حبر الكناشة في سوق الوراقين
انطفأت مصابيح السقف فجأة في ممر الأرشيف وسكت جهاز المسح الضوئي، فتوقفت عن إدخال الوثائق وأخرجت من جيبي دفتر التجليد الصغير وقلم الحبر السائل لأكمل ما بدأت.
في الصنعة القديمة يسمون هذا الدفتر «الكناشة»؛ وهو ليس مذكرات شخصية ولا دفتراً لحساب المصاريف، بل كشكول يحمله الورّاق في جيبه ليقيد فيه كل يوم بيتاً واحداً من الشعر أو جملة لفتت نظره في مخطوط قديم، يكتبها بيده هو فقط. الفرق بينها وبين نسخ كلام أعجبك بضغطة زر وإرساله للناس، مثل الفرق بين من يطبخ مرقته على مهل في قدر فخار، وبين من يشتري مكعبات مرق جاهزة؛ الأول يعرف طعم كل بهار وضعته يده، والثاني لا يذكر حتى ما الذي بلعه قبل دقيقة.
الظاهر إني كبرت، لكني كلما مررت بجاري في سوق الوراقين ورأيته يفتح كناشته القديمة ليراجع عبارة قيدها بيده قبل ثلاثين سنة، أدرك لمَ كانت عيونهم تقرأ أهدأ من عيوننا.
#مخطوطات #سوق_الوراقين