محاولة في القصة القصيرة جدا:
هوية تحت الرماد
انفجار كبير هزّ أرجاء البيت، صرخات طفل في الثانية من عمره يحبو على جثث والدته وإخوته، نحيب الجرحى الذين لا سبيل إلى نجاتهم إذ لا إسعاف ولا حتى مستشفيات، الناس يتراكضون، الصيحات تعلو، والدخان يتصاعد.
هكذا بدأت حياة تالمظت - ذلك الطفل الذي حُرم من قول أمي - هكذا سمته جدته - من أمه - تين هنان التي قامت بتربيته. وفي إحدى الليالي الشتوية الدامسة بعد ثماني سنوات من الحادثة كان تالمظت متوسدا ركبة جدته تين هنان وهي تداعب شعره وتسرد عليه بعض القصص الشعبية لتنومه بينما هو ينشغل تفكيره بشيء آخر، يشعر باشتياق لوالديه، فجأة نهض من تضجعه وجلس أمام جدته ونظر إليها وعلى وجهه ملامح الفضول وسألها بعفوية:
- جدتي… أين أمي؟
- آه يا ولدي؛ أمك….لا عليك، تعال ونم قليلا أنت متعب الآن.
- جدتي، أنا حقا أريد أن أعرف أين هي أمي وأذهب إليها، أشتاق إليها كثيرا.
- حسنا سأخبرك بكل شيء، هكذا قالت له جدته وعلى وجهها ترتسم ملامح الشفقة.
فشرعت تسرد عليه قصة الانفجار الذي راحت أمه وإخوته ضحاياه.
وسألها والدموع تنهمر على خديه:
- وأبي؟ لماذا لم تذكره في الموتى ولا في الجرحى؟ أين هو؟
- آه يا ولدي، والدك؛ إنه إنجض، هو لم يكن في البيت أثناء الانفجار.
- إذن أين هو الآن؟ هل سيعود إلينا؟
- هو قبل الحادث بعامين عندما كنتَ جنينا في رحم أمك، ذهب مع بعض الرجال إلى المدينة لشراء الأكفان واستأجار بعض السيارات لنقل الجرحى إلى المدينة، بعدما مرّت دورية على الآبار التي تسقى عندها الحيوانات، وأطلقوا الزمام لبنادقهم لتلتهم كل ما هو حيّ هناك بحيث لا تفرق بين البشر والحيوانات وبين الرجل والمرأة والطفل، ولم ينجُ من ذلك اللهيب إلا من كان متواريا عن الأنظار، ذهب إنجض وأصحابه إلى المدينة؛ فلا هم عادوا ولا الموتى كُفنوا ولا الجرحى نُقلوا إلى المدينة، قيل عندما أرادوا أن يدخلوا المدينة اعترضتهم الشرطة واعتقلوهم بتهمة محاولة دخول المدينة بدون البطاقات الوطنية.
- بطاقات وطنية؟!… ما الوطن؟
- الوطن هو…؛ لا أعرف بالضبط ما هو الوطن.
لا أعرف عنه شيئا إلا أن الأشياء التي تسقط علينا، والبنادق التي نُقتل بها، والأقفاص التي نُعتقل فيها، كل ذلك يتبع للوطن.
هذا الحوار العفوي الذي دار بين تالمظت وجدتِه تين هنان لم يمر على تالمظت مرور الكرام، بل كل كلمة منه بقيت في منطقة اللاوعي من دماغه كمكبوتات قد تنفجر يوما ما.
في الصحراء، تنكشف هشاشة الإنسان أمام الطبيعة، وأمام ذاته.
لا جبال تحجب الشمس، ولا شجر يغطي الطريق، فقط أنت، والرمل، والريح، والسماء.
كل شيء بسيط حتى القسوة، وكل شيء عارٍ من الزخرفة.
وهنا فقط، يبدأ الإنسان في فهم معنى التحرّر من الزيف، والرجوع إلى الجوهر.
في الإجابة عن سؤال: "ماذا أقرأ؟"
تكرار السؤال حول "قائمة الكتب المقترحة" يكشف عن رغبة صادقة في المعرفة، لكنه يكشف أيضاً عن حاجة لامتلاك "معايير الاختيار" قبل امتلاك الكتب ذاتها. إن القراءة ليست مجرد استهلاك للمحتوى، بل هي عملية بناء لشخصية القارئ وعقله.
هناك ثلاث عتبات أساسية يمكن أن تُبنى عليها خياراتنا القرائية:
أولاً: التوازن بين "الميل" و"الاحتياج":
كثيرون يقرأون فيما يحبون فقط (الميل)، وهذا يمتعهم لكنه لا يطورهم. القراءة المثمرة هي التي توازن بين ما تهواه النفس، وبين ما يحتاجه العقل لسد ثغرة معرفية أو معالجة نقص مهاري. إذا كان الشخص عاطفياً بطبعه، فلعل القراءة في "المنطق" و"التحليل" هي التي تعيد التوازن لنظرته.
ثانياً: قاعدة "الأمهات والجذور":
في كل تخصص (فكر، تربية، اقتصاد)، هناك "كتب جذور" أسست لهذا العلم، و"كتب فروع" تكرر ما قيل بأسلوب أبسط. البدء بالجذور يمنح القارئ مناعة فكرية وقدرة على نقد الفروع لاحقاً.
ثالثاً: تنويع "الحقول":
العقل الذي لا يقرأ إلا في تخصص واحد يشبه الغرفة التي لا تفتح إلا نافذة واحدة. القراءة النافعة هي التي تجمع بين (العمق) في التخصص، و(الاتساع) في الثقافة العامة؛ فالرواية الجيدة تمنح الخيال، والكتاب الفكري يمنح الانضباط، والبحث التاريخي يمنح العبرة.
الخلاصة:
الكتاب الأنسب لك الآن ليس هو الأكثر مبيعاً، ولا الأكثر ضجيجاً، بل هو الكتاب الذي يجيب على تساؤلٍ يلحُّ على عقلك، أو يضيء منطقة معتمة في فهمك للواقع.
السؤال هنا ليس "ماذا أقرأ؟" بل "ما الذي ينقص وعيي الآن لأبحث عنه بين الدفتين؟"
لعل في هذه المعايير ما يختصر الطريق على الباحثين عن "بوصلة قراءة" واضحة؛ ومشاركة هذه الأفكار مع المهتمين بجدوى القراءة قد تكون خطوة في بناء مجتمع قارئ يدرك ماذا يختار، ولماذا يقرأ.
د. عبد الكريم بكار