رسايل البحر..
تَشبَّثَتْ إحداهنَّ بثوبي،
وبوَهْنِ الثانيةِ استمسكتِ الأولى،
وأثرُ خطواتِنا الخفيفِ الضعيفِ يَلثمُ الأرضَ تحتَنا،
يَحملُ على أكتافِه وَهْنَ السنين...
كانتْ عيونُهما تقولُ بصمتٍ، بخوفٍ، بترقّبٍ:
أمّي... إلى أين؟..
مَشيتُ وحدي، بهما، بينَ وبين...
وفي سَكرةِ عقلٍ وغفلةِ قلبٍ
ألقيتُ بأكبرِهنَّ حبّاً في قلبي،
عميقاً في النهر،
ثم بالصغرى غريقةً أسفلَ الحافتين.
وفي داخلي تلك الأنا تُصارعني، تُقاتلني،
تُخبرني: كيف فعلتِ؟ أوَتجرُئين؟..
أتَهربينَ من ضعفِكِ،
وتَلعنينَ حظَّكِ،
وتُوئدينَ خوفَكِ في أصواتِ بكائِهم الصامتة،
وتُلاحقينَ خلاصَكِ في تلك العينين...
يا لجبنكِ!..
أكملتُ المسيرَ على غيرِ هُدى؛
يَختطفني الظلامُ من بقايا الإيمانِ والشعور،
وعلى عقلي حجابٌ ثقيلٌ
من أنانيةِ والدِهم،
وقسوتِه على ضعفي وانكساري،
وغلظتِه عليهم، بل الاثنين.
يَلعنُ أنوثتَهم، ويلطمُ حظَّه العاثرَ بنا،
ويُظهرُ كرهَه لنا كلَّ حينٍ وحين...
حتى اخترقتْ حُجُبَ صرخاتِ الولادةِ دمي ودموعي،
وابتسامتي لهما،
فتوقفتُ وجثوتُ،
ثم بصراخِ النادمين الآثمين...
كان البدرُ حاضراً،
وحرسُ أمنِ السماءِ علينا شاهدين،
يسألونني: آ الاثنتين؟..
انعقدَ لساني،
وأمامَ عيني كانتْ نظراتُهما المفجوعةُ بالألم،
وأوصالُهما المستسلمةُ لغَدري،
وتواطُئي مع صمتِ النهر ساكنين...
ارتفعتْ مقلتاي لصفحةِ السماءِ أقول:
رحماك يا ربّي،
يغشاهما ملحُ المطرِ الدفين...
وأحسستُ أنني احترقتُ،
لا بالنارِ فقَط، بل بالذنبِ الذي لا يُغفر مجتمعين.
وجثوتُ على الأرض،
أستمسكُ قضبانَ حديدِ السور،
تُشيرُ يداي إليهما،
وتَشخصُ عيناي عليهما،
وقد جبُنتُ أن ألقي بجسدي
يُدفئُ جسديهما العزيزين...
#قارب_بلا_شراع
#رسايل_البحر
#أوراق
7 مشاهدة
