الى قديستي
السلامُ لقلبكِ ولروحكِ السابحة في مدى هذا الوجود...
السماء هذه الليلة تمطر بغزارةٍ ، تبدو كئيبة وكأنها تُمارس طقسا جنائزيا لشيءمجهول، بدت لي وكأنها مرآة تُعكس بكاء العالَم المحتجب. أهرب الى عزلتي المعتادة ، أتأمل هذا الهطول المتواصل وسط نسماتِ الهواء البارد، محدقا في الدخان المتصاعد من سجارتي، والدفءَ المتلاشي في كوبِ قهوتي. لا أبالي لضجيج الخارج؛ فلا شيءَ يثير انتباهي سوى هذا الصمت الصاخب لبكاء السماء، منتظرًا إشارةً ما، إشراقةً تباغتني بها رسالتكِ أو صوتكِ ليشق حجب العزلة... لكنني لا أجدُ سوى الصمت؛ صمت رهيب يحتل المكان يلتف حول الوجود. ليس مجرد غيابٍ للصوت، بل هو صمتُ المكانِ في حيرته، صمت أهل الديارِ أُهجرت روحُها، والأدهى من ذلك كله: صمتُ الضميرِ الإنسانيّ المعاصر وهو يرقبُ مآسي العالَم بلامبالاةٍ باردة. إن هذا الصمتَ، يا قديستي، ليس سكونًا بريئًا، بل هو كاتمُ صوتٍ يُجهز على المعنى ويلغي صرخة الضحية.
ألم تدركي بعدُ أنَّ أخطر النساء هنَّ أولئك اللواتي يمتلكنَ سرَّ الكلمة؟ اللواتي يغصنَ في فكر الثورة والتمرّد، فلا يكتفينَ بوجودٍ هامشيٍّ بل يُعدنَ تشكيلَ الواقعِ بأفكارهنّ؟ وأنتِ، بوجودكِ المتمرد هذا، تجسدين تلك الماهية الثائرة.
الآن، إذ يستتبُّ الهدوء على المكانِ والزمانِ كأنما تُرفعُ أستارُ المسرح بعد العرض، ألوذُ إلى سريري. في عتمةِ الغرفة، أرقبُ جدرانًا صامتة، بينما يتطايرُ دخانُ السجائرِ متخذًا أشكالًا من التساؤلاتِ الفلسفية التي تتصارعُ في ذهني: أين أنتِ الآن من هذا الفراغ الوجودي؟ بمَ يشتغلُ تفكيركِ في هذه اللحظة؟ وكيف أكلَ النهارُ جزءًا من كيانكِ؟
تساؤلاتٌ تدفعني للبحثِ عن العبور؛ متى أُعدُّ حقيبة السفر لأرحلَ من سجنِ هذه الجغرافيا إلى المدى الذي تتنفسين فيه؟ هل أتحولُ عبر هذا الألم إلى كاتبٍ يُخلّد اسمكِ في سفْر الخلود؟ وهل تكونين أنتِ البطلة والغاية لقصةٍ لا تنتهي، ورفيقة القلم الأبدية في رحلة البحثِ عن المعنى؟»....



