
مقال دقيقتان للقراءة
المقامات أدب الضحك المر
تعد المقامات أدبا هزليا ضاحكا فقد ابتدعها بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع للهجرة لتكون أدب مجالس بامتياز فالسند فيها هو عيسى بن هشام هذا الذي يروي مغامرات عاشها في مختلف المدن العراقية أنذاك سواء كان هو البطل لأحداثها أو أنّه يقتسم هذه البطولة مع أبي الفتح الإسكندري زعيم المتحيّلين وسيّدهم فشعاره في الحياة هو الكدية أو الحيلة فهي سبيله إلى الكسب السريع والربح الذي لا جهد فيه غير إيقاع الآخرين في شراك الحيلة. وتتعدّد مقامات بديع الزمان الهمذاني بتعدد أطرها الزمانية والمكانية والحدثيّة كذلك إلا أنّ الجامع بينها جميعا هو ذلك الأسلوب الهزليّ الطريف القائم عادة على المفارقات بين المتوقّع أو المنشود و الحاصل أو الموجود وهي مفارقات وإن أثارت ضحك القارئ والمتقبّل عامّة فإنّ الضحك فيها يكون مرّا إذ يشعر القارئ بمرارة الواقع من خلال الأحداث فوارء كلّ ابتسامة أسف بطعم العلقم وألم بحجم هذا الأسف لأنّه ضحك يجعلنا في مواجهة مباشرة مع صورة مجتمعنا بما فيها من بشاعة وانحطاط وتدنّ لقيمة الإنسان فيه رغم ما أضفاه الهمذانيّ على مقاماته من زخرف لفظيّ تجلّى في اعتماده لظاهرة السجع التي جعلت نصّ المقامة نصّا جديدا يجد له مكانة بين النثر والشعر من ناحية الإيقاع بل إنّه جمع بين الصنفين في نصّ واحد حين جعل من الشعر خاتمة لمقاماته القصصيّة،يبرّر فيها البطل سلوكه وحيلته ويكشف عن شخصيته التي تتخفّى وراء الأقنعة كي تصل إلى مبتغاها من التحيّل . ولعلّ لحظة الكشف والاكتشاف تلك هي التي تجعل من الضحك في المقامة حلاوة لنهايتها طعم مرّ.وعلى هذا الأساس تبدو المقامة أكثر الآداب تناسبا مع روح عصرنا اليوم وأكثرها قدرة على تصويره والتعبير عنه. وهو ما دفعني إلى كتابة بعض المقامات وعيسى بن هشام يتجوّل في بعض مدننا اليوم ويعيش مغامراته سأنشرها تباعا على صفحتي بمنصتنا "مجتمع".
