قراءة في رواية الشارع 22
للشاعر مظهر عاصف
بقلم: ميساء المومني
...............................
إنّها رواية مائزة حقًّا، هي من النوع الفاخر الذي حالما تنتهي من قراءتها تلتبسُك قشعريرة الدهشة، متمثلّة بقولك: يا الله...!!
برأيي إن أكثر ما يؤرّق أيَّ كاتب حين انتوائه فعل كتابة الرواية، ليس الفكرة وحسب، بقدر ما يُحيّره الباب الذي سيلُج منه إلى فِكر المتلقي وذائقة القارئ.
هكذا مهّد الكاتب مظهر عاصف لروايته الشارع 22 بعبقريّة غير مسبوقة، بأن جعلها تجيء على لسان شخص مجنون، يحمله البحر إلى الشارع 22، كي يفرغ ما في جعبته من أحداث رواية عظيمة ثمّ يعود من حيث أتى. ويكأنه بذلك يعتذر للقارئ عمّا سيصطدم به أثناء القراءة من قِطع مبعثرة وشخوص عدّة، ما يجعله يستغرق في الرمزيّة أو الإشارة بشكل صريح إلى ما لا يحبذ ذكره العقلاء، ناهيك عن بعض انتقادات يصيب بها لبّ الواقع دون مواربة، مثلما أتى على ذكر حال المثقفين ودور النشر في هذا الزمان. إضافة إلى بصمة الكاتب المميزة التي يكون فيها اسم الكاتب الصريح مظهر عاصف وشخصه عنصرا فاعلا في معظم أعماله الأدبية.
يستهل الكاتب روايته بشخصيّة رملة ابنة الراعي دلالة على دورها المحوري وأهمية ما تمليه شخصيّتها المركبة في تطور أحداث الرواية وما يتبعها من إسقاطات عدة، حيث أنّها رمز للّائي يتخذن من الجمال جسرًا للوصول ومن الأرقام معادلة ثابتة ونتيجة قاسية تُقيلُ من أمامها كلّ عائق لا يخدم الإجابة المرجوّة. فضلًا عن علاقتها العجيبة بالرسم ولوحاتها التي كانت بمثابة واقع يتشكل تحت وقع فرشاتها وحمأة الألوان، ما كان له أكبر الأثر في ميل الشخصية فيما بعد إلى ناحية الوعي والاتزان.
أمّا والدها الراعي فتلك الشخصيّة الغامضة التي آثر الكاتب على إبقائها صامتة، على اعتبار أن ما يُعمِله الصمت من أثر في مجريات الرواية أبلغ مما قيل أو قد يُقال. والذي يقابله على الضفة الأخرى "بكلّ شروره وفجوره" شخصية المُقعد. الطاغية الذي أغرق الدنيا منذ ولادته بكل صنوف الشر والفساد. حيث يطول به البقاء حتى آخر رمق في الرواية وما بعدها إلى ما لا نهاية، رغم الفرص التي فشلت والمحاولات المتكررة للخلاص منه.
هكذا تأتي الرواية على لسان شخوصها بترتيب معقول يخدم جو النص والفكرة والزمن. لذا أنصح قارئها بقراءة متسلسلة مترابطة تُبقيه على تذكّر، واتصال مع تفاصيل الأحداث ورؤية الكاتب.
تتمحور الرواية في ثلاث فترات زمنية تدور حولها الأحداث: قبل سقوط النظام، وبعد سقوط الرئيس المنتخب وسيطرة النظام الجديد، ثمّ حكومة الإنقاذ الجديدة والانقلاب. ولك عزيزي القارئ أن تتخيّل حجم الفوضى وفلسفة الأفكار وغرابة الأحداث التي ستقترن بكل هذه الحيثيّات.
أما عن لغة الكاتب، أجدها قد تشكّلت بما يلائم الحالة والموقف واعتبارات الشخوص، لا سيّما لغة الشارع، لغة العقلاء والمجانين، لغة الفقراء والمتسيّدين، لغة الشعراء والمثقفين، انتهاء بلغة التّناص والتّأثر التّراثي الواضح مع أسلوب ابن المقفّع في "كليلة ودمنة" حيث تُتخذ الحيوانات أقنعة لتمرير رسائل سياسية واجتماعيّة مغلّفة. كما ورد في أكثر من موقع تناص قرآني أعاد تشكيله الكاتب ليعبّر عن واقع روايته بالفعل مثل: (فرّت من قسورة) وغيرها.
وما يُثري أيّ عمل أدبي، كما في رواية الشارع 22، أن يشحنَ الكاتب مصطلحات عدّة بإسقاطات رمزيّة تعكس واقع الشارع 22 والذي هو بحدّ ذاته أحد هذه الرموز. فمثلا أن تجيء الرواية على لسان مجنون، المُقعد، صمت الراعي، ميدان الميادين، الطيور الحبيسة، الكلب الوفيّ، والكوخ في الغابة الذي لم يعد يدلّ على معناه المُعجميّ بقدر ما كان يمثّل قيمة العودة والرجوع إلى الذات والسكينة الروحيّة، حيث انتحت إليه شخوص الرواية لغاية في نفس الكاتب، تخدم الهدف المنشود.
زهران، نيروز ، مايا، الشاعر، متروك، غاسنة، جود، المجرم فقوس، الأشول، رداد (المعجزة)، المحقق، حزام، بندق، أم وضاح، البروفيسور نذير البار وأمه مهدية.. وغيرهم الكثير. كلّ شخصية منهم لم تأت عبثًا بل جاءت إسقاطا رمزيّا وتكثيفا بحدّ ذاتها.
أما عن النّهاية فقد لجأ الكاتب إلى تقنية تعدّد الخواتم، ليضع المتلقّي أمام مفترق طرق دلالي. حيث تتأرجح روايته بين أفق النهاية السعيدة الحالمة وصدمة الواقع القاسي التي كشفت عمق المأساة الوجودية، ورغم ما تحمله النهاية الثانية من صدمة وخذلان، نجد أنّها جاءت بطابع فكاهيّ ساخر على لسان حيوانات ومجنون آثر ألّا ينجرف خلف العقلاء مرّة أخرى.
عبارة أعجبتني:
«عندما عومِلتُ كعاقلٍ لأوّلِ مرَّة في حياتي، وجدتُ نفسي في السِّجن» بُرعم
#ميساء_المومني
#مجتمع
#رواية_الشارع_22
#مظهر_عاصف