«سلطة الآباء»
#فيض_الخاطر.
للأديب أحمد أمين:
«كان أبي يمثل سلطة البيت، فكانت له الهيبة والوقار، وكان البيت يدار وفق إرادته، لا يتخلف عن ذلك أحد؛ فإذا حضر وجب السكون، وإن تكلم صمت الجميع، وإن مر بباب أو دخل غرفة خيم عليها الوقار.
لم تكن سلطته سلطة ظلم، بل كانت سلطة حب وحرص؛ كان يرى أن واجبه يفرض عليه أن يرعى أسرته ويكفلها، ويوجهها وجهة الخير، وأن طريق ذلك أن يتولى هو التوجيه وحده، وأن يتولى هو المنح والمنع وحده؛ فكانت كلمته هي القانون، ورأيه هو الفصل.
ولكن الزمن يتغير، وسلطة الآباء تتضاءل.
لقد أخذ الأبناء يعتقدون أنهم أعلم بصلحتهم من آبائهم، وأن العصر الذي يعيشون فيه غير العصر الذي عاش فيه الآباء؛ فالعلم يتقدم، والأفكار تتجدد، والحياة تتغير. وما كان صالحاً للأمس قد لا يكون صالحاً اليوم، وما رآه الأب صواباً في عصره قد يراه الابن خطأ في عصره.
وليس هذا شركاً بالآباء ولا عقوقاً لهم، بل هو سنة الحياة وطبيعة التطور. فلو جمد الأبناء على ما كان عليه الآباء لما تقدم العالم خطوة، ولكان الناس اليوم كما كانوا من آلاف السنين.
إن الواجب على الآباء أن يفهموا هذا التغير، وأن يدركوا أن السلطة المطلقة لم تعد تتفق وروح العصر. إن الأب الصالح اليوم ليس هو الذي يفرض إرادته على أبنائه فرضاً، بل هو الذي يصادقهم، ويستمع إليهم، ويوجههم بالحرية والنصيحة، لا بالإكراه والسلطان.
إن التربية الحديثة تعتمد على تنمية الشخصية، وعلى إفساح المجال للابن كي يفكر لنفسه، ويتحمل مسؤولية عمله. فإذا ظلت سلطة الأب حائلة دون ذلك، خرج الابن ضعيف الإرادة، عاجزاً عن مواجهة الحياة.
فيا أيها الآباء، خففوا من سلطتكم، وحولوا سلطة الاستبداد إلى سلطة الحب والحوار؛ ويا أيها الأبناء، احترموا آباءكم، واعرفوا لهم فضلهم، ولا تتخذوا من حرية العصر وسيلة للتنكر للجميل!»
6

