꧁ بعد منتصف الليل ج٤ ꧂
ما الذي يحدث لي؟ ولماذا أنا؟! هل المشكلة في هذه الشقة الملعونة أم أن خللا عقليا قد أصابني؟!
أفكر جديا في مغادرة هذه الشقة ولكنني أشعر أن شيئا يربطني بها... شيء خفي يتغلغل في راسي فيحكم سيطرته على عقلي... من هؤلاء الذين أراهم فيها؟ هذا الرجل الغريب يحيرني، يخيفني لكنني لا أبغضه، أفكر فيه ليل نهار كأنما استولى على روحي وعقلي، يتلبسني كشيطان أو كثعبان يلتف حول فريسته ليلتهمها، وأنا مستسلم له، اتبعه كالمسحور ولا أجد رغبة في مقاومته، كنت أسير بغير هدى بعدما خرجت من المقهى، رحت أمشط الشوارع كمن يبحث عن شيء فقده، لم أشعر بالوقت ولم أنتبه للأماكن، نظرت حولي فإذا الليل قد جَنّ وكسى الشوارع بظلمته الكئيبة، حملتني قدماي إلى مكان بعيد، لا أعرف كيف وصلت إليه سيرا، لم أشعر بآلام السير ولكنني شعرت بغربة المكان، غربة ممزوجة بخوف ورهبة، وجدتني أقف على طريق سريع والظلام من حولي لا يقطعه إلا مصابيح السيارات التي تمر بين حين وآخر بسرعة كبيرة في كلا الاتجاهين. رأيت بعض الابنية المتناثرة هنا وهناك، لمحت على امتداد بصري مبنى كبيرا و كئيبا، تنبعث منه بعض أضواء صادرة من كشافات كبيرة مثبتة على السور العلوي له، لم أتبين بالضبط عدد طوابقه، ثلاثة أو أربعة طوابق على الأكثر، سرت نحوه بثبات كأنما أعرف وجهتي، المبنى محاط بسور مرتفع، مررت من البوابة الحديدية الكبيرة التي ظننتها مغلقة حين اقتربت منها ولكنها انفتحت بيسر وسهولة عندما دفعتها، سرت بخطوات أقل ثباتا على الممر المرصوف... أعرف هذا الممر، وقع خطواتي عليه يشعل في ذاكرتي وميضا لصور مخيفة تبرق أمامي مع كل خطوة أخطوها وسرعان ما تختفي لتبرق أخرى، صورة رجل هزيل بين رجلين ضخمي الجثة يجرانه جرا، صورة آخر معصوب العينين، وآخر مغطى الرأس بكيس من قماش أسودا ومقيدا بالسلاسل، يسوقه إثنان نحو مكان ما، يقبض كل واحد منهم على ذراع وهو بينهما كدمية مسلوبة الإرادة، أسمع صوت احتكاك حذائه بالأرض ممزوجا بنقرات حذائي آسريه، نقرات خشنة... غليظة ومتعجلة كوقع أقدام الخيل على أرض صخرية.
سرت خلفهم أو معهم... لا أدري، ولكن ما كنت أدريه حقا هو أنني أرى وأسمع كل شيء.
صعدت سبع درجات ثم سرت خمس خطوات قبل أن أصل إلى باب زجاجي انفتح بمجرد أن وقفت أمامه، الباب يفضي إلى ممر طويل و مبلط ببلاط أسمنتي كئيب، حجرات كثيرة عن اليمين واليسار تفتح أبوابها في الممر، لكن جميع الابواب كانت مغلقة ومعلق على كل واحد منها لافتة صغيرة، أعلم وجهتي جيدا... إنها الحجرة القابعة في نهاية الممر... في المواجهة، انفتح الباب فرأيت الرجلين الضخمين واقفان كتمثالين وبينهما الأسير المقنع، أمامهم مكتب فخم عريض يجلس خلفه رجل ببزة سوداء أنيقة... تحتها قميص أبيض وربطة عنق سوداء، جلس على كرسي دوار مسندا ذراعية على مسنديه وشبك بين أصابعه وراح يتأرجح بهدوء يمينا ويسارا، كان ينظر نحو الرجل المقنّع بتشف واحتقار، أمعنت النظر في وجهه، كنت أعرفه... إنه... إنه... إنه الشاب الثلاثيني، ذلك الشاب الوسيم الذي تشاجر معه جاري الغامض، لكنه الآن لم يكن وسيما... كان مخيفا! لا يتكلم.... كلامه مجرد إشارات للرجلين وهما ينفذان، أشار لأحدهما أن ينزع الغطاء عن رأس الأسير فنزعه... شهق الاسير شهقة عميقة كأنما قد أوشك على الاختناق ثم نجا، كان معصوب العينين... وأنا اتجول في الحجرة بحرية ولا أحد يأبه لي، أصابني الذهول عندما وقفت قبالة الأسير ونظرت في وجهه، كان هو... جاري الغريب... لكنه... لم يكن مشوه الوجه....
#امل
#يتبع
#مجتمع
#لآلئ_اليوم
@المتابعون

14