مازال عبق القلم يملأ روحي، يتخلل أنفاسي وإني كلما ابتعدت ما زادني البعد إلا حبا واقترابا.
أيها الحرف... ما زلت تسكنني، تسري في عروقي كمسرى الدم يحمل إلينا الحياة، أي سحر يأخذني أليك أو يدفعك إلي، قاومت فيك شططي وجنوحي ولكن كلما قاومت ضعفت واستسلمت، وها أنا ذا بين يديك أذعن إليك وأرفع الراية البيضاء.
اللهم إن كان سحرا... فلا تبطله.
#امل#مجتمع#لآلئ_اليوم@المتابعون
انتفضت و صورة جاري الجديدة عالقة في رأسي، كان شابا وسيما، يبدو عليه الوقار والجدية، بشرته عادية غير مشوهة. جلست على السرير أتلفّت حولي، وجدتني في حجرة نومي... رحت أفرك عيني وأضرب وجنتي وجبهتي لأتأكد أنني يقظ ولا أحلم، فحياتي أصبحت أحلاما سخيفة متصلة، لا أكاد أفيق من أحدها لأجد نفسي غارقا في الآخر.
نهضت عن الفراش واتجهت إلى المطبخ، صنعت فنجانا من القهوة الدوبل لأفيق، تناولتها مع سيجارتين شعرت بعدها بالنشاط يدب في جسدي، قررت نسيان كل السخافات التي مررت بها في الأيام الماضية وعزمت أن أنفض عن رأسي كل تلك الافكار التي بلا معنى وأمارس حياتي كما كانت من قبل... ولكن... كيف كانت حياتي من قبل، سؤال طرق رأسي بعنف ثم توالت بعده الأسئلة... لماذا لا أذهب إلى عملي؟ ... وما هو عملي أصلا؟! طاردتني الأفكار الغريبة من جديد... شعرت بدوار ولكنني تماسكت، لابد ألا أستسلم لخيالي المريض
فكرت أن أزور طبيبا نفسيا؛ فلعل ظروف انفصالي عن زوجتي أثرت على قواي العقلية، فركت رأسي محاولا الخروج مما أصابني، دخلت الحمام لأستحم، الماء الدافئ في حوض الاستحمام أنعش جسدي، كنت مستلقيا على ظهري تاركا الماء يحملني فشعرت أنني خفيفا جدا و بلا وزن، الماء يدغدغ أطرافي، ورائحة الياسمين المنبعثة من صابون الاستحمام عبقت المكان حولي وملأت صدري، انتهيت من الاغتسال ونهضت لأتجفف، انزلقت قدمي فسقطت في الماء من جديد، لكنه كان سقوطا مروعا، غمرني الماء وكدت اختنق، رحت أصارع الموت كأنني في وسط المحيط وأصارع أمواجا عاتية، أحاول أن أخرج رأسي من الماء لكن شيئا يضغطها إلى الأسفل، كأنها يد قوية تضغط عليها، أصارع من جديد وأخرج رأسي من الماء، تلتقط عيناي صورا قاتمة... حجرة مطلية بالأسمنت، يتدلى في منتصف سقفها مصباح صغير ضوءه أصفر، أسفله مباشرة يقف رجل ضخم مفتول العضلات ممسكا برجل هزيل عاري الجسد و مكبل اليدين، يدفع رأسه في حوض كبير فيه ماء ساخن تتصاعد منه ألأبخرة، وكلما دفع رأسه في الماء أجدني أغرق من جديد في حوض الاستحمام، أضرب الماء بيدي وقدمي وأحاول التشبث بأي شيء لأنجو، لحظات أصارع فيها الموت أنتصر عليه بعدها وأخرج رأسي فأرى الرجل الضخم قد أخرج رأس الأسير والأخير يلتقط أنفاسه بصعوبة، يعاود الضخم الكرة فأنزلق من جديد في الحوض، الموت محيط بي من كل مكان... يصارعني وأصارعه لكنني في كل مرة أنتصر عليه، في المرة الأخيرة خارت قواي... كدت أستسلم له... طال مكوثي تحت الماء و هدأت حركة أطرافي التي كانت تتحرك بعصبية، لكنني تشبثت بآخر أمل لي، بحثت بقدمي الخائرتين عن سدادة الحوض ونزعتها، بدأ الماء ينحسر عن رأسي وجسدي وانحسرت معها عن عيني صورة الحجرة القاتمة، راحت تندحر شيئا فشيئا وتحل محلها صورة حمام شقتي، قبل أن تتلاشى الصورة تماما لمحت وجه الأسير الذي بدا منهكا مثلي من شدة الإعياء، نظر نحوي بامتنان وابتسم ابتسامة شاكرة ثم اختفى المشهد، لم يبق منه غير جسدي العاري مستلقيا على ظهره في حوض الاستحمام والماء ينحسر عنه شيئا فسيئا... ووجه الأسير الذي علق بعيني ولم يغادرهما... كان الأسير هو ذاته... جاري.
....................................
خرجت من الحمام أترنح كجريح خرج لتوه من معركة غير متكافئة كاد يفقد حياته فيها مع وحش عملاق، جسدي يؤلمني في كل موضع منه، اتجهت إلى غرفة نومي وأنا متخذا من الجدران مسندا أتوكأ عليه مع كل خطوة، جلست على حافة السرير أفكر فيما حدث... هل ما حدث حقيقة أم خيال، من هو هذا الرجل الغامض... وما علاقتي به؟ لماذا يلازمني في أحلامي... أو... أو... لماذا أتابعه؟!
أسئلة كثيرة كادت تطيح برأسي... لابد أن أذهب إلى الطبيب... فكرت بجدية، بعناء بالغ بدلت ملابسي، ارتديت بزة رمادية تحتها قميص أبيض بدون رابطة عنق، مع آخر قطعة ملابس ارتديتها سمعت همسا بالخارج، نظرت في المرآة لأتأكد من انني مستيقظا، كانت المرآة ضبابية لا يظهر فيها شيء سوى عيناي المفتوحتان، رحت اتنصت من جديد... الهمس يزداد علوا ويتحول إلى ضجيج خافت لا إزعاج فيه، حركة غريبة من أناس كثيرين، وفي الخلفية صوت موسيقى هادئة تنبعث من ركن بعيد... خرجت بهدوء من غرفتي واجتزت الردهة الفاصلة بين جناح النوم والبهو، وكلما اقتربت يتضح الضجيج ويزداد أكثر فأكثر، أصوات متداخلة لأناس كثيرون، وضحكات نسائية تنبعث بين حين وآخر من أماكن متفرقة، من خلف ستارة شفافة نظرت فرأيت عجبا، رجال كثيرين في بزات أنيقة... وسيدات جميلات في فساتين سهرة باهظة الثمن، على الأريكة رأيته متكأ بكبرياء... الشاب الثلاثيني بوجهه الوسيم ونظرته الصارمة، يرتدي بزة سوداء فخمة ، وضع ساقا فوق ساق و راح يدخن سيجارا، حوله رجال يشبهونه... بالقرب من الشرفة كانت تقف بين سيدتين ورجلين، جميلة كعادتها... ترتدي فستانا أسودا يضوي تحت الضوء، ضيقا وطويلا، بكم لكنه مكشوف الظهر، كانت تمسك في إحدى يديها كأسا وفي الأخرى سيجارة، تتكلم وتضحك، ثم أخذت تروح وتجيء هنا وهناك توزع ابتساماتها على الحاضرين وترحب بهم، مرت أمامي مرتين ولم تراني رغم عدم اختبائي.
بدأت اتجول بينهم ولا أحد يعيرني أي اهتمام، اتجهت نحو الشرفة حيث عادت هي لتقف من جديد مع ضيوفها، حاولت التنصت لأسمع ما تقوله لكنني لم أسمع سوى الضجيج وصوت الموسيقى والضحكات المتفرقة، دقائق قليلة وانفتح الباب ليدخل جاري الغامض بمعطفه الرمادي وقبعته الغريبة... حينها ساد الصمت وكفّت الموسيقى عن الصدح، نظر الجميع نحوه بترقب... أما هي... فقد اختفت ابتسامتها وسكن عينيها الخوف، بدا على وجهها الانزعاج فاقتربت من الشاب المتكئ على الأريكة الذي ظل محتفظا بوضعيته الهادئة والمتعجرفة ونظرته الصارمة والغاضبة، وضعت يدها على كتفه كأنما تستمد منه القوة فربت على يدها يطمئنها، اقترب الغريب منها شيئا فشيئا حتى صار في مواجهتها تماما، في عينيه حزن و سؤال... لماذا؟
بحركة فجائية أخرج شيئا من تحت معطفه وطعنها، كانت السكين ذات النصل العريض واليد المطلية بماء الذهب، طعنها في مقتل، ساد هرج ومرج وصراخ وعويل جعله يتحرك باضطراب و بغير هدى ملوحا بالسكين في كل اتجاه مهددا كل من يقترب منه، ظل يرجع للوراء حتى اقترب من الشرفة... كنت خلفه مباشرة أقف مشدوها لا أفهم شيئا، أخرج الشاب الوسيم من جيب سترته سلاحا وصوبه نحوه... في اللحظة التي أطلق عليه فيها الرصاص كان هو واقفا على أفريز الشرفة يريد الهروب، حاولت إمساكه كي لا يسقط لكن يداي لم تمسكان سوى الهواء.
نظر من الأعلى على الجسد الممدد على ظهره على الأرض، وجهه للأعلى ويداه مفرودتان، رأى وجهه بوضوح كأنما لا تفصله عنه كل هذه الطوابق كما رأى وجه القط من قبل، رجع للخلف مرتعبا فاصطدم بباب الشرفة الزجاجي، التفت فإذا به يرى صورته بوضوح منعكسة على الزجاج أمامه، رجل طويل محني الظهر، نحيف بغير مبالغة، له بشرة تميل إلى السمرة، عيناه دائرية كثقبين في جدار خشن، على وجنتيه أثر إصابة بالجدري تركت بثورا ونتوءات على جلده لم تفلح لحيته القصيرة والمبعثرة في مداراتها، أنفه طويل ومدبب، فمه دائري وشفتاه غليظتان ومزمومتان في وضع التقبيل، لونهما أسود بسبب تدخينه المفرط، شعره رمادي قصير، يرتدي فوق رأسه قبعة ذات حافة طويلة من الأمام تخبئ نصف وجهه فتزيده غموضا.
_تمت_
#امل#يتبع#مجتمع#لآلئ_اليوم
ما الذي يحدث لي؟ ولماذا أنا؟! هل المشكلة في هذه الشقة الملعونة أم أن خللا عقليا قد أصابني؟!
أفكر جديا في مغادرة هذه الشقة ولكنني أشعر أن شيئا يربطني بها... شيء خفي يتغلغل في راسي فيحكم سيطرته على عقلي... من هؤلاء الذين أراهم فيها؟ هذا الرجل الغريب يحيرني، يخيفني لكنني لا أبغضه، أفكر فيه ليل نهار كأنما استولى على روحي وعقلي، يتلبسني كشيطان أو كثعبان يلتف حول فريسته ليلتهمها، وأنا مستسلم له، اتبعه كالمسحور ولا أجد رغبة في مقاومته، كنت أسير بغير هدى بعدما خرجت من المقهى، رحت أمشط الشوارع كمن يبحث عن شيء فقده، لم أشعر بالوقت ولم أنتبه للأماكن، نظرت حولي فإذا الليل قد جَنّ وكسى الشوارع بظلمته الكئيبة، حملتني قدماي إلى مكان بعيد، لا أعرف كيف وصلت إليه سيرا، لم أشعر بآلام السير ولكنني شعرت بغربة المكان، غربة ممزوجة بخوف ورهبة، وجدتني أقف على طريق سريع والظلام من حولي لا يقطعه إلا مصابيح السيارات التي تمر بين حين وآخر بسرعة كبيرة في كلا الاتجاهين. رأيت بعض الابنية المتناثرة هنا وهناك، لمحت على امتداد بصري مبنى كبيرا و كئيبا، تنبعث منه بعض أضواء صادرة من كشافات كبيرة مثبتة على السور العلوي له، لم أتبين بالضبط عدد طوابقه، ثلاثة أو أربعة طوابق على الأكثر، سرت نحوه بثبات كأنما أعرف وجهتي، المبنى محاط بسور مرتفع، مررت من البوابة الحديدية الكبيرة التي ظننتها مغلقة حين اقتربت منها ولكنها انفتحت بيسر وسهولة عندما دفعتها، سرت بخطوات أقل ثباتا على الممر المرصوف... أعرف هذا الممر، وقع خطواتي عليه يشعل في ذاكرتي وميضا لصور مخيفة تبرق أمامي مع كل خطوة أخطوها وسرعان ما تختفي لتبرق أخرى، صورة رجل هزيل بين رجلين ضخمي الجثة يجرانه جرا، صورة آخر معصوب العينين، وآخر مغطى الرأس بكيس من قماش أسودا ومقيدا بالسلاسل، يسوقه إثنان نحو مكان ما، يقبض كل واحد منهم على ذراع وهو بينهما كدمية مسلوبة الإرادة، أسمع صوت احتكاك حذائه بالأرض ممزوجا بنقرات حذائي آسريه، نقرات خشنة... غليظة ومتعجلة كوقع أقدام الخيل على أرض صخرية.
سرت خلفهم أو معهم... لا أدري، ولكن ما كنت أدريه حقا هو أنني أرى وأسمع كل شيء.
صعدت سبع درجات ثم سرت خمس خطوات قبل أن أصل إلى باب زجاجي انفتح بمجرد أن وقفت أمامه، الباب يفضي إلى ممر طويل و مبلط ببلاط أسمنتي كئيب، حجرات كثيرة عن اليمين واليسار تفتح أبوابها في الممر، لكن جميع الابواب كانت مغلقة ومعلق على كل واحد منها لافتة صغيرة، أعلم وجهتي جيدا... إنها الحجرة القابعة في نهاية الممر... في المواجهة، انفتح الباب فرأيت الرجلين الضخمين واقفان كتمثالين وبينهما الأسير المقنع، أمامهم مكتب فخم عريض يجلس خلفه رجل ببزة سوداء أنيقة... تحتها قميص أبيض وربطة عنق سوداء، جلس على كرسي دوار مسندا ذراعية على مسنديه وشبك بين أصابعه وراح يتأرجح بهدوء يمينا ويسارا، كان ينظر نحو الرجل المقنّع بتشف واحتقار، أمعنت النظر في وجهه، كنت أعرفه... إنه... إنه... إنه الشاب الثلاثيني، ذلك الشاب الوسيم الذي تشاجر معه جاري الغامض، لكنه الآن لم يكن وسيما... كان مخيفا! لا يتكلم.... كلامه مجرد إشارات للرجلين وهما ينفذان، أشار لأحدهما أن ينزع الغطاء عن رأس الأسير فنزعه... شهق الاسير شهقة عميقة كأنما قد أوشك على الاختناق ثم نجا، كان معصوب العينين... وأنا اتجول في الحجرة بحرية ولا أحد يأبه لي، أصابني الذهول عندما وقفت قبالة الأسير ونظرت في وجهه، كان هو... جاري الغريب... لكنه... لم يكن مشوه الوجه....
#امل#يتبع#مجتمع#لآلئ_اليوم@المتابعون