغير... ومعنى كبير
تخيّل طفلًا سقطت من يده بعض الأشياء في طريقٍ مزدحم، فمرّ الناس بجواره، وانشغل كلٌّ منهم بوجهته. ثم توقّف رجلٌ لا يعرفه، وانحنى يجمع معه ما تناثر، وابتسم له قائلًا: لا بأس، ستتعلم كيف تحملها في المرة القادمة. ربما لم يكن ذلك الرجل يعلم أنه لم يجمع أشياء الطفل وحدها، بل جمع معها شيئًا من ثقته بنفسه، وأعاد إلى قلبه شعورًا جميلًا بأن العالم لا يزال فيه من يتوقف لأجله. هكذا تعمل الرحمة؛ لا تُحدث ضجيجًا، ولا تطلب تصفيقًا، لكنها تترك في الأرواح أثرًا قد يمتد سنوات.
ختامًا: كن رحمةً في حياة أحدهم
لسنا مطالبين بأن نحمل أوجاع العالم كلها على أكتافنا، لكننا مطالبون بألّا نكون سببًا في زيادة أوجاعه.
كن اليد التي تمتد حين تتراجع الأيدي، والكلمة التي تواسي حين يصمت الجميع، والوجه الذي لا يخاف منه الضعيف، والقلب الذي لا يسخر من دمعةٍ أو يتجاهل استغاثة. ولا تنتظر أن تصبح غنيًّا حتى تعطي، أو قويًّا حتى تنصر، أو متفرغًا حتى ترحم؛ فقد يكون أعظم ما تقدمه لإنسانٍ هو أن تمنحه من وقتك، أو تحفظ كرامته، أو تزيح عن طريقه حجرًا لم تستغرق إزاحته إلا لحظة.
رسالة السلسلة: ــــــــــــــــــــــــ، الرحمة ليست أن تعيش بعيدًا عن آلام الناس، بل أن تظل إنسانًا حين تمرّ بها. فالعالم لا ينقصه من يعرفون كيف يرون الألم، بل ينقصه من يشعرون به، ويتحركون لتخفيفه. تأمل قليلًا: كم إنسانًا مرّ في طريقك اليوم، وكان ينتظر منك رحمةً صغيرة، ولم تكن تعلم؟
بقلم / احمد عزيز الدين احمد كاتب وروائي وشاعر
