لا؛ لم يعد بعد الآن..
...
كانتْ جميلةً جدًّا...
أنا امرأةٌ، وهي امرأةٌ أيضًا.
كانتْ أنيقةً، ظاهرةً بكلِّ طريقةٍ ممكنةٍ...
كانتْ على النقيضِ منّي في كلِّ شيءٍ، خاصَّةً ذلك الثوبَ البحراويَّ الذي انتهى مَدُّ طرفِه بمحاذاةِ ركبتيها، وقد انحسرَ جزرُه كثيرًا حولَ صدرِها.
ليس لي أن أعترضَ، لا مَدحًا ولا ذمًّا؛ أنا فقط لاحظتُ كيف لاحقتْها كلُّ العيونِ بجوعٍ...
وكيف استرقَّ صوتُ كعبِ حذائِها الثمينِ الأسماعَ بشغفٍ.
لم أكنْ أعلمُ، حتّى الآن، كيف يكونُ أريجُ العطرِ مُثيرًا، بل ومُحرَّمًا...
الآن أعلم...
أفهم...
هل لاحظَ هو شيئًا من ذلك؟
أم أنّني أفرطتُ في الملاحظة؟!
يقتلني هذا الشعورُ بالعجزِ، وبالصِّغَرِ، وكم كنتُ بعيدةً جدًّا...
مختبئةً دائمًا خلفَ الأفعالِ، والأقوالِ، والجدرانِ.
يذبحني أمسٌ ثقيلٌ فوق ظهري، يُثقِلُ كاهلي.
ويبكيني غدٌ يركضُ بعيدًا عنّي كلَّما نظرتُ إليه.
ماذا أفعل؟
وكيف أتصرّف؟
وكيف وصلتُ إلى ما أنا عليه الآن، حتّى ما عُدتُ أشبهُني؟
توقّف الزمانُ بي، وصرتُ أسمعُ الهمساتِ واللمزاتِ بحدّةٍ.
ارتجفتْ أوصالي، وخارتْ قواي، فسقطتُ على أقربِ مقعدٍ أبكي...
أبكي بصمتٍ.
أجفّفُ دموعًا لا يراها أحدٌ.
أكتمُ شهيقًا لا يسمعُه غيري.
وأكبتُ نحيبًا يحترقُ داخلي وحدي.
وتسارعتْ خلفَ جفنيَّ صورُ شقاءِ حالي، وذُلِّ مآلي، وضعفي، واستسلامي السريع، ورقّةِ قلبي حتّى السذاجة.
كنتُ أفهمُ كلَّ شيءٍ، وأتغافلُ عمدًا؛ حتّى يستمرَّ هذا القاربُ بالمسير...
مزيدًا من الوقت.
لم أشعرْ بالوقتِ؛ كيف مرَّ، ولا كم قضيتُ هكذا.
بكيتُ فقط...
بكيتُ حتّى جفّتْ دموعي.
بكيتُ حتّى ما عُدتُ أستطيعُ الاستمرار.
بكيتُ ربيعَ عمري، وأحلاميَ الفتيّةَ التي خنقتُها بضعفي، واستسلامي لكلِّ شيءٍ، وأيِّ شيءٍ، حتّى توارتْ بعيدًا عنّي.
ولم يتبقَّ لي غيرُ بقايا ظلالِها، وآثارِها فوقَ صفحاتٍ قديمةٍ، داخلَ درجٍ مُغلقٍ.
والذي لم يزلْ يتردّدُ بين تجاويفِ قلبي، وعقلي، ووجداني...
ثمّ وقفتُ...
واستقويتُ...
وأمسكتُ تلابيبَ عزيمتي.
ووجدتُني في غرفتي أجمعُ أوراقي، وكتبي، وبقايايَ المهمّة.
وعندما أحكمتُ إغلاقَ حقيبتي الوحيدةِ الصغيرةِ...
وقفتُ.
وقفتُ قليلًا...
وعينايَ ترسمانِ في محجريهما حدودَ الجدرانِ والألوانِ، وظلالَ الليالي والأيّامِ، والبقيّةَ الباقيةَ من كرامتي الثمينة.
لآخرِ مرّةٍ...
وتفاجأتُ من نفسي عندما لم أشعرْ بأيِّ شيءٍ.
لم أعُد أشعرُ بأيِّ شيءٍ...
في داخلي صمتٌ ثقيلٌ.
وفراغٌ مهيبٌ...
...
#أوراق
#رسايل_البحر
#رسايل_اللاڤندر
#أكتب_له_لأني_أعلم_أنه_لا_يقرأ

1 مشاركة18 مشاهدة