معَ انطفاءِ آخرِ بريقٍ للمدينةِ، حلَّ السكونُ والظلامُ، وهدأتِ الأرواحُ من صخبِ الحياةِ. استلقى على سريرهِ مثقلاً بغصةٍ مريرةٍ وشهقةٍ مكتومةٍ في صدرهِ، أخفاها طويلاً خلفَ قناعِ الصلابةِ، بعدَ أن أنهكهُ الصمودُ وأعياهُ جفاءُ البشرِ.
تسللتْ يدٌ خفيةٌ نحوِ رأسِهِ تداعبُ خصلاتِ شعرِهِ، كأنها تغزلُ خيوطاً من ضوءِ القمرِ؛ فتسربتِ السكينةُ في عروقِهِ، فأسندَ رأسَهُ المتعبَ على كتفِ المساءِ مستسلماً لعلهُ يجدُ الأمانَ.
ارتعشَ جسدهُ عندما سمعَ همساً يقولُ: " إنَّ شيبَ رأسِكَ ليسَ قيداً للعمرِ، بل هوَ امتدادٌ لضيائي فاسترحْ".
وانسابَ صوتٌ عذبٌ يتغنى بشيبهِ المنسابِ، وشعرَ بيدٍ تسري برفقٍ على جبهتهِ التي كانتْ كلوحٍ من الطينِ العتيقِ، خطَّ عليهِ الزمانُ تفاصيلَ معاركهِ الصامتةِ.
فهدأَ قليلاً وأحسَّ بشعورٍ دافئٍ عجزَ عن تفسيرهِ، فأدركَ أنَّ كفَّ الليلِ العطوفَ استقرتْ برقةٍ على ملامحهِ المتعبةِ، التي غدتْ ودياناً جفتْ فيها دموعُ الخيباتِ، فنفذَ الحنانُ عبرَ مسامهِ ليمتصَّ تفكيرهُ الشاردَ، فتحررتْ شهقتهُ المكتومةُ بتنهيدةٍ أزاحتْ عن كاهلهِ ثقلَ السنينِ.
فهمسَ الليلُ بهدوءٍ: "ضعْ أوزارَ النهارِ جانباً، واخلعْ رداءَ القوةِ، لستَ مطالباً هنا بأن تكونَ قوياً".
فتسارعتْ نبضاتُ قلبهِ باضطرابٍ مجهدٍ، تصارعُ رهبةَ المسؤوليةِ وتقاومُ السكينةَ، فانحنى الليلُ إليهِ أكثرَ وتكلمَ في أذنهِ بهمسٍ دافئٍ: "اترك همومكَ لي، ونمْ كطفلٍ آمنٍ، فنبضكَ المتعبُ تحتَ حراستي، وآلامُ جسدكَ ستبرأُ في حمايَ، لا تخفِ العتمةَ ما دمتُ ملاذكَ".
تراجعتْ دقاتُ قلبهِ لتتباطأَ وتهدأَ متناغمةً معَ إيقاعِ الطمأنينةِ، وكأنَّ يدَ أمهِ تطبطبُ على صدرِهِ. ومعَ ترانيمِ الليلِ الشجيةِ وأحاديثِ الودِّ النقيةِ، سالتْ من عينيهِ دموعٌ دافئةٌ غسلتْ ألمَ السنينِ، فارتمى بحضنِ الليلِ آمناً معافىً، وغفا مطمئناً هادئاً.
ومعَ تسللِ خيوطِ الفجرِ الأولى، بدأتْ عتمةُ الليلِ تتلاشى برقةٍ، تاركةً خلفَها نسيماً بارداً يمسحُ وجهَ المدينةِ المستيقظةِ. انقشعَ سوادُ المساءِ، لكنَّ الدفءَ الذي غمرَ روحهُ لم يرحلْ؛ فقدِ استيقظَ وفي صدرِهِ خفةٌ لم يعهدْها منذُ سنينَ، وكأنَّ حضنَ الليلِ قدِ امتصَّ كلَّ انكساراتِهِ. نظرَ نحوِ النافذةِ، فرأى ضوءَ الصباحِ يغزلُ خيوطاً ذهبيةً تمسحُ بقايا الظلامِ عن جدرانِ غرفتهِ، فأدركَ أنَّ تلكَ الليلةَ لم تكنْ مجردَ نومٍ عابرٍ، بل كانتْ هُدنةً صادقةً تصالحَ فيها معَ تعبهِ. تنفسَ بعمقٍ، ولأولِ مرةٍ منذُ وقتٍ طويلٍ، لم تكنْ تنهيدتُهُ حسرةً، بل كانتْ تحيةَ سلامٍ ليومٍ جديدٍ، استقبلَهُ بلا قناعِ القوةِ المزيفةِ، بل بروحٍ صلبةٍ نبعتْ من عمقِ السكينةِ التي ارتوى منها.
#سوسن_عبد_الحميد#مجتمع