في عُزلتي، في مَنفايَ الاختياري، فوق صَخرتي،
أُراجِعُ نفسي، وأُعيدُ ترتيبَ أركانِ ثَباتي...
وكما الأمسِ، كانَ اليومُ، وانتهينا،
ولم نَعُدْ من حيثُ أتينا،
وغدا الأمسُ القريبُ بعيدًا عن ناظرينا.الابتساماتُ رِياء، والهمساتُ مَرَاء،
ومضينا؛ كلٌّ على دَرب، كلٌّ بلا قلب...
فرحماك يا ربَّ الملائكِ حينَ يَحِنُّ،
وحينَ يَجِنُّ، وحينَ يذوبُ ضعفًا وانكسارًا،
واختلفَ الطريقُ في خُطوتينا.
يا بحرُ!
مَن علّمكَ تَجرح؟
مَن علّمكَ تَغدر؟
مَن علّمكَ تَخون؟
لم تكنْ كذلك من قبلُ، ألم تفعل؟!
لم يعرفكَ أحدٌ مثلي، ولم تَرَكَ عينٌ مثلَ عيني...
ظلالٌ رماديّة، ونَسَماتٌ تُحيطُني،
تارةً تُهدهدُ روحي، وتارةً تَصرخُ بي...
لا تُحاولْ إخافتي منك، يا بحرُ!
ثم رأيتُهُ يسيرُ على غيرِ هُدى، شارِدًا،
تسرقُهُ أفكارُهُ عن خلودِ اللحظة، وخفوتِ اللهفة، وبقاءِ الذكرى...
لم يَرَني بعدُ...
لماذا أنتَ هنا الآن؟
فكلّما حاولتُ الانتهاءَ منك، وجدتُكَ أمامي،
تُحطّمُ دفاعاتي، وتكسرُ حواجزَ كبريائي...
بقيتُ مُطمئنةً فوقَ صَخرتي،
أسترقُ أنفاسَ البحر، وأحتفظُ بهِ في داخلي،
كي أكونَ قويّةً مثلَه، وأُخبّئ بقايا حُبّك عميقًا في غياهبِ ذاكرتي...
ثلاثمائةٍ وخمسةٍ وستّينَ يومًا من الاشتياقِ والاحتراق،
حتى ما بقِيَ لي غيرُ مرارةِ الفقد، ووجعِ الانتظار، ولوعةِ الفراق...
بعضُ المشاعرِ قاسيةٌ في وصفِها، موجعةٌ في التعبيرِ عنها...
ثم التقتْ وجوهُنا،
الشفتانِ جامدتانِ في خطٍّ مستقيم، تخنقُ الكلماتَ بين طرفيها،
تختنقُ الأنّاتُ في الصدر، تحتبسُ الدموعَ عن الثورةِ في محجريها...
ثانيتانِ فقط، وتوقّفَ الزمنُ، ثم التفتُّ وهممتُ بالمسير...
تجاوزَ هو الخطوةَ المستحيلة،
وأطبقتْ أصابعهُ الفولاذيّةُ على ذراعي، تمنعني، تُوقفني، تزرعني مكاني على رمالِ البحر...
يقولُ بوجعٍ: أين كنتِ؟ وأين ذهبتِ؟ وكيفَ اختفيتِ؟...
يحرقُهُ الندم، ويقولُ: ألا تعلمينَ أنّكِ روحي؟ عودي إليّ...
قلتُ دونَ أن أستدير: أنتَ نرجسيّ، وأنانيّ بكلّ نبضةِ قلبٍ فيك...
وما بين طرفةِ قلبٍ وانتباهتِها، غادرتُهُ بكبرياء،
يرسمُ علامةَ تعجّبٍ كبيرةً على وجهِه؛ أن كيفَ تبدو بهذه القوّة، بعدَ كلّ ما حدث!...
وابتعدتُ حتى انتهتْ ظلالُهُ منّي...
ما زالَ حتى الآن يُراقبُ آثارَ خطواتي،
ما زالَ ينتظرُ الوهم!...
لكنّني لم أعدْ أعيشُ الوهم!...
#قارب_بلا_شراع#رسايل_البحر#رسايل_اللاڤندر#مقهى_الخزامى#أوراق
أنت أيها الكاتب المجنون
تدور الكلمات في رأسك كدوامةٍ لا تنطفئ،
حائرةٌ، ثائرةٌ، خطيرةٌ،
تشدّك الحروف إلى سجنها،
ترفعك حيناً، وتكسرُك حيناً،
كأنك روحٌ حبيسةُ أبجديةٍ لا ترحم.
الانكسارُ راحةٌ زائفة،
والسكونُ غفوةُ هروب،
لكن الهروب جبنٌ،
والجبنُ لعنةٌ لا تُغفر.
رحماك يا ربّ الملائك،
حين يحنّ القلب،
حين يجنّ العقل،
حين يذوب الضعفُ في صمتٍ وانكسار.
من قال إن الكاتب لا يعيش بطله؟
بل هو ذاك البطلُ اللعين،
الذي يستأثر بروح خالقه،
يستدرج أناته،
حتى يفرغ الحبرُ آخر قطرةٍ من صبرٍ وصمتٍ واشتياق.
أيها الليل، لماذا لم تكن الوقت كله؟
كيف نكسو النهار بأستار الظلام؟
كيف نلبس الشمس أثمال الليل؟
كيف… كيف…
يكفيك هذا أيها الكاتب،
يكفيك هذا الجنون،
فأنتَ الحبرُ والجرح،
أنتَ الليلُ والنهار،
أنتَ الغريبُ الذي يكتب نفسه حتى الفناء.
#رسايل_الحبر#رسايل_اللاڤندر#مقهى_الخزامى#أوراق_التوت