القربان
#القربان
#عبدالمعز_صفوت
القُربان
استمع إلىَّ أيها الهالكُ المُدَّعى للحكمة.. ستنالُ المعرفة ولكن ستدفع ثمنها.. لا شئَ بلاثمن .. سأحكى لك مالم أحكِهِ لأحدٍ من قبل.. لا تحاول أن تتخلصَ من قيودك فلن تستطيع ..لا تصرخ فلن يسمعك أحد.. لقد أصدرت حكمى وستموت الآن .. أنتَ القربانُ الأخير ..وقبل أن تموت سأعطيك ثمن حياتك .. المعرفة التى لم تُتَح لبشرىّ قبلك ..حقًا لم أكن أفهم ماذا يحدث لى منذ وُلدت..
هل تذكر يوم تُوفيت أمى بعدما ولدتنى بيومٍ واحد ؟
سمعت همهماتكم تقول إنها قُتلت، حين وجدتَ آثار الخدوش الدامية فى رقبتها وكأنَّ هرةً قضمت عنقها ..ونسيت أنَّنا لانملك قططًا فى المنزل، كلُّ الحيوانات تهرب من بيتنا.. لم تفكر أيها الهالك أن تفحص أسنانى التى نبتت منذ يومى الأول، ولو فعلت لاقتربت من الحقيقة.. لرأيتَ قطراتِ دمها فى فمى.. لأنقذت نفسك من مصيرك الأسود، كيف تجاهلت مايحيطنى من غموض؟ كيف لم تلحظ أننى كنت أخبرك أين تجد مالَك المفقود؟ كيف لم تلحظ أننى فى المدرسة كنت أكمل حديث المعلمين قبل أن يقولوه وأخبر التلاميذ أين دسوا أشياءهم؟
كيف لم تلحظ أننى بلا أصدقاء وأنَّ كلّ الأطفال يخافوننى ولايلعبون معى؟
كيف لم تلحظ أنَّنى لم أسجد مطلقًا؟
وحيدًا كنت لأنَّ كلَّ مايحيط بى مخيفٌ .. مقبِضٌ .. ملعون ..
ألا تذكُر حين نهرنى أحد المعلمين فحدجته بنظرةٍ غاضبةٍ أشعلت النار فى ملابسه فمات حرقًا ؟
من يومها والجميع يهابنى، أنت نفسك كنت تخشانى.. لا تتأخر عن طلبٍ لى خوفًا من غضبى ..سمعت همساتهم معك عنِّى، تقولون إنَّنى ممسوس..كم كنتم حمقى! ..
لم أكن أعلم حينها معنى قولكم.. فقط كنت أسمع الصوت يُدوِّى فى رأسي
" الوعدُ اقترب.. دماءُ اللعنةِ إرثُ الأجيال .. وابنُ الشرِّ يحكم الظلام.. تَذكَّر..
ولم أعرف ما الذى أتذكّره؟
كنت أراه عندما أدخل الحمام فينطفئُ النور فجأة .. أشعر بجسدى ينتفض .. وعلى ضوءٍ خافتٍ مجهولٍ يتجسد أمامى ظلًا عملاقًا ثم تتضح ملامحه.. رأس التيس الضخم .. جلده الأسود المحترق المكسو بشعيراتٍ بيضاء.. أحاول الهرب وأصرخ فزعًا، أبحث عن الباب فلا أجده، يحاصرنى فى ركن الحمّام الضيق.. يحتضننى بقوةٍ بين صرخاتى المذعورة.. تلفحنى أنفاسه النابعة من الجحيم.. أفقد وعيى رعبًا وأفيق لأجده أمامى ..
"الوعدُ اقترب ..دماءُ اللعنة إرثُ الأجيال..وابنُ الشرِّ يحكم الظلام.. تَذكَّر .."
وزادت حَيرتى .. وذات يومٍ حلمت بالتيسِ الأسود يأمرنى بقتل أخى النائم بجانبى.. ارتعبت للفكرة إلا أنَّ رعبى منه كان أشد ..
" يجبُ أن تحقِّق الوعد ..لامهربَ لك"
أتأمل الجسد النائم فى ضوءِ القمر المتسلل من النافذة..اقترب .. يفتح عينه ليجدنى جاثمًا فوقه.. الصوت يتردَّد فى رأسي عميقًا
"دماءُ اللعنةِ إرثُ الأجيال"
لم يكن أخى ليتخيلَ أن أفعلَ به ما فعلت .. العجيب أنَّى لم أندم ..لم تسمع صرخاته لأنِّى بدأت بالعنق ..
هل تذكرُ حينما استيقظتَ فى الصباح التالى فوجدتنى ممسكًا بعظمة ذراعه ألعقها بينما تمزقت أشلاءه مع دماءه تغطى الملاءة؟
حينها سقطتَ مغشيًا عليك من هول المشهد.. ابنك الصغير ممزقًا بأسنان أخيه.. كان ينبغى عليك أن تدرك أن اللعنة تطلّ برأسها من كلِّ زاوية فى بيتك .. ومن يومها وبيتنا يرتاده الغرباء.. كلٌّ منهم يدَّعى المعرفة والحكمة .. يحرقون البخور لكى يطردون الأرواح الخبيثة! .. كنت أسخر منهم .. يتمتمون فيشتعل جلدى وأغضب وأحرقهم.. لم أترك معالجًا لم أحرقه ..
هل تذكُر حين سبَّنى أحد الجيران ..تشقق جلدى واسوَدَّ لونه.. ونبتتِ الأشواك البيضاء تحته؟
فزعت ولم أفهم ما يحدث لى .. هرب كلُّ الناس إلى منازلهم خوفًا، و لم يكف الشيوخ عن زيارة منزلنا وكنت أحرقهم جميعًا -كلُّ هذا وأنت لم تفهم! - حتى خشى الآخرون مجرد العبور أمام البيت .. وأخيرًا جاءنى التيس الأسود لينقذنى من حَيرتى ويكشف لى السرَّ :
" إنَّ دماءَ اللعنةِ إرثُ الأجيال .. الوعدُ اقترب .. وابنُ الشرِّ يحكم الظلام.. تَذكَّر..
- ما الذى أتذكره؟
"تذكَّر من تكون يا آخر سلالة (بافوميت) .. أنت منِّى.. زرعتكَ فى بطنِ الفانيةِ لكى تصيبَ البشرَ لعنةُ الدهور .. لقد أتممت عامكَ الرابعَ عشَر واكتملت دورة الشمسِ السابعةِ مرتين .. فلتحققِ الوعد .. عُد إلى أبيك لتعتلى عرشَ (لوسيفر) .. اكتملتِ اللعنةُ يا ابن الظلام.."
-وكيف أحققُ الوعد ؟
يقترب رأس التيس منِّى فتلفحنى حرارة أنفاسه وتلمع عينه البيضاء فى الظلام ...
"لابدَّ أن تمتزج فيك ثلاثُ دماءٍ بعضُها من بعض .. بدمِ البائدةِ وزوجها وابنهما تحققُ الوعد ..اللعنةُ إرثُ الأجيال .. وابنُ الشرِّ يعود للشرِّ "..
اليوم أقول لك السرَّ الذى حيَّر الجميع وحيَّرك وأنا أثق أنَّك لن تخبر أحدًا ..لأنك ستموت الآن ..إنَّك كنت تبحث عمن يعالجنى ..تظنُّ أنَّنى ممسوسٌ، لا يا أيها الفانى المُدَّعى للعلم، .. لقد أخطأت .. أخطأت الخطأ الأخير .. الخطأ الذى ستدفع ثمنه حياتك..ستموت أبشع موتةً يا ابن الهالكين .. لم يمسسنى الشيطانُ فأنا الشيطانُ .. أنا زرعُ الشرِّ بأرضِ الخطيئة.. أنا بحر الدماء وعواصف اللهب، أرى عينيك تجحظ فى رعبٍ غير مصدِّق ..
هل تريد دليلًا؟
سأمنحك إياه ..لا تغتر بوجه الطفل ذى الأربعة عشر عامًا.. سأريك وجهى الذى لم يره أحد .. وجهى الذى عرفته بعدما منحنى أبى سرَّه وحرَّر اللعنة..
هل ترى كيف تتمدد قامتى لتصبح عملاقة ذات أمتار أربعة؟
هل ترى رأسي البشرى وهو يتقشَّر عن رأس التيس الأسود وقرنيه ؟
هل ترى كيف تمزقت أقدامى لتُخرج الحوافر؟
أخيرًا أشعر بالحرية .. أخيرًا سيتحقق الوعد ويعود ابن الظلامِ لمملكة أبيه.. إنَّ دماء اللعنة إرثُ الأجيال .. لقد قتلت البائدة وشربت دمها .. الفانية التى حملتنى فى بطنها دون أن تعلم أنَّها تحمل بذرة( بافوميت) مهلك الأمم .. ومزقت ابنها وشربت دمَه.. لم يبق إلا دمُ زوجها .. دم الأحمق الذى يظنُّنى ابنه .. لاتصرخ فلن يسمعك أحد.. أو اصرخ لأنَّ صراخك يسعدنى بينما أسلخ جلد وجهك حيًا قبل أن أذبحك قربانًا لأبى وأمتص دماءك
"لابد أن تمتزج فيك ثلاث دماءٍ بعضها من بعض .. إنَّ اللعنة إرثُ الأجيال"
لقد تحقق الوعد يا أبى..المجد لعزازيل.. المجد لسيِّد الظلامِ ونبىِّ الآثمين..
تعال يا أبى لتشهد ذبح هذا الترابىِّ إيذانًا باكتمال اللعنة بتتويج ابنك.. استمع لصرخات رعبه وألمه .. فهو لم يمُت بعد..
-لقد رأيت أيها الفانى و ستدفع ثمن رؤيتك.. عرفت وستسدد ثمن المعرفة.. لا يوجد شئٌ بلا ثمن .. ستموت .. لا أحد يرى ابن لوسيفر .. ويبقى حيًا
11