
مقال 3 دقائق للقراءة
بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِي أَيُّهَا الأَوْبَاش!
ليست كل الكائنات التي تتحدث تفكر، وليست كل الرؤوس التي تحملها الأجساد مأهولة بالعقول، فثمة نماذج بشرية تمنحك انطباعًا بأن الطبيعة قد تبذل جهدًا هائلًا في صناعة المظهر، ثم تنسى تمامًا وضع ما يستحقه من مضمون.
إنه صنف عجيب من البشر؛ يملك من الغرور ما يكفي لاحتلال ممالك، ومن الحكمة ما لا يكفي لاتخاذ قرار سليم، ومن الثقة بالنفس ما يجعله يعتقد أن الشمس تشرق احترامًا لحضوره، وأن التاريخ ينتظر منه إشارة كي يبدأ بتدوين أحداثه.
يتحدث وكأنه أستاذ البشرية، وينظّر وكأنه آخر حراس المعرفة، ويصدر الأحكام كما لو أنه يمتلك وكالة حصرية لتوزيع العقل على الناس. أما حين تفتش في محتواه الفكري، فتجد فراغًا يرتدي ربطة عنق، ويتحدث بلهجة الواثق، ويطالب الجميع بالتصفيق!
يا لها من مأساة كوميدية! أن يتحول محدود الإدراك إلى مرجع، وأن يتقمص ضيق الأفق شخصية الفيلسوف، وأن يتخيل صاحب المعرفة المستعارة أنه قد فتح أبواب العلم وأغلقها بمفتاحه. إن بعض الأشخاص لا يحتاجون إلى مناظرة تكشف ضعف حججهم؛ يكفي أن تتركهم يتحدثون قليلًا، حتى تتولى كلماتهم مهمة إسقاط صورتهم بأنفسهم.
أما غروره، فحكاية أخرى تستحق أن تُدرّس في علم النفس بوصفها نموذجًا لتضخم الأنا حين تفقد اتصالها بالواقع. يتعامل مع اسمه وكأنه علامة فارقة في تاريخ الحضارة، ومع رأيه وكأنه دستور لا يجوز تعديله، ومع وجوده وكأنه مكسب للبشرية جمعاء. ولو كان للغرور ميزان، لاحتاج هذا المسكين إلى موازين الموانئ والمطارات لقياس ما يحمله من أوهام!
والأكثر طرافة أنه لا يفرّق بين أن يكون معروفًا وأن يكون محترمًا، ولا بين أن يكون حاضرًا وأن يكون مؤثرًا، ولا بين أن يتحدث الناس عنه وأن يتحدثوا عن إنجازاته. فقد يملأ الإنسان المجالس ضجيجًا، ثم لا يجد في سيرته ما يستحق سطرًا واحدًا من التقدير.
إنه يظن أن الثقافة مجموعة مفردات يستعرضها، وأن الذكاء قدرة على إحراج الآخرين، وأن المكانة تُصنع بالتعالي. ولو أنصف نفسه مرة واحدة، لأدرك أن المظهر الثقافي لا يعالج فقر المضمون، وأن استعارة لغة الكبار لا تجعل صاحبها كبيرًا، وأن ارتداء قناع الحكمة لا يمنح صاحبه عقل حكيم.
ولعل أكثر ما يبعث على السخرية أن هذا النموذج يتعامل مع الآخرين من برج بناه في خياله، ثم ينسى أن الأبراج الوهمية لا تمنح أصحابها ارتفاعًا حقيقيًا. يوزّع صكوك الاحترام، ويصنف العقول، ويمنح نفسه حق تقييم الجميع، وكأن البشرية اجتمعت يومًا وقررت تفويضه بهذه المهمة!
يا هذا، ليس كل من صمت أمامك مقتنعًا بك، وليس كل من ابتسم لحديثك معجبًا بعقلك، وليس كل من منحك مساحة للكلام يرى فيك قيمة استثنائية. أحيانًا يترك الناس المسرح لصاحبه حتى ينتهي عرضه، ويكتشف الجمهور وحده طبيعة المشهد.
إن الفرق بين الإنسان العظيم ومدّعي العظمة كالفرق بين الجبل وصورته على جدار؛ الأول ثابت في مكانه، والثاني لا وجود له خارج الإطار. الأول ترفعه أعماله، والثاني يرهق نفسه برفع صوته. الأول لا يحتاج إلى إقناع الناس بمكانته، والثاني يقضي عمره في كتابة شهادة تفوق لنفسه.
وأما هذا الذي نتحدث عنه، فقد جمع من صفات الادعاء ما يكفي ليكون قاموسًا مستقلًا، ومن التناقضات ما يجعل المنطق يطلب إجازة مفتوحة، ومن الغرور ما يجعل نرسيس نفسه يبدو أمامه نموذجًا للتواضع والتواضع الشديد!
لا تمنحوا التفاهة لقب الظاهرة، ولا تمنحوا الادعاء صفة الفكر، ولا تخلطوا بين الشخص الذي يملك حضورًا والشخص الذي يطالب الآخرين بالاعتراف بحضوره. فليست كل الأسماء جديرة بالذكر، وليست كل الشخصيات جديرة بالاهتمام، وبعض النماذج لا تستحق من التاريخ سوى هامش صغير عنوانه: هكذا يبدو الإنسان حين يصبح أسيرًا لوهمه.
وختامًا، أقول: إن العظمة لا تُقاس بما يكتبه المرء عن نفسه، ولا بما يعلنه من ألقاب، ولا بمقدار ما يفرضه من ضجيج؛ العظمة موقف وفكر وأثر، وما عدا ذلك زينة رخيصة على واجهة فارغة.
وكما يقول الدكتور خليل النظامي: "بؤ بشسع نعلي أيها الأوباش!"
خالد طناش شطناوي
#مجتمع
@المتابعون
