أعترف أنني
أعترفُ أنني منذ سنوات أتنقلُ بين شتّى مصادر المعنى. أقف بذهول، أشتدّ وأتعثر، أحيانًا تختلطُ أمامي الأشياء بشكلٍ مرعب، يفتسخ الوجود، يتشوّش المعنى تمامًا، حتى الكلمة تتلاشى دلالتها. لا أحبُ التوسع بشرح تلك الحالة المخيفة. أعيش حيّرة دائمة أمام هذا الوجود الهائل والغامض. حتى اللحظة ما زلت أعيشها، بمستوى أو بأخر. أجوب ميادين الفلسفة والأدب الشعر والفن، الأديان والأساطير، وكامل ميراث البشرية من الحكمة. حتّى الخرافات أتوقف معهًا، بحثًا عن حقيقة خفيّة أهتدي بها. أحاول دومًا مراكمة أكبر قدر ممكن من الفهم، وضوح الحياة والأشياء بداخلي، أحاول القبض على أساس موثوق. مضاعفة قوتي المعنويّة في مواجهة أحداث الحياة، أسرارها، مباغتات الزمن والأقدار. أحشد كل مصادر القوة، الفكرة والمعنى، أوثق علاقتي بكل الميادين؛ كي أنجو. أنجح مرة وأفشل أخرى وأعاود الكرّة بلا توقف.
لكنني أشهدُ أن كل تلك المصادر الثرية، وبقدر عبقريتها وما تورثُك إياة من غبطة، ثقة متأرجحة ومتانة داخلية مؤقتة. أشهد أنها لا توازي لحظة واحدة، ساعة من زمن أقضيها في حديث صادق وشفاف مع الله، حالة من الحضور الداخلي التام. أحيانـا أنهض فجأة، أقطع علاقتي بالعالم. أسجد وأبكي. نعم أبكي وأحب سلوكي هذا. أهيم في استغراق روحي وذهني شامل مع تلك القوة السحرية الغامضة، من الذي أودعها داخلي، جعلني أستشعر وقوفها خلف هذا الوجود. من..؟ أذهب إليها فورًا وأستسلم كليا. أذهب دون تساؤل ولا نقاش، متخليًّا حتى عن العقل نفسه.
أذهب إلى الله، بصدق وشرف. لحظة كهذه تورثني احساس هائل بالقوة، حالة من الشفاء التام لا أفهم سببها، سوى أنها انعكاس طبيعي لتلك القوة الإلهية المبدعة. حتى مع بقاء مساحة المجهول أكثر اتساعًا داخلي؛ ألمس أثر الله في كياني كله. الأثر المعنوي العائد من علاقة خاصة جدا وحميمية مع الله، يفوق كل ما يمكن أن تورثه لك المعرفة العقلية المجردة من قوة معنوية وثبات داخلي. أثر سريع وفعال، أشبه بمفعول سحري يلملم شتاتي كله. طمأنينة سجدة، سجدة حقيقية، توازي حصاد سنوات من الجهود المتواترة لمراكمة المعرفة. أقول هذا وأنا ما أزال شابًا، بل طفلا يحبو بداية الطريق. أشهد وأعترف أن علاقتي الخاصة جدا بالله، تبثُ طمأنينة شاملة بداخلي، يفوق كل طمأنينتي العائدة من نشاط المعرفة.
بل إن نشاطي المعرفي، يزداد فاعلية، بما في ذلك قدرتي على خوض غمار شك فعال ومنتج، شكوكية مرتبة وذهنك بحالة صفاء عال. تزداد قدرتي على الشك بوجودك يا الله، كلما كانت علاقتي بك حيّة، كلما استشعرت قربي منك. لكأن المرء لا يستطيع الشك بك دون إرادة منك، وربما دون مساعدة أيضًا. مع الله، أكتسب القدرة على التعايش مع يقين نسبيّ، دون الحاجة لإجابات نهائية، وتلك ذروة الحكمة كما يقول برانتد راسل. لعل هذا هو سرّ ثباتي في كل الدروب، وشعور كل من حولي أنني مصدر قوة دائم لهم، لربما أن قدرتي ع بث طمأنينة واسعة لدى كل من يعرفني. تعود لذات السبب. دعكم من هذه الجملة المتكسرة. لهذا السبب، الحيرة العميقة، ولهذا الأثر الغريب، أحب علاقتي بالله، للسبب ذاته، ظللت أنمِّي علاقة خاصة به، حتى في أشد لحظاتي انح ط اطً ا، أظل متشبثًا به، أذهب وأعود إليه باستمرار وأعتبر ذلك سلوك حكيم. مزيدا من الحكمة يا الله، القرب الخاص، مزيدا من القوة، يا سرّ الوجود كله.
تعددت مصادر الروحانية، من الفنّ، والأدب، الفكر والفلسفة، الدراما وسائر نشاطات البشر، خلق الإنسان بدائلُ روحية كثيرة، حاول كسر احتكار الأديان للقيمة، فعل كل ما بوسعه؛ كي يُثري وجوده؛ كي يخلق المعنى ويبثُ الأنس في حياته. وقد نجح، نجح الإنسان كثيرًا، لكن مع كل ذلك، بقيّ الله المصدر الوحيد للمعنى. المصدر المركزي، النبع الذي لا ينضب، والجواب الأخير لكل الأسئلة الحائرة. سرّ الأسرار، أنت يا الله، خالقها، وحولك تحوم كل جهود البشر. واهب الأشياء قيمتها، حتى الكلمة هو خالق دلالتها. وما أنت أيها الإنسان سوى طفل يلهو على طرف النهر.
مهما بلغ ثراؤك من الوعي، عبقريتك العقلية وقوة سيطرتك على معاني الحياة، تظل تشعر بالرجفة أمام تلك القوة السحرية في الوجود. أمام هذه الكلمة" الله"، مؤمنًا كنت أو مرتابـا، لا تستطيع أن تتجاوزها ولا يمكنك أن تستغني عنها. "ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم». وما أنت أيها الإنسان سوى كلمة من كلماته.
هناك سرّ غريب في الإنسان عطش وحاجة لا يمكن لكل ميراث العقل البشري أن يُطفئه أو يجيب عليه. الأمر غير قابل للتفسير منطقيًا بشكل حاسم، هو توق صميمي للاتصال بقوة غامضة وواضحة، مصدر علوي يضخ فيك شعورا بالقوة ويعزز احساسك بجدواك في هذا الوجود. بدون الله، الناظم المركزي للقيمة والمعنى، بدونك يا الله، ينهار كل شيء، وتغزو الحيرة قلوب البشر، بل يتفسخ وجودهم كله. يا الله هبنا مزيد من القوة؛ كي نقطع الرحلة ولا نشيخ.
أراح الله قلوبكم أيها المتعبون.
#المياحي
7