رمية في سبيل الله
يقول يعقوب بن جعفر:
غزونا عمورية مع الخليفة المعتصم، فما رأيت قومًا يحبون محمدًا ﷺ كما رأيت المسلمين في تلك الغزوة.
فلما وصلنا إلى أسوار عمورية، أطَلَّ علينا علجٌ (أي: محارب رومي) من أعلى السور، وقد وضع الصليب على صدره، وتكلم بلسان عربي فصيح، وذكر أهل النبي ﷺ ونسبه بسوء، فامتلأت صدور المسلمين غيظًا، وجعلوا يسبونه ويرمونه بالنشاب، فلا تصله السهام، وهو يضحك ويشتم نبينا ﷺ ويذكر أهله ونسبه بسوء.
وقد كنت رجلًا راميًا، فعلوت تلًّا، وانتزعت سهمًا، وقلت: بسم الله، ورميته، فما وقع سهمي إلا في نحره، فانكبَّ على وجهه من أعلى السور، فتناوله الناس فق.طعوه، وفرح المسلمون، وكبَّروا حتى ملؤوا الأرجاء بالتكبير.
فأرسل إليَّ المعتصم، فقال لي: «ممن أنت؟»
فانتسبتُ له (أي من قريش من بني العباس)، فقال: «الحمد لله الذي جعل ثواب هذه الرمية لرجل من أهل بيتي»، ثم قال لي شيئًا عجبًا، قال: «بعني ثواب الرمية!»
وبذل لي خمسمائة ألف درهم من الفضة.
فقلت: «يا أمير المؤمنين، ما سمعت أعجب من هذا، وهل يُباع الثواب؟!»
قال: «هبه لي، وخذ هذا المال، وإن شئت زدتك.»
فقلت: «لا والله، لا أهب ثواب الرمية، ولكنني أشهد الله أنني وهبتك نصف ثواب الرمية، إن أذن الله لي.»
وطفق الناس يسألونني: «هب لي بعض أجرها... هب لي هذا الثواب، وخذ مني داري وهب لي الثواب.»
فقلت: «هو، إن أذن الله لي، لي ولكم.»
وفرح المعتصم بذلك الثواب أكثر من فرحه بالغزوة كلها، وجعل يقول: «الحمد لله أن لي نصف ثواب رميةٍ من سبَّ رسول الله ﷺ.»
📚المصدر:
- ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (11/82).
3

