عودة تشرين - وحيد جلال الساحلي
يأتي تشرين كشيخٍ يعرف أسرار الفصول، يحمل في جيبه رائحة المطر، وعلى كتفيه تعبُ عامٍ كامل.
تتساقط الأوراق من الأشجار واحدةً تلو الأخرى، لا كأنها تموت، بل كأنها تتعلّم كيف تترك ما لم يعد يشبهها.
في تشرين، يصبح للحنين صوتٌ أوضح؛ نسمع وقعَ الغائبين في الممرات، ونستعيد وجوهًا خبّأناها طويلًا في زوايا الذاكرة.
هو شهرٌ يشبه القلب حين يهدأ بعد عاصفة؛ لا يعود كما كان، لكنه يصبح أكثر فهمًا لما خسره، وأكثر امتنانًا لما بقي.
يا تشرين، كم تشبهنا…
تأتي محمّلًا بالرحيل، وتعلّمنا أن بعض الأشياء لا تُحفظ إلا بتركها، وأن سقوط ورقةٍ واحدة قد يكون أول الطريق إلى ربيعٍ لم نكن نراه.
وفي آخر المساء، حين يطرق المطر نافذتي، أفهم أخيرًا أن الخريف ليس فصل السقوط…
بل فصلُ التخفّف.
فكل ما يسقط منّا، قد يكون هو بالضبط ما كان يمنعنا من التحليق.

46 مشاهدة