فتحت نهلة نصف عينيها قبل الفجرعلى صوت دقات لا تعرف مصدرها، ومواء حاد مزعج من وراء شرفة الغرفة التى تنام بها والتى تطل على سطوح عمارة مجاورة أقل ارتفاعًا مما جعلها - السطوح- مأوى للقطط، تنهدت نهلة في تلك المرحلة التي تتوسط النوم واليقظة .. منطقة الشفق، ثم جعلت تمضغ طعامًا لاتدرى مصدره ولكنه طعام لذيذ كالذى نأكله جميعًا في أحلامنا، عادت للنوم مرة أخرى ودخلت غرفتها المفضلة غرفة الأحلام ..
كانت تريد استكمال حلم جميل قطعته تلك الصيحات التى أيقظتها، ولكنها لما عادت لم تجد نفس الحلم للأسف بل وجدت حلمًا آخرمختلف .. غضبت غضبًا شديدًا ولعنت كل القطط، لن تستطيع أن تكمل الحلم وضاعت منها نهايته..ترى كيف كانت نهايته ؟
لابد أنها مثيرة وممتعة ..ربما نهاية تقليدية, ولما لم تجد إجابة تنهدت فى ضيق وأخذت تبحث حتى وجدت حلمًا آخر لم يبد لها مألوفا، ربما كان حلمًا مملًا.. ولكن لابأس لن تخسر شيئًا من التجربة، سرعان ما انسجمت فى الحلم الجديد وتركته يأخذها بعيدًا فى عالم من اللون الأزرق الهادئ الذى تعشقه .. كانت ترتدى فستانًا أبيض مثل (أليس) وتسير في جزيرة منعزلة هناك فى الركن الآخرمن العالم، لاتوجد بها أي منازل، فقط أشجار جوز الهند ونخيل كثير، وأشجار أخرى مثمرة بفاكهة لاتعرف اسمها ولكنها لذيذة جدًا، ولم يكن بالجزيرة أي أحد سواها بخلاف بعض الطيور الزرقاء التى تحلق من بعيد .. وطيور أخرى مختلفة الأحجام -لاتذكر أنها رأت أيَّا منها قبل ذلك- تغرد بصوتٍ جميل والبحر يمتد أمامها واسعًا حتى يعانق الأفق فى أنشودةٍ سحرية للون الجمال .. لون السحر والحب .. لون الخيال .. اللون الأزرق
.. ذابت نهلة فى روعة المشهد ثم فجأت اجتاحتها وحشة مقبضة فنظرت حولها بقلق وخوف ..لايوجد أحد.. لاترى أحدًا.. وبينما تتجول فى أنحاء الجزيرة بين أشجارها الملتفة الغزيرة الشبيهة بغابةٍ صغيرة .. تتلفت يمينًا ويسارًا وتبحث أمامها وخلفها لعلها ترى أحدًا ..أى أحد.. وفجأة رأته .. وجدته هناك نازلًا من إحدى الأشجار.. لم تكن تعرفه ولا تعتقد أنها رأته من قبل، ولكنها جرت نحوه كأنما تحبُّه منذ أن ولدت، تأملت قوامه الفارع وذراعيه المفتولتين وصدره الفسيح.. أبحرت بسفائن الشغف فى محيط عينيه العسليتين الواسعتين بامتداد العالم .. ثم وجدت نفسها بين أحضانه الدافئة.. ودون كلمةٍ منه قالت بكل انفعالها وهى تحتضن وجهه بين كفيها :
- أحبك
زاد البريق فى عينيه وخرج دافئًا مع موجة عذبة من صوته الحنون وهو يهمس فى أذنها :
- أعشقك
نسيت كل مخاوفها ووحدتها وهى تريح رأسها فوق كتفه.. نسيت همومها .. نسيت الجزيرة وجمالها وأشجارها.. نسيت حتى اللون الأزرق، وسبحت فى فيض الإحساس الوردى الناعم .. حلقت روحها بنشوة فى أفق الحنان، رقصت على أنغام همس أشواقه الحنون الذى أسرها فنسيت الكون كله ولم تسمع سواه، أصبح العالم كلّه أنشودة من الحب ..كل الكائنات تعزف سيمفونية موسيقية انسجمت معها وراحت ترقص .. تحتضن كفيه وترقص .. فجأة..اقتحم اللحن نغمة منفرة غريبة الوقع .. صوت منخفض يتعالى بتكرار مستفز .. صوت لعين حاد كأنه شيطان خرج من أعماق جهنم ليطردها من جنة الحب, يتعالى الصوت رويدًا رويدًا حتى بدأت تنسحب من حولها الموجودات ويختفى حبيبها المجهول, يتبخر ماء البحر لتحل محله سجادة زرقاء على أرضية الغرفة … وتستيقظ من النوم
بكل ضيق زفرت ومدت يدها للتليفون لتغلق المنبه, لم تكن تريد أن تستيقظ من هذا الحلم الجميل.. حتى الأحلام لا تكتمل و كل هذا بسبب المنبه اللعين ! كادت تغلقه وتعود لتلحق بطائرة أحلامها قبل أن تقلع، ولكنها تذكرت أنها يجب أن تنهض بسرعةٍ كى لايفوتها القطار.. حتى تستطيع الوصول مبكرًا إلى محطة الإسكندرية، ثم إلى مكتبتها العامة حيث تعمل, اعتدلت فى ضيقٍ واندفعت خارج الغرفة فى غضب، فقط لتصطدم أصبع قدمها الصغير فى الباب فتلتهب ألمًا, كادت تنفجر من الغيظ وهى تشعر أنها مظلومة ..كم قاسيةٌ هى الحياة.. ارتدت ملابسها فى عجلة وألقت نظرة سريعة على وجهها المنتفخ من أثر ليلتها المرهقة ونومها المضطرب ..حدقت فى المرآة وتحسرت.. إنها جميلة..تعرف أنها جميلة .. تشعر أنها جميلة .. قالوا عنها إنها جميلة ..تملك عينين بنيتين رائعتين، وبشرة خمرية صافية، وفم صغير شفتاه مضمومتان فى حلاوة، وشعر ناعم كستنائي اللون تحسدها عليه الفتيات .. فلماذا إذن؟ لماذا لايلتفت إليها أحد.. لماذا؟
هبطت من المنزل جريًا وهى تكمل ارتداء فردة حذائها على السلم حتى كادت تقع على وجهها, ألقت بنفسها لاهثة الأنفاس فى أول أوتوبيس في اتجاه محطة القطار ثم وجدت نفسها داخل القطار تجلس على أحد المقاعد يواجهها فى العربة المقابلة مفتوحة الباب وجهٌ تعرفه جيدًا ..وجه يحمل صاحبه عينين عسليتين وقوامًا فارعًا وذراعين قويتين كانتا تحيطان بها منذ ساعة فى جزيرة فى عرض البحر !
إنه هو ..هو الذى رأته فى حلمها, تبسمت له فابتسم ..كادت تنهض لتذهب إليه ولكنها أحجمت وتسمرت مكانها.. إنه دوره.. لقد فتحت له الباب ويجب عليه أن ياتى ليطرقه.. يجب أن يأتي إليها بقدميه .. بحبه وحنانه, يجب أن يحتويها فيزيل خوفها من العالم, تبسمت مرة أخرى وهى تحدق فى كتفه .. تتذكر إنها كانت تضع رأسها على هذا الكتف منذ قليل !..
جاوب بسمتها ببسمةٍ أكبر واستمر سيل البسمات المتبادل بينهما, لم يقطعه سوى صوت محصل التذاكر :
- التذاكر ياحضرات
وقف المحصل يعترض مجال رؤيته فمال برأسه يمينًا ثم رفع يده ليحييها خفية، ارتبكت لجرأته ولم تدر ماذا تفعل؟.. بينما ما زال يشير لها بيده بإصرار .. لقد ترك مرحلة الخفاء وأخذ يلوح لها بامتداد ذراعه أمام الناس ! ..
" يالك من مجنون.. هل تظنُّ أنَّنى لا أراك؟.. كف أيها الأحمق قبل أن نفتضح !.."
إلا أنه لم يتوقف.. وأمام إصراره اضطُرت أن ترفع إصبعًا واحدًا خجِلًا، وما كادت تفعل حتى فاجأها بما كانت تنتظره، نهض من مكانه وجاء ناحيتها فارتبكت ..فرحت.. وانتفضت خجلًا من اللحظة القادمة .. زاد خفقان قلبها حين اقترب وخفضت رأسها للأرض يكاد يغشي عليها، ولما صار بإزائها تمامًا سمعت همس الصوت الحنون الذى داعب أذنيها في حلمها، وأفاض على قلبها سيلا من السعادة , صوت طاف بروحها عوالم الحب في مملكته الزرقاء التي حفظت كل ركنٍ فيها ..هو الآن يحدثها بنفس النبرات ..يعدها بنفس الحنان، يقول في شوقٍ حبيب :
- صباح الخير
وانطلقت الرصاصة من خلفها فانفجرت فى أذنيها حتى كاد يصيبها الصمم :
- صباح الخير
وجلس ..
فى المقعد التالى لها جلس...
خلفها جلس ...
مع واحدة أخرى جلس !
إذن فهو لم يكن يقصدها ببسماته وإشارته، لم يأتِ من أجلها بل من أجل أخرى تجلس خلفها تمامًا، لم يقل صباح الخير لها ..صوته الحنون لم يكن من أجلها, أرادت أن تلقى نفسها من القطارفقد كرهت القطار وكرهته وكرهت نفسها, لماذا يحدث لها هذا دائما.. لماذا .. ؟ كل شئ جميل ينتهى ..لايكتمل..
إنها جميلة..تعرف أنها جميلة .. تشعر أنها جميلة ..قالوا عنها إنها جميلة ..تملك عينين بنيتين رائعتين ، وبشرة خمرية صافية ، وفم صغير شفتاه مضمومتان فى حلاوة، وشعر ناعم كستنائي اللون تحسدها عليه الفتيات فلماذا إذن؟ لماذا لايلتفت إليها أحد.. لماذا ..لماذا ؟
ورنَّ المُنبه مرة أخرى..
#الحب_المستحيل#مجموعة_قصصية_أنوثة#عبدالمعز_صفوت
#القربان#عبدالمعز_صفوت
القُربان
استمع إلىَّ أيها الهالكُ المُدَّعى للحكمة.. ستنالُ المعرفة ولكن ستدفع ثمنها.. لا شئَ بلاثمن .. سأحكى لك مالم أحكِهِ لأحدٍ من قبل.. لا تحاول أن تتخلصَ من قيودك فلن تستطيع ..لا تصرخ فلن يسمعك أحد.. لقد أصدرت حكمى وستموت الآن .. أنتَ القربانُ الأخير ..وقبل أن تموت سأعطيك ثمن حياتك .. المعرفة التى لم تُتَح لبشرىّ قبلك ..حقًا لم أكن أفهم ماذا يحدث لى منذ وُلدت..
هل تذكر يوم تُوفيت أمى بعدما ولدتنى بيومٍ واحد ؟
سمعت همهماتكم تقول إنها قُتلت، حين وجدتَ آثار الخدوش الدامية فى رقبتها وكأنَّ هرةً قضمت عنقها ..ونسيت أنَّنا لانملك قططًا فى المنزل، كلُّ الحيوانات تهرب من بيتنا.. لم تفكر أيها الهالك أن تفحص أسنانى التى نبتت منذ يومى الأول، ولو فعلت لاقتربت من الحقيقة.. لرأيتَ قطراتِ دمها فى فمى.. لأنقذت نفسك من مصيرك الأسود، كيف تجاهلت مايحيطنى من غموض؟ كيف لم تلحظ أننى كنت أخبرك أين تجد مالَك المفقود؟ كيف لم تلحظ أننى فى المدرسة كنت أكمل حديث المعلمين قبل أن يقولوه وأخبر التلاميذ أين دسوا أشياءهم؟
كيف لم تلحظ أننى بلا أصدقاء وأنَّ كلّ الأطفال يخافوننى ولايلعبون معى؟
كيف لم تلحظ أنَّنى لم أسجد مطلقًا؟
وحيدًا كنت لأنَّ كلَّ مايحيط بى مخيفٌ .. مقبِضٌ .. ملعون ..
ألا تذكُر حين نهرنى أحد المعلمين فحدجته بنظرةٍ غاضبةٍ أشعلت النار فى ملابسه فمات حرقًا ؟
من يومها والجميع يهابنى، أنت نفسك كنت تخشانى.. لا تتأخر عن طلبٍ لى خوفًا من غضبى ..سمعت همساتهم معك عنِّى، تقولون إنَّنى ممسوس..كم كنتم حمقى! ..
لم أكن أعلم حينها معنى قولكم.. فقط كنت أسمع الصوت يُدوِّى فى رأسي
" الوعدُ اقترب.. دماءُ اللعنةِ إرثُ الأجيال .. وابنُ الشرِّ يحكم الظلام.. تَذكَّر..
ولم أعرف ما الذى أتذكّره؟
كنت أراه عندما أدخل الحمام فينطفئُ النور فجأة .. أشعر بجسدى ينتفض .. وعلى ضوءٍ خافتٍ مجهولٍ يتجسد أمامى ظلًا عملاقًا ثم تتضح ملامحه.. رأس التيس الضخم .. جلده الأسود المحترق المكسو بشعيراتٍ بيضاء.. أحاول الهرب وأصرخ فزعًا، أبحث عن الباب فلا أجده، يحاصرنى فى ركن الحمّام الضيق.. يحتضننى بقوةٍ بين صرخاتى المذعورة.. تلفحنى أنفاسه النابعة من الجحيم.. أفقد وعيى رعبًا وأفيق لأجده أمامى ..
"الوعدُ اقترب ..دماءُ اللعنة إرثُ الأجيال..وابنُ الشرِّ يحكم الظلام.. تَذكَّر .."
وزادت حَيرتى .. وذات يومٍ حلمت بالتيسِ الأسود يأمرنى بقتل أخى النائم بجانبى.. ارتعبت للفكرة إلا أنَّ رعبى منه كان أشد ..
" يجبُ أن تحقِّق الوعد ..لامهربَ لك"
أتأمل الجسد النائم فى ضوءِ القمر المتسلل من النافذة..اقترب .. يفتح عينه ليجدنى جاثمًا فوقه.. الصوت يتردَّد فى رأسي عميقًا
"دماءُ اللعنةِ إرثُ الأجيال"
لم يكن أخى ليتخيلَ أن أفعلَ به ما فعلت .. العجيب أنَّى لم أندم ..لم تسمع صرخاته لأنِّى بدأت بالعنق ..
هل تذكرُ حينما استيقظتَ فى الصباح التالى فوجدتنى ممسكًا بعظمة ذراعه ألعقها بينما تمزقت أشلاءه مع دماءه تغطى الملاءة؟
حينها سقطتَ مغشيًا عليك من هول المشهد.. ابنك الصغير ممزقًا بأسنان أخيه.. كان ينبغى عليك أن تدرك أن اللعنة تطلّ برأسها من كلِّ زاوية فى بيتك .. ومن يومها وبيتنا يرتاده الغرباء.. كلٌّ منهم يدَّعى المعرفة والحكمة .. يحرقون البخور لكى يطردون الأرواح الخبيثة! .. كنت أسخر منهم .. يتمتمون فيشتعل جلدى وأغضب وأحرقهم.. لم أترك معالجًا لم أحرقه ..
هل تذكُر حين سبَّنى أحد الجيران ..تشقق جلدى واسوَدَّ لونه.. ونبتتِ الأشواك البيضاء تحته؟
فزعت ولم أفهم ما يحدث لى .. هرب كلُّ الناس إلى منازلهم خوفًا، و لم يكف الشيوخ عن زيارة منزلنا وكنت أحرقهم جميعًا -كلُّ هذا وأنت لم تفهم! - حتى خشى الآخرون مجرد العبور أمام البيت .. وأخيرًا جاءنى التيس الأسود لينقذنى من حَيرتى ويكشف لى السرَّ :
" إنَّ دماءَ اللعنةِ إرثُ الأجيال .. الوعدُ اقترب .. وابنُ الشرِّ يحكم الظلام.. تَذكَّر..
- ما الذى أتذكره؟
"تذكَّر من تكون يا آخر سلالة (بافوميت) .. أنت منِّى.. زرعتكَ فى بطنِ الفانيةِ لكى تصيبَ البشرَ لعنةُ الدهور .. لقد أتممت عامكَ الرابعَ عشَر واكتملت دورة الشمسِ السابعةِ مرتين .. فلتحققِ الوعد .. عُد إلى أبيك لتعتلى عرشَ (لوسيفر) .. اكتملتِ اللعنةُ يا ابن الظلام.."
-وكيف أحققُ الوعد ؟
يقترب رأس التيس منِّى فتلفحنى حرارة أنفاسه وتلمع عينه البيضاء فى الظلام ...
"لابدَّ أن تمتزج فيك ثلاثُ دماءٍ بعضُها من بعض .. بدمِ البائدةِ وزوجها وابنهما تحققُ الوعد ..اللعنةُ إرثُ الأجيال .. وابنُ الشرِّ يعود للشرِّ "..
اليوم أقول لك السرَّ الذى حيَّر الجميع وحيَّرك وأنا أثق أنَّك لن تخبر أحدًا ..لأنك ستموت الآن ..إنَّك كنت تبحث عمن يعالجنى ..تظنُّ أنَّنى ممسوسٌ، لا يا أيها الفانى المُدَّعى للعلم، .. لقد أخطأت .. أخطأت الخطأ الأخير .. الخطأ الذى ستدفع ثمنه حياتك..ستموت أبشع موتةً يا ابن الهالكين .. لم يمسسنى الشيطانُ فأنا الشيطانُ .. أنا زرعُ الشرِّ بأرضِ الخطيئة.. أنا بحر الدماء وعواصف اللهب، أرى عينيك تجحظ فى رعبٍ غير مصدِّق ..
هل تريد دليلًا؟
سأمنحك إياه ..لا تغتر بوجه الطفل ذى الأربعة عشر عامًا.. سأريك وجهى الذى لم يره أحد .. وجهى الذى عرفته بعدما منحنى أبى سرَّه وحرَّر اللعنة..
هل ترى كيف تتمدد قامتى لتصبح عملاقة ذات أمتار أربعة؟
هل ترى رأسي البشرى وهو يتقشَّر عن رأس التيس الأسود وقرنيه ؟
هل ترى كيف تمزقت أقدامى لتُخرج الحوافر؟
أخيرًا أشعر بالحرية .. أخيرًا سيتحقق الوعد ويعود ابن الظلامِ لمملكة أبيه.. إنَّ دماء اللعنة إرثُ الأجيال .. لقد قتلت البائدة وشربت دمها .. الفانية التى حملتنى فى بطنها دون أن تعلم أنَّها تحمل بذرة( بافوميت) مهلك الأمم .. ومزقت ابنها وشربت دمَه.. لم يبق إلا دمُ زوجها .. دم الأحمق الذى يظنُّنى ابنه .. لاتصرخ فلن يسمعك أحد.. أو اصرخ لأنَّ صراخك يسعدنى بينما أسلخ جلد وجهك حيًا قبل أن أذبحك قربانًا لأبى وأمتص دماءك
"لابد أن تمتزج فيك ثلاث دماءٍ بعضها من بعض .. إنَّ اللعنة إرثُ الأجيال"
لقد تحقق الوعد يا أبى..المجد لعزازيل.. المجد لسيِّد الظلامِ ونبىِّ الآثمين..
تعال يا أبى لتشهد ذبح هذا الترابىِّ إيذانًا باكتمال اللعنة بتتويج ابنك.. استمع لصرخات رعبه وألمه .. فهو لم يمُت بعد..
-لقد رأيت أيها الفانى و ستدفع ثمن رؤيتك.. عرفت وستسدد ثمن المعرفة.. لا يوجد شئٌ بلا ثمن .. ستموت .. لا أحد يرى ابن لوسيفر .. ويبقى حيًا
مفاجأة
الضوضاء الحبيبة تخترق ستار النوم، همسات العصافير التى تذكرت فجأة أن شباك غرفة نومه مكانًا مثاليًا لمناقشة مشاكلها الحياتية.. تنهد بعمق وهو يحاول على الضوء الخافت القادم من الشارع أن يتلمس موضع هاتفه الذى لايذكر أين وضعه بالأمس، يقلب يده يمنة ويسرة حتى اصطدمت أخيرًا بالجسم الصلب .. الشاشة الباردة التى تعده أن يظل على اتصال بالعالم.. بوابة الأسرار وكهف المفاجآت ..فتح هاتفه وجرى بلهفة نحو البريد الإليكترونى الذى يربطه بها ، فتحه بشغف عساه يجد منها رسالة تطفئ ظمأ شوقه إليها.. انتظر للحظات ريثما يفتح التطبيق ولكن الأمر طال.. شعر بالملل فترك الهاتف رغمًا عنه ونهض يترنح حتى وصل إلى باب ثلاجته الصغيرة ..تناول بيده زجاجة تكاثفت القطرات على سطحها فأعطتها مظهرًا مغريًا بالشرب ،فتحها وجرع ربعها دفعة واحدة ثم عاد وقد انعشه الماء فأيقظ حواسه ..عاد يفتح تليفونه فوجد البريد الالكترونى استجاب اخيرًا لالتماسه بعد طول عناء.. ليس هذا فحسب ولكنه يخبئ له مفاجأة أيضا العلامة الزرقاء الحبيبة ..دليل الخير القادم من وراء البحار.. علامة السعادة التى تدل على رسالة جديدة لم تقرأ.. رسالة منها ..فتح الرسالة متلهفًا ولكنها لم تفتح ! حاول مرة وثانية ومرات بلا فائدة.. أغلق هاتفه وفتحه عدة مرات بلا جدوى، أغلق الراوتر ثم فتحه بلا أمل ..كاد يمسك بالتليفون فيحطمه فوق الأرضية الصلبة لولا أنه يعرف أهمية الرسالة التى يحويها ،والتفت نحو جهاز الكمبيوتر وقد هداه تفكيره أن يفتح بريده الالكترونى على الكمبيوتر مستغنيًا عن التليفون اللعين .. داعب زر التشغيل بيده فاستيقظت الشاشة السوداء بلون أزرق مرحب يعده بالمعرفة .. لحظات ويفتح الكمبيوتر عالمه الشيق، ولكن اللحظات طالت وامتدت لدقائق والدائرة فى منتصف الشاشة مازالت على هيئتها إلى أن فاض به الكيل فضغط زر التشغيل مرة أخرى بعصبية لتعود الشاشة السوداء.. تنهد بعمق مداعبًا زر التشغيل بلطف وكأنه يعتذر له إلا أن الكمبيوتر رفض اعتذاره ..وانطلقت عدادات الأرقام السريعة على شاشة زرقاء تعلن بكل وضوح عن سقوط النظام (نظام التشغيل)!
اللعنة على هذا الحظ السئ.. عاد لتليفونه ثانية محاولًا كسب وده لعله يستجيب ،ولكنه سمع النغمة التى يكرهها والتى تعلن عن نفاد طاقة البطارية عن آخرها تمهيدًا للإغلاق ..كل أجهزته تتآمر عليه ..لماذا نسي أن يشحن هاتفه؟ أى غباء ! .. بحث حوله عن الشاحن فلم يجده فكر قليلًا لابد أنه نسيه فى مكان ما كعادته، و خرج من الغرفة إلى التى تجاورها ثم قلب كل أركان البيت دون أن يجد الشاحن، حتى أدركه اليأس أن يقرأ رسالتها ..وبينما يبحث عن شاحن التليفون ويفتش تحت المنضدة وكراسيها وجده ممدًا على الأرض يخبئ نصفه تحت سجادة الصالة.. سحبه برفق حتى لاينقطع وأوصله بالكهرباء ثم أوصله بتليفونه آملا فى عودة البطارية للحياة ..وقبل أن تضئ الشاشة ويجرى المؤشر الأخضر لأعلى انقطع التيار ! ..كاد يضرب رأسه فى الحائط غضبًا من كل هذا( النحس ) الذى يلازمه، تنهد بلا أمل ثم خرج للشرفة يتطلع إلى الشارع الذى استيقظ للتو، أين سيجد من يصلح الكمبيوتر الآن؟ كل محال صيانة الأجهزة مغلقة، ولكن.. ربما وجد أحد مقاهى الإنترنت ممن يسهرون الليل كله مازال مفتوحًا، انتعش قليلًا بنسمات الأمل ، وهكذا لبس ماوجده أمامه ونثر على وجهه رشتين من الماء ثم ضرب الفرشاة فى شعره و وضع تليفونه فى جيبه وحافظة النقود فى جيبه الخلفى وهبط السلم فى خمسة قفزات سريعة ليجد نفسه بعدها يصافح الشارع ، يمم يمينًا فيسارًا حتى خرج للشارع العمومى.. لمح مقهى الإنترنت مغلقًا أبوابه فاستمر بالمشى.. لمح واحدًا آخر يستعد للإغلاق فأسرع خطاه لعله يلحق به ..خطوة فخطوتين ..كاد يعدو فى الشارع حتى تدركه والساتر الحديدى لم يعانق الأرض بعد
حكى له حكاية ملفقة عن بريد إليكترونى هام ينتظره من أخته المريضة التى ...الخ وهكذا أقنع صاحب المقهى أن يمهله خمس دقائق.. خمس دقائق فقط ليفتح بريده و يقرأ الرسالة ويرحل.. تنهد الرجل بضيق ثم قال له بلهجة ملول:
تفضل يا أستاذ.. سأذهب للمحل المجاور لأشترى علبة سجائر وأرجو ألا تتأخر
كاد يقبله فرحًا وهو يجلس على أقرب الكراسي له أمام أول جهاز صادفه ويضغط زر التشغيل وينتظر ..ولكن لم يحدث شئ!.. ترى أين الخطأ؟ تلفت حوله فوجد مفتاح الكهرباء فى وضع التشغيل ماذا إذن؟.. وفجأة انتبه ..تذكر أن مقهى الإنترنت فى نفس صف البناية التى يقيم فيها، أى أن الكهرباء مقطوعة هنا كذلك !
نهض مسرعًا عابرًا الطريق.. غير مبال بصياح صاحب المقهى وهو يناديه متعجبًا من انصرافه بهذه الطريقة، التزم هذه المرة بالناحية المقابلة عساه يهرب من مشكلة انقطاع التيار..عساه يهرب من لعنة الحظ السئ الذى يطارده.. وطال به المسير.. وبدأت حرارة الشمس فى التوهج، ورائحة (الطعمية) تضرب أنفه الذى يعذب بطنًا لم تتذوق شيئًا منذ عصر الأمس ولكنه سيحتمل
من أجلها.. من أجل ريم
ما أجمل اسمها ! له مذاق الشيكولاتة ..وهو يعشق الشيكولاتة .. لم يعرف تامر فى سنوات الجامعة الثلاث الماضية فتاة غير ريم ولم ير فى حياته فتاة فى جمالها وذكائها ورقتها .. نشأت بينهما علاقة بسيطة على الإنترنت من خلال تعليق بسيط على منشور يخص أحد الشخصيات العامة، ومن هنا بدأ التعارف.. أخبرته أنها لا تستعمل الفيس بوك كثيرًا وأنها تفضل البريد الاليكترونى ، فتبادلا (الإيميل) وبدأت المحاورات بينهما تتشعب وتنمو.. عرف عنها أنها ريم الحسينى الطالبة بكلية التجارة بأحد جامعات الولايات المتحدة حيث تعيش مع أسرتها هناك ، سافرت لأمريكا منذ عامين لذلك فهى تتابع الأخبار فى مصر وتتابع صديقاتها وأصدقائها بصفة مستمرة ..كانت ريم قمحية اللون عسلية العينين كستنائية الشعر تهتم بالصحافة والإعلام والفن،كم تحدثا سويًا وكم ملأت ساعاته بالبهجة والسعادة، وآنست لياليه الموحشة بدفء حديثها الذى يحتضن وحدته.. رقيقة المشاعر حالمة خيالية.. تداعب بهمساتها الحانية خواطره اليائسة برفق فتتفتح معها زهرات الأمل...
أيقظه من شروده صوت حاد دوى فى أذنه لصرير اطارات سيارة وقفت فى نصف الشارع فجأة ، تلفت حوله باحثًا بعينيه عن (سايبر) مازال مفتوحًا فلم يجد ..قرر ألا يستسلم وهو يعبر الطريق شاحذًا كل انتباهه حتى وصل الناحية المقابلة.. وتوغل فى طريق آخر فرعى ومازال يبحث حتى استطاع الشرود أن يختلس يقظته مرة أخرى
تذكر أول مرة يحدثها فيها على فيس بوك .. وحين ارسلت له إيميلها ،كم شعر بالسعادة لأنه سيجد من يؤنس وحدته ، فالمعروف عن تامر عبدالسلام أنه بلا أصدقاء ..طالب بكلية الفنون الجميلة.. لا تكاد تراه .. فهو قصير القامة أسمر اللون تجد فى عينيه السوداوين الواسعتين شجنًا غريبًا يجعلك تشعرنحوه بالألفة والعطف ..تريد أن تربت على ظهره، فنان يحب الرسم لذا قرر أن يهب حياته من أجله.. يسكن فى شقة فى بمفرده أثناء فترة الدراسة يقضى أيامه بها تتخللها أحيانًا زيارات لأهله بالإسماعيلية ، لم يكن له أصدقاء وإنما كانت أيامه مع الورق والقلم الرصاص والفرشاة والألوان إلى أن أشرقت ريم فى ظلام لياليه، توطدت علاقته بها وأرسلت له على الايميل صورًا لها ..كانت متعته الوحيدة بعد الرسم هى التنزه فى حديقة ذكرياتها ومشاهدة صورها، وبدأ يحاول أن يرسم صورها على غرار ما أرسلته ثم يرسله لها ..فكانت تحب ذلك منه ويسعدها ويسعد هو لسعادتها، حكت له كل شئ عنها وعن عائلتها وأصدقائها ..عرفهم جميعًا دون أن يراهم، وحكى لها كل شئ عن عائلته ولم يحك عن أصدقائه لأنه بلا تصدقاء..
أمس الأول أخبرته أنها سعيدة معه وأنها تحب احاديثه الشيقة فاجابها أنه أسعد أهل الأرض إذ يسمع ذلك منها ، ومن ساعتها وهو يقلب فى الإيميل منتظرًا رسالتها على أحر من الجمر ..هل ستخبره أنها قادمة إلى مصر ويجود الزمان برؤياها؟ ياله من حلم!
أم تراها ستخبره أنها معجبة به؟.. لابد أنها لاحظت أنه لايستطيع أن يخبرها بإعجابه.. ولكنها عرفت.. أحست بمشاعره من حديثه معها.. أحست حبه دون أن يتكلم.. ترى أى مفاجأة تجهز له؟
العجيب أنها لم ترد من ساعتها رغم أنه أرسل لها عشرات الرسائل
أفاق من شروده على صوت حافلة عبرت بجانبه وكاد لفح هوائها يطيح به من فوق الرصيف، فالتفت يسارًا و....أخيرًا وجد مايبحث عنه.. مقهى إنترنت مفتوح.. وبه كهرباء.. يالمحاسن الصدف!.. اخترق الباب بلهفة تعجب لها صاحب المكان وجميع رواده ولكنه لم يبالى بل سأله بلهفة عن جهاز شاغر ليرد الرجل
- للأسف يا أستاذ كل الأجهزة مشغولة
حاول أن يفهمه أن الأمر عاجل حاول أن يتوسل:
-أرجوك أنا لا أريد أكثر من خمس دقائق لأمر بالغ الأهمية
إلا أنه فوجئ به يرد بغلظة:
هل تريد منى أن اطرد احد الموجودين لاجلسك مكانه ..شئ غريب!
كاد يرحل يائسًا بائسًا لولا أن سمع صوتًا صغيرًا رقيقًا يهمس:
-"اتفضل على جهازى ياعمو"
التفت للطفل الجميل ممتنا ثم بسرعة البرق فتح حسابه وانتظر ليتم التحميل، انتظر تمهيدًا لقراءة الرسالة المنتظرة.. الرسالة الحبيبة .. الرسالة التى جعلته يجوب الشوارع ليقرأها ولما فتحها وجد كلمتين :
-أشعر بالملل!
دارت به الدنيا وهو يحدق فى الشاشة البيضاء إلى أن سمع همسة صغيرة بجواره فالتفت يحدق فى ملامح الطفل بذهول مندهش وهو يسأله:
"خلصت ياعمو"
#مفاجأة#أنوثة_وقصص_أخرى#عبدالمعز_صفوت
بخار كوب الشاى يتصاعد امامه فينظر للسطح الاحمرالمسود برضا يحب الشاى هو ويحب اللحظات الممتعة التى يرتشف فيها الشاى فيغسل اعصابه ويعطر فمه برائحته ومذاق حبيبات السكر على لسانه وفى حلقه يزداد شعوره بالرضا فتمتد يده ويرتشف رشفة طويلة لها صوت ممطوط يعقابه تزايد مطرد فى شعوره بالاستمتاع فيصدر صوتا اخر مرتبط بحركة شفتين تلتصقان وتعاودان الانفراج فى ثلاث مرات متعاقبة انها ساعة الظهيرة بعد ان تناول غداءه ثم -وكما جرت العادة- يشرب الشاى فى مكتبته الصغيرة على اسوار الجامعة لم تكن مكتبة كما يوحى اسمها انما هى اقرب لكشك خشبى طوله وعرضه متران بضعة ارفف خشبية تتراص فوقها الكشاكيل والكراسات ودفاتر التحضير للمدرسين ودفاتر المحاضرات للطلاب على رف اخر بضعة روايات للجيب مما يحبه الطلبة ويقبلون عليه ربما بضع صحف ايضا وهنا وهناك تتناثر علب الاقلام والمساطر والالوان وشرائط اللصق وغيرها من مئات الادوات المكتبية فى الركن الة تصوير عتيقة الطراز يجاورها الة تغليف الكارنيهات مكتبة نموذجيةبرغم صغر حجمها تجمع كل مايحتاجه الطلاب والاساتذة ايضا يحرص بتزويدها بكل النواقص حفاظا على مكانته وسط المنافسة الشرسة مع باقى المكتبات المتراصة على سور الجامعة
فرغ من شايه فغسل الكوب بزجاجة من الماء وجدها هناك ثم وضعه ووقف يتثاءب ويتمطى وقد خرج من باب مكتبته ناظرا للشارع الطويل الذى لاتكف الحركة فيه ليلا ولانهارا تراصت فيه اعمدة الانارة ومحال البقالة ومحلات المرطبات وصالون الحلاقة فى نظام جميل يقطعه بالطول رصيف تتناثر به بعض الشجيرات الصغيرة لم تكن هذه الساعة ساعة عمل بالنسبة له غالبا ما ياتى اليه الطلبة من الثامنة صباحا حتى للحادية عشر اوالثانية عشر ظهرا ثم يختفون ليعاودوا الظهور بعد العصر حيث يبلغ ذروة نشاطه قبل ان يلملم اوراقه فى العاشرة مساء لم يكن يعمل بالمكتبة ولكنها كانت ملكه فمنذ تخرج حسام من كلية التجارة ووالده الحاج عثمان الذى يملك مقهى يدر عليه دخلا لاباس به ولكنه ابوه لم يكن يحب ان يربط حياة ابنه وعمله بالمقهى وحياة المقاهى وعلى كل حال فحسام ايضا لم يحب هذه الحياة فدبر له ابوه مبلغا من المال ادخره وانشا به هذه المكتبة على سور الجامعة فاصبح حسام صاحب مشروع يغنيه عن سنوات الضياع فى انتظار الوظيفة على ان نظرته للشارع لم تكن للتامل به فقط انه فى الواقع حركة افواج الطلاب الداخلين من باب الجامعة والخارجين منه بغير نظام وانسبة ثابتة فتارة يزيدون وتارة ينقصون ومرة ينقطع السيل فلاترى احدا واحيانا يتكدسون على الباب ولو ظننت انه يتسلى بالفرجة على الطلاب فانت مخطى انه فى الواقع كان يبحث عنها رغدة تذوق الاسم فى فمه فوجد له طعم الكارميلا كم يحب الكارميلا وكم يحب رغدة مثلما يحب ذاته ان نظرته لذاته فيها كثير من الافتنان هويحب وجهه المستطيل وشعره الاسود الغزير الناعم وعينيه السوداوين يحب هذا الوجه الذى يطالعه من المراة كل يوم ويحب كذلك قامته الطويلة التى يناسبها اى ملابس يشتريها فيشعر بوسامته واناقته وتزداد ثقته بنفسه ،تسالنى عن رغدة ! طالبة فى العام الاول من كلية التجارة نفس تخصصه تاتى الى المكتبة مع بعض صديقاتها لشراء كشكول او قلم او تغليف كارنيه فيستغل الفرصة ويتبادل معهابعض العبارات الصغيرة الضاحكة ويتبادلان البسمات الخاطفة وتذهب وينتظر على امل ان يراها فى يوم اخر وتعددت لقاءاتهما عند المكتبة وخارجها ايضا فى احد النوادى التى كانا يجلسان فيها بالساعات بعد ان يغلق مكتبته يتبادلان فيها احاديث طويلة عن الحب والحياة عن املها واحلامها تساله رغدة وهو يتامل عينيها العسليتين بافتتان هل تحبنى فيجيبها بالطبع فتساله بدلال هل عرفت قبلى احدا هل احببت اخرى فيقسم لها انها الاولى كان يكذب فحسام كان يهوى معرفة الفتيات كماتهوى انت جمع الطوابع فتعلو وجهها بسمة غارقة فى غلالة من دمع لايدرى مصدره وتستاذن منه لتعود لانها متعبة يعرض عليها ان يوصلها فترفض ويعود لمنزله على امل لقاء اخر غدا لكنه لاحظ انها لم تظهر من الامس ولم يكن يعرف رقم تليفونها ولا يعرف صديقاتها فلم يعرف ماذا يفعل غير الانتظار والترقب ومراقبة الطلاب المارين فى الشارع دخولا وخروجا من الجامعة وطال الوقت ولم يجد احدا فدخل مكتبته وجلس يتسلى بقراءة رواية ما لايذكر اسمها ولايهتم باحداثها استغرقه التقليب الشارد حتى سمع الصوت الجميل مساء الخير
لم يكن اذان العصر قد انطلق بعد ولكنه جغرافيا مساء الخير ان هذه المتحدثة تتميز بحس جغرافى رائع رفع عينا متسائلة نحو الفم الذى اصدر هذه الهدية فوجد وجها صغيرا رقيق الملامح عيون سوداء ابنوسية لامعة وفم كانما رسمت ابتسامته فوقه وتم تثبيتهاحتى لاتفارقه ابدا قصيرة القامة تبدو طفلة اعادت النغمة الموسيقية فى تكرار عذب
-مساء الخير
وكانما رفض الرد كى يستمع الى مزيد من النغمات واخيرا وجد لديه القدرة على التحدث بحث عن لسانه فلم يجده فى فمه
-مساء الخير
بابتسامتها الرائعة وتغريدها الاخاذ سالته
-ممكن كشكول محاضرات مائة ورقة
-ناولها ماتريد فسالته عن سعره واعطته اياه وهى تشكره وكادت تنصرف لولا ان انتفض مذعورا وهو يكاد يتشبث بها
-مهلا
-بعينين حائرتين تظرت له تتساءل
فاسالها بلهفة
-انت فى سنة كام
ردت بتلقائية
-اولى
-كلية ايه
-تجارة
-اسمك
-ريم
الله ريم اسم جميل لحن موسيقى صغيرالمقطع قال لنفسه ثم سالها بلهفة
-ستكونين زبونا دائما اليس كذلك
-بالتاكيد
ورحلت ..ورحلت عيناه خلف خطواتها ولم يجد له قدمين كي يجلس بحث عن قلبه فى صدره فلم يجده ايضا توالت زيارات ريم للمكتبة وفى كل مرة يتبادلان الاحاديث الضاحكة ويفترقان على امل لقاء اخر فى الغد ولكنه فى هذه المرة كان ذكيا وتعلم من اخطائه الماضية حصل على رقم هاتفها وتكلما كثيرا تكلما عن كل شى وتوطدت علاقتهما وتقابلا فى اماكن كثيرة يغلق مكتبته ويذهب اليها ولم يعد يذكر عن رغدة شيئا نسيها تماما سالته ريم وهى تضع كوب العصير على الترابيزة ان كان له علاقات سابقة فاجابها بالنفى هل يعرف انثى اخرى فاجابها بالنفى مؤكدا انها اول من طرق قلبه لمح فى عينيها غلالة من دمع لم يعرف لها سببا واستاذتته ان تنصرف لانها تشعر ببعض التعب عرض عليها ان يوصلها فرفضت انصرفت وتركته حائرا انه يشعر ان بها شى ما لايفهمه شى ما تغير لايدرى كنهه ولما وصل منزله طلبها فى التليفون فلم ترد شعر بالقلق هل هى مريضة ام تراها نامت لم يجد جوابا شافيا فوضع راسه على الوسادة ونام ولم تات ريم لموعده فى الصباح ولا بعد الظهر لم تات باقى اليوم ولم تفلح محاولاته للاتصال بها ومرت ثلاثة ايام بدا معها يعود لملله القديم ينظر للشارع لعله يراها فلما يأس من ظهورها عاد ينظر لمجموعات الطلبة ثم لمعت فى راسه فكرة لماذا لايبحث فى الداخل نعم داخل الجامعة نفسها ان حرس الجامعة يعرفه معرفة شخصية منذ ان كان طالبا وهكذا اغلق مكتبته ودخل وتجول بين اروقة الجامعة يتصفح كل الوجوه بحثا عن ريم ..فلما مر اليوم دون ان يجدها بحث فى اليوم الثانى عن رغدة!!
فلم يجدها كذلك ومن ثم عاد الى مكتبته وانكب على الرواية التى يبدو انه لن يكمل قراءتها ابدا حيث سمع مساء الخير مرة اخرى
رفع عينيه للوافدة الجديدة فتعجب ثم استغرب ثم اندهش ثم ذهل سمراء لم ير أجمل منها منذ وعت عيناه على ضوء الشمس يبدو انها من أسوان قال لنفسه وكان حدسه صحيحا اسمها سمرة اسم على مسمى كحيلة العينين ممتلئة قليلا لها خفة روح مميزة لاهل اسوان تنطلق ضحكتها فى وجهه حاملة معها عبق الجنوب عرف منها انها طالبة بالفرقة الاولى بكلية التجارة يالها من مصادفة كل من عرفهن بنفس الكلية ونفس الصف ان الحياة مليئة بالمصادفات العجيبة ..ولقيها مثلما كان يلاقى ريم ورغدة زار معها نفس الاماكن سكب فى اذنيها نفس العبارات سمع معها نفس الاغنيات ولكن لسمرة مذاق مختلف هكذا قال لنفسه انه يحبها حقا ! وفى كل يوم يعود الى منزله سعيدا على وعد بلقاء اخر فى الغد وفى الغد لقاء سعيد فى كافتيريا كان يقابل فيها رغدة ومها وتساله سمرة بحيرة وقلق هل تحبنى حقا فيجيب بشرود اعتاده بل اعشقك تنظر لكوب العصير وتساله هل عرفت احدا قبلى فيقسم لها انها اول انثى فى حياته فتلتمع عيناها بغلالة رقيقة من الدموع لايدرى لها مصدرا عجيب امر هؤلاء الفتيات دائما نفس الاسئلة ودائما عندما يجيبهن يجد نفس الدموع ولايدرى لذلك سببا ..اخرجت منديلا مسحت وجهها ثم طلبت الانصراف لانها متعبة عرض عليها ان يوصلها فرفضت وهكذا عاد لمنزله وطلبها على التليفون فلم ترد لعلها نامت ولم يجد مايفعله فنام ..كان اول عمل له فى الصباح ان طلبها فى التليفون فلما سمع صوتها الضاحك المرح ردت عليه روحه مرة اخرى سالها اين كانت فقالت له بضحكتها الطازجة دائما كنت نايمة حاقبلك النهاردة ردت بعد قليل بنغمتها الضاحكة التى يشوبها بعض التهكم او هكذا خيل له طبعا فى نفس المكان الساعة خمسة العصر او عى تتاخر محضرالك مفاجاة جميلة
لاتوجد مفاجاة اجمل من القائك ياسمرة شعر بنفسه يحلق فى سماء الغرفة ثم يهبط على السرير يريد ان يخترف الافق فيجذب حبال الوقت لتاتى الساعةالخامسة او يصل الى ساعة الزمن فيدير عقرب الساعات للامام فيقفز به ثمانى ساعات حتى ياتى موعدها ولكنه لم يستطع ا رتدى ملابسه بعناية تشاغل بالبيع فى مكتبته حتى جاء الموعد الحبيب وهكذا اغلق مكتبته وذهب للمنزل غير ملابسه وشرب شايا كلما كان سعيدا يشرب شايا تعطر وصفف شعره بعناية ونزل من البيت وركب التاكسي على سبيل الاناقة توقف امام النادى ودخل مختالا نظر ذات اليمين وذات اليسار وفى التفاتته السريعة وجد المفاجاة بل ثلاث مفاجات كانت الصديقات الثلاث سمرة وريم ورغدة على ترابيزة واحدة ينظرن اليه وتتعالى منهن الضحكات الساخرة! وقف مكانه لايدرى اين يذهب وصدى ضحكاتهن كالرعد فى اذنيه حتى سمع عامل الكافيتريا يساله
-تشرب حاجة يا استاذ .؟
#الثلاثة_يحبونه#أنوثة_وقصص_أخرى#عبدالمعز_صفوت
لم تعد الحياة ممكنة فى هذا الكوكب الغريب كل شئ حولى اصبح مليئا بالسام ،الملل تخلل كل ساعات النهار ولا يوجد ما افعله لا يوجد اى شئ كثيرا ما كنت اسال نفسي لماذا أعيش وما قيمة حياتى ان كانت بغير حرية الحرية هى الشى الوحيد الذى يجعل لحياتك معنى ويعطى ليومك أملاجديدا يستلهمه من غده فيصبر على الام اليوم رغبة فى نيل امال الغد الحرية هى الدم الذى يجرى فى عروقى فيهبنى الحياة الحرية هى الحياة وكم حاولت ان اهرب بلا جدوى كانت اسوار حجرة العزل عالية صلبة لا تقبل الكسر ولا املك الادوات لتحطيمها مغلقة من الاعلى والاسفل بلا اى وسيلة لتجاوزها منذ ان اختطفونى صغيرا لم اكن ادرك شيئا حينها الا انى كنت اعيش فى كوكب الارض بسلام فجاة رايت المركبةالفضائية الضخمة يهبط منها مجموعة من الكائنات الفضائية باسلحتهم العجيبة واختطفونى انا ومجموعة اخرى من صغار السن وضعونا بمركبتهم ثم ادخلونا فى هذه المستعمرة الفضائية من حين لاخر ياتى احد الفضائين ليفحص اجسادنا ويغرز فيها الة حادة فى يده افاجى بعدها بخدر غريب يسرى فى جسدى ولكن اعصابى تصبح اهدا احيانااخرى اجد مجموعة من الكائنات الفضائية الصغيرة تلقى الينا ببعض الطعام من فتحات الحديد الغريب انهم يتحدثون بلغة غاية فى الغرابة لا املك امامها الا الضحك لهذه الاصوات المزعجة الشاذة التى تخرج من افواههم اما شكلهم الخارجى فهوشبيه باجسادنا بعض الشى وان كانت اجسادنا اجمل بالطبع اضافة الى ان شفاههم ضيقة صغيرة تنم عن الغباء ولديهم فوق رؤوسهم زوائد عجيبة ملونة لم ار شبيها لها من قبل .أضف الى ذلك تلك الاشياء الغريبة الاى يضعونها على اجسامهم القبيحة يغطونها بها ..ماذا اقول لك عن هذه المخلوقات العجيبة اليوم قررت ان افعل شيئا جديدا شيئا مختلفا جاءت احد المركبات الفضائية تحمل عددا من الكائنات الفضائية صغيرة الحجم معها بعض الكائنات طويلة القامة تراصوا جميعا خارج اسوار حجرة العزل التى اقف فيها رمى احدهم كعادته شيئا من الطعام نحوى فما كان منى الا ان امسكت به وضربت به وجهه بكل قوة
تاهبت للمعركة القادمة لابد انهم سينتقمون منى لهذا التصرف ولكن الغريب انهم انفجروا ضاحكين!! وتعالت من افواههم الضيقة تلك الاصوات المزعجة وهم يشيرون بايديهم نحوى انهم يتحدثون عنى ويدبرون امرا ما بشانى
.اقترب منى اطولهم قامة واخذ يعابثنى باداة رفيعة فى يده وانا اصرخ فى وجهه غضبا والعجيب انه يضحك بكل غباء ..بعد مدة تركونى وذهبوا لمشاهدة حجرة اخرى وكم كنت سعيدا انهم رحلوا واكثر سعادة انى فعلت شيئا جديدا شيئا مثيرا رفضت معاملتهم لى بهذه الطريقة لأننى وبكل فخر انتمى لكوكب الأرض
****
تجمع كل الأولاد فى صفوف منتظمة تحت إشراف مشرفى الرحلة وركبوا أتوبيسهم بعد أن أنهوا زيارتهم ومشاهداتهم ومن خلفهم أخذت أسوار حديقة الحيوان تبتعد ...وتبتعد... وتبتعد
#الآخرون#أنوثة_وقصص_أخرى#عبدالمعز_صفوت
لن أمكث هنا طويلا لقد سأمت إهمالك لى وانصرافك عنى، وتركى اتحسس كل جدران البيت وحدةً، ولا أجد ما أفعله ؛سئمت شكل الأثاث فى منزلك هذه الكراسي الثابتة مكانها منذ زمن وكانها تجثم فوق روحى، هذه المكتبة التى تقضى أمامها ساعات طويلة تداعب كتبها بحنان ثم هذا التلفاز وبرامجه المملة ،مباريات الكرة التى تتابعها وتفزعنى بصراخك توقظنى أحيانا من النوم تقهقه ضاحكا عندما تتحدث مع أحد أصدقائك فى الهاتف. لقد سئمت إهمالك الدائم لى وخاصةً بعدأن أتيت بها إلى البيت ، كنت فيما مضى لى وحدى تهتم فقط بى وحدى حتى عندما كنت تقرأفى كتاب كنت تجلس أمامى أشاهد تفاصيل وجهك وتقطيبتك الحبيبة واستنشق معك دخان سيجارتك! ولما كنت تكتب كانت اتبع حركة قلمك وأراقبك حين تكور الاوراق وترميها فى سلة المهملات .كنت لى وحدى والآن انشغلت عنى كلية ولم تعد تهتم بى على الاطلاق حتى القراءة هجرتها لم تعد تجلس للقراءة أمامى مثل الايام الخوالى حيث كنت استمتع معك بكل القصص الرائعة التى كنت تقراها بصوتك الحنون خاصة عندما تضحك لموقف فى احد فصول الرواية كنت أضحك معك ولكنى أضحك فى داخلى كنت تحبنى وتقرأ لى، أما الآن فقد اتخذت قرارى ولن أتراجع فيه أبدًا سابحث عن بيت آخر لاقضى فيه ماتبقى من عمرى انا لن ابقى هنا لكى اشاهدك تنظر اليها بكل هذا الحب تداعبها تاكل معها تشاهدان الافلام سويا تشترى لها الايس كريم من الخارج انك لاتهتم الابها هى فقط ولاتنظر الى طوال اليوم الامرة واحدة او مرتين واحيانا لاتنظر الى أبدا انك حتى لم تفكر ان تاخذنى معكما حين خرجت للنزهة فى عطلة الاسبوع الماضى.
لقد كبرت فى السن ولم أعد كما سبق وظهرى بدأ يؤلمنى منذ فترة ليست بالقريبة وأنت تعلم هذا ولكنك تتعمد تجاهله الوداع ..إنى راحلة
****
-سلوى
-همممم
-تفتكرى السلحفاة راحت فين
-يمكن ماتت
-فكرينى بكرة اشترى واحدة تانى ..
#إني_راحلة#أنوثة_وقصص_أخرى#عبدالمعز_صفوت
تداخلت الخطوط التى حفرتها مريم فوق المائدة الخشبية حتى كونت شيئا ما مبهم الملامح لايعرف معناه إلا هى، اعتادت فى حصة الرياضيات أن ترسم مخاوفها فوق المائدة و تتأمل انعكاس وجهها على ظهر القلم الفضى، ملامحها البيضاء الجميلة، عيناها السوداوان الخجلى دائمًا المسكونتان بآلاف الكلمات لاتجرؤ على البوح، أنفها الدقيق المنمنم علامة جمال ثالثة..شفتاها المضمومتان باحمرار فطرى رائع ولكن... ما بين أنفها وشفتيها وصمة تطاردها حتى فى أحلامها.. شعيرات مخضرة سخيفة شوهت جمالها وجلبت سخرية زملائها بالمدرسة (شارب) لوث جمالها كأنه بقعة زيت طفت فوق سطح النهر
-ماذا تفعلين يامريم؟
بسخرية عصبية ناداها الأستاذ خالد الذى يعتبرها-كما يقول- أفشل طالبة بالصف الثالث الإعدادى! لاتنتبه للشرح، دائمًا شاردة ترسم ، ازداد احمرار وجهها بعدما انغرزت فيه أنظار الطلاب ..
أكملت باقى الحصة تحدق فى أرضية الحجرة، تعد قطع البلاط.. لاتجرؤ على رفع عينها خشية أن تصطدم بنظرات ساخرة من زملائها أو نظرة غاضبة من الأستاذ ..
"وهكذا ننهى حصة اليوم وسأنتظركم الثلاثاء المقبل، أجيبوا عن كل التمارين ..تستطيعون الانصراف"..
بهذه الجملة أنهى الأستاذ خالد الحصة واحتشد الطلاب عند الباب واخترق أذنيها الرقيقتين صوت حاد ساخر :
"مريم ذات الشارب ! "
صوت رقيع آخر :
"شاربها أكبر من شاربى!!"
دمعت عيناها غضبًا ..
لماذا يسخرون منها ويصرون على إيلامها؟
إنها لاتجرؤ على الشكوى للأستاذ ،خجلها الطبيعى يمنعها.. تتحاشى الاصطدام بالآخرين دائما ولكن يبدو أن هذا لايكفى، دائما مايسخرون منها.. من صمتها وضعفها وخجلها و...وشاربها ..
حاولت أن تخبر أمها بمشكلتها مرارًا فلم تلق لها بالا ، حدثتها عن سخريتهم وطلبت منها المعونة فلم تظفر منها بغير جملة واحدة
-دعك منهم
هكذا فقط .. وكأن المشكلة انتهت!
وعادت تبحر فى الصفحة الزرقاء الداكنة تعلق على هذا وتتفاعل مع تلك ، ولكن الأمر اليوم مختلف، لقد وصلت السخرية حد إطلاق الألقاب "مريم ذات الشارب" هكذا نعتها الحقير!
سالت دموعها فأغرقت طريق العودة للبيت يأسًا وخجلاً وهى لاتدرى كيف تصنع، فهى بلا خبرة على الإطلاق، تنهدت لتطلق زفراتها الحارة فى الهواء فتكاد تحرق النهار، تغطى غشاوة الدموع عينيها فتريها كل الكائنات مهتزة كأنما يتراقص الناس فى الشارع سخرية منها .. وكأن حديث الجالسين على المقهى غيبة لها.. وكأن ضحكات الطفل الذى يلهو فى الشارع مع أصدقائه استهانة بها وبوجهها الذي...
"انتبهى أيتها الحمقاء!!"..
أفزعتها الصيحة الغاضبة من فم سائق الميكروباص وهو يتفاداها بصعوبة تصاحبها أصوات نفير السيارات وتحول الشارع لفوضى، جرت للناحيةالمقابلة تضرب نبضات قلبها فى سقف رأسها خوفًا وخجلا من نظرات المارة التى تحاصرها من الجهات العشرة! ..
أكملت طريقها عدوًا حتى وصلت لبيتها لاتريد إلا البكاء فى حضن أمها فقط، ضغطت جرس الباب ثم أخرجت مفتاحها وفتحت الباب وهى تتساءل:
- أين ذهبت أمى؟!
كانت أمها بالصالة تعبث فى (التابلت) ولم تكلف نفسها عناء فتح الباب أو حتى الالتفات لها، وأخيرًا لما طالت وقفتها فى منتصف الصالة التفتت لها أمها و سألتها :
-مالك تلهثين هكذا ؟
قالت بصوت خافت وكأنها تخشى أن تعاقبها :
-لقد تعرضت لحادثة سيارة
بلا مبالاة قالت أمها وهى تقرأ منشورًا ما:
-لقد طلبت منك مرارًا أن تنتبهى للطريق!
اسودت الدنيا أمامها وهى تردف:
-إن الطلبة يسخرون منى يقولون لى" مريم ذات الشارب"
دون عن ترفع الأم عينيها عن الشاشة قالت:
-اخبرى الاستاذ
أسقط فى يدها وهى ترى كل الخيوط التى تربطها بالحياة تتمزق، لقد بدت لها حياتها سلسلة من الاحباطات لاتستحق أن تعاش، فكت غطاء رأسها الذى يخنقها ثم دخلت الحمام عيناها حمراوان.. كأسان من الدم وجهها منتفخ- كيف لم تلحظ أمى ذلك؟! - ثم هذا الكائن الوقح الذى ينمو فوق شفتيها فيطردها من مملكة الأنوثة ويدفعها لعالم الصبيان يجثم فوق فمها رمزًا للسخرية، ودخلت الحمام واتخذت قرارها بإنهاء هذه الحياة.. فتشت فى أشياء أبيها حتى وجدت ماتريد، ماكينة حلاقة لم يستعملها مازالت مغلفة، أخرجتها وكأنما تستل الخنجر من غمده.. لمع نصل الشفرة أمامها ومعه لمعت الفكرة فى رأسها وعروق يدها الخضراء تنبض إذ رفعت يدها أمام عينيها وكأنها تغريها على فعلتها، كأن أوردتها تدعوها أن تنهى المأساة.. رفعت الشفرة أمام عينيها وقلبها يرتجف من هول القادم والدموع تنساب على وجنتيها بلا حساب ثم فجأة هوت بها ...
وبدأت الحلاقة ..
#قصة_أنوثة#مجموعة_قصصية_أنوثة#عبدالمعز_صفوت
القهوةُ تنظر بعتابٍ
فأنا لم أتحدثُ معها
أو تلقانى
من أسبوع
فاشتاقتنى بعثت خلفى
رائحة البنِّ الممزوجِ
بقرعِ الأحجار المسموع
كوبُ الشاى الأحمرِ يكملُ
لعبى منتظرًا للدورِ
والكرسيُّ بنفس الهيئةِ
منذ تركتُ القهوةِ يكملُ
مع جارى الأشيبِ كلماتى
يشرح أبعادَ الموضوع
حيانى الكرسيُّ بخبثٍ
غمز بعينٍ
حين رآنى أتجول
مصطحبًا طيفكِ
عرفوا الآن بسر غيابى
عرفوا أنى
بك مشغولٌ
بك مفتونٌ..
بك مخدوع
القهوة تشعر بالغَيرة
تحتضنُ مقاعدها
غَضبًا
تغلق قبل أذان الفجرِ
حين عدت لأسال عنكِ
بعد رحيلكِ
هى من تعلمُ أن المطر
السارى فى أرصفةِ الشارعِ
ليس بمطرٍ
هى من تعلمُ أن الماءَ
المتجمعِ فى حُفرِ الشارعِ
أثرُ دموع .
#عبدالمعز_صفوت