مدرسةُ الانتظار
ليس كلُّ تأخيرٍ حرمانًا، ولا كلُّ انتظارٍ عقوبة؛ فكم من أمنيةٍ أبطأها الله حتى يكتمل صاحبُها قبل أن تكتمل هي.
إنَّ الأشياءَ العظيمة لا تأتي دائمًا حين نطلبها، بل حين نصير أهلًا لحملها. وما بين الدعاء والإجابة، وما بين الرجاء والبلوغ، تُخاضُ معاركُ خفيَّةٌ لا يراها أحد؛ معاركُ تُقتلع فيها جذورُ اليأس من القلب، وتُروَّض فيها النفس على احتمال الفراغ، لتجعلك صلدًا منيعًا، جلدًا على النوائب، عصيَّ الانكسار، حتى يغدو الصبرُ خُلُقًا لا تكلُّفًا، وطبعًا لا تظاهرًا.
وربما تبلغُ غايتك بعد زمنٍ ظننته طويلًا، فإذا بك تكتشف أن أعظم ما ربحتَه لم يكن الغاية ذاتها، بل الإنسان الذي صرتَه في طريق الوصول إليها. فقد سقط عن روحك استعجالُ البدايات، واشتدَّ عودُ قلبك حتى ألفَ مشقةَ الانتظار، فلم يعد يهتزُّ لكلِّ ريح، ولا ينكسر عند كلِّ تأخير.
إنَّ الأيام التي عانيت فيها من الاحتياج بكافَّة معانيه وصوره، والمشاعر التي كَبَتَّها، حسبتَها كابوسًا لا مناصَ منه، فإذا بها تُشيِّد فيك ما لم يكن ليقوم بغيرها؛ تُهذِّب استعجالك، وتُطفئ ضجيج رغباتك، وتُعلِّمك أن القوة لا تُولد من وفرة العطاء، بل من طول الصبر على قلَّة ما في اليد، وأن النفس التي اعتادت احتمال الحرمان، إذا أُعطيت، لم تُفسدها النعمة، وإذا مُنعت، لم تُذلَّها الحاجة.
وحين تضع يدك أخيرًا على ما سعيت إليه، ستبتسم ابتسامةً مختلفة؛ لأنك ستدرك أن أعظم هديةٍ لم تكن الشيءَ الذي نلته، بل الروح التي كوَّنتها الرحلة. عندها ستفرح بنفسك أكثر مما تفرح بمبتغاك، وستوقن أن التأخير لم يكن يومًا شيئًا سيئًا ولا نِقمةً، بل كان يدًا خفيَّةً تصنع منك إنسانًا أصلب، وأبصر، وأقدر على حفظ النِّعم إذا جاءت.
نصٌّ بعنوان: «مدرسةُ الانتظار»
كتبه: أَحْمَد هِشَام
11 تَمُّوز (يوليو) 2026
23 مشاهدة
