يونس… ضحكةٌ أعادت إليَّ الحياة
يونس، حفيدي، صاحب أبهى ضحكة تضيء وجدان أيامي، وتبدّل ملامح ساعاتي مهما أثقلتها الأثقال. يكفيني وميض صورته حتى يرقص قلبي طربًا، وكأن روحي الصغيرة التي خبّأتها الدهور في المعاطف السحيقة قد وجدت طريقها إلى النور مجددًا.
يونس، ذو الأعوام الثلاثة، استطاع بوجوده أن يمتلك مقاليد قلبي، وأن يستحوذ على مساحة من كياني ما علمْتُ أن فيها كل هذا الفيض العارم من العشق. له من الدلال نصيب خالص لا ينازعه فيه إنسان، وله من الحنان ما يجعلني ألبي رغباته بروح تسبق إجابتي، وكأنني خُلقت لأمنحه الرضا، وأرى في مقلتيه فرحة تزن الوجود وما حوى.
أهفو إلى قدومه، وأتأمل خطواته الصغيرة حين تقصدني دون العالمين، كأنه يعلم بحدس الطفولة أين يستقر قلبه الثاني، وأين يلقى تلك التي تلين أمام ابتسامته، فتجيب نداءه دون تردد. يأتي إليَّ مطمئنًّا، واثقًا من مكانته، فأشعر أنني أمتلك من الدنيا أثمنها وأوفاها.
نلعب معًا وكأننا طفلان هربا من قيود الأعمار، وتركا خلفهما كل وزر يثقل الأرواح. يجري فأتعقّب خطاه، يقذف الكرة فأسارع لالتقاطها، ثم يعلو ضحكه ليمتلئ المكان طمأنينة وبهاء، فأضحك من أعماق روحي، وأجدني أركض وراء سعادتي بكل خفة، متناسيةً عقود العمر، ومتخليةً عن وقار الكبار. معه أستعيد تلك المرأة التي تتقن الضحكة الخالصة، وتفرح بأبسط التفاصيل، وتجد في لعبة عابرة حكاية كاملة من البهجة.
يا يونس، كم من أشياء ظننت أنني طويت صفحتها، وكم من أحلام حسِبت أنها غادرتني مع رحيل الأيام! كنت أعتقد أن فصولاً عزيزة من حياتي أُوصدت أبوابها إلى الأبد، وأن مضي العمر ينتزع معه ألوان الفرح وأجزاء من الأرواح يصعب استردادها. ثم أقبلْتَ أنت بوجهك الوضيء، وخطواتك المتعثرة، وكفّيك الغضّتين، وضحكتك التي تأسر الألباب، ففتحْتَ في صدري نوافذ ظننتها ردمت منذ أمد بعيد.
معك استعاد عمري ربيعه المنشود، ذاك الربيع الذي حسبت، في لحظات الإعياء، أنه تلاشى، وأن ما تبقي منه مجرد أيام متشابهة تمضي بلا أثر. جئتَ لتؤكد لي أن الفرح يجيء ولو تأخر، وأن القلب الذي أنهكته التجارب قادر على الخفقان بخفة الفراشات، وأن الأقدار تخبئ لنا أحيانًا عطايا تأتي في هيئة طفل، فتنثر المعنى الجميل في كل تفصيلة.
أهواك يا يونس حبًّا تضيق عنه العبارات؛ عشقًا يتجلى في انتظاري لشوق اللقاء، وفي ابتسامتي التي تسبق وصولك، وفي تلك اللهفة التي تسمرني أمام الباب رقبًا لخطاك. أحب تفاصيلك العفوية؛ حركاتك البريئة، حديثك العذب، إصرارك الطريف، وطريقتك في الركض نحوي كأنك تحتضن العالم بين ذراعيك.
وأحب أنني معك أتحرر من قيد الجدّة الموقرة؛ فأنا رفيقة لهوك، شريكتك في الضحك، حافظة الأسرار التي يصنعها خيالك النقي، والملاذ الذي تأوي إليه ساكن الفؤاد. أبتغي أن أظل في ذاكرتك تلك الوجود الدافئ الذي منحك قلبه بلا حساب، وفرح بوجودك فرحًا يجاوز كل وصف. أريدك، حين يافعك الزمان، أن تتذكر أن لك هنا قلبًا رأك أجمل عطايا الكون، وأن ضحكتك كانت منارًا ينير أيامي الحالكة.
وربما تغيب عنك الآن إدراك أثرك العجيق، ولن تدرك أن حضورك أعاد ترتيب فوضى دواخلي، وأنك منحتني شعورًا كنت أحسبه بعيد المنال؛ شعورًا بأن الحياة زاخرة بالمفاجآت السعيدة، وأن القادم يحمل من الحنان ما يرمّم تصدعات السنين.
يا صغيري الحبيب، يجهل قلبي ما تخبؤه لك الأقدار، ولا أي الدروب ستطؤها قدماك مستقبلاً، لكنني أضرع إلى الخالق أن يغمر قلبك بالنور، وأن يصون ضحكتك من شطحات الحزن، وأن يكتب لك من السعادة أضعاف ما منحتني إياه بوجودك العطر. أدعوه أن يمد في عمري لأبقى واحة لاحتضانك، وأن تظل تلك المساحة الوضيئة من حياتي، وأن أراك ترتقي معارج المجد وأنت معافى القلب، رحب الحلم، محاطًا بالأمان والرضا.
كل ما حسبته نهاية المطاف، كان مستهلَّ الحكاية... وكل ما ظننته هدوءًا أخيرًا، كان يمهّد لضحكة عذبة تهتف بي: تاااتي.
فأهرع نحوك بقلبي قبل خطاي، وأبسط ساعديَّ، وأشعر أن الكون برحب أقطاره قد صار ألطف وأرحم.
يا يونس، يا ضحكتي الساعية على قدمين طاهرتين، ويا أثمن ما جاد به العمر، إن منّت عليَّ الأماني بأمنية أحتفظ بها سرًّا في حنايا الصدر، فهي أن تدوم ضحكتك عالية، وأن أظل أنا الملاذ والمحتضن لكل أوقاتك حين تبحث عن اللعب، والحب، والدلال، وحضن يتّسع لك مهما اتسعت بك الدنيا.
أنت لا تدري يا حبيبي أنك حين تنادي بلفظة «تاااتي»، تخصني باسمي، وتوقظ في شراييني النبض والوجود بأسره.
#يونسي_حفيدي
#كلمات_من_القلب
#شرين_شوقي_عامر

2 مشاهدة
