(مذكرات عضو لا أحد يستأذنه)
(1)
أنا القلب.
نعم، ذاك الكائن الذي يتغنى به الشعراء، ويطعنونه أولَ مَن يطعن.
الذي يضعونه في خطاباتهم، ثم يرمونه على قارعة الصدر كقميصٍ قديم.
في البداية كنتُ أؤمن.
أؤمن أن دوري نبيل: أن أحب، أن أغفر، أن أتألم وأظل أطرق جدران الضلوع مثل شاعر سجين.
لكنهم نسوني.
نسيَني هو...
ذلك الذي يسكنني.
**
(2)
اسمه كان "نبض" — يا لسخرية الأقدار.
وكان يمشي بي في طرقات مدينةٍ بلا قلب.
كنتُ أصرخ فيه:
– «احذر، هذه المدينة لا تحب القلوب!»
فيضحك، ويقول:
– «أنت خائف... أنت دائماً خائف.»
كنتُ أعرف.
المدينة منظمة حدَّ الجفاف.
الناس فيها يزرعون أنفاسهم بزاوية قائمة، لا يرتبكون، لا يخجلون، لا يحلمون.
حتى النوافذ فيها لا تفتح على شيء.
لكنه كان مؤمناً بي.
وكان هذا أسوأ ما فعله بي.
**
(3)
عرفَ امرأةً، قالت له:
– «أحبك.»
همس لي:
– «أرأيت؟ العالم لا يخون دائماً.»
صَرَختُ فيه:
– «إنها لا ترى إلا صورتها في عينيك. ستحطمك حين تمل.»
لكنه فتح نوافذه كلها لها، وتركها تنام على وسادته.
حتى اسمي — قلبي — كتبه على راحة يدها.
ثم خانته.
خانته بكامل أناقتها.
ابتسمت له وهي تخونه، كمن يقدّم كأسَ سمٍّ في وعاءٍ من كريستال.
ولما بكيتُ، قال لي:
– «اصمت... لا تكن دراميّاً.»
**
(4)
بعدها، قرر أن يتغير.
قال لي:
– «لقد نضجتُ.»
لكن ما فعله لم يكن نضجاً... كان خيانةً مضادة.
خيانة من طراز جديد: أن تخون قلبك كي لا يخونك أحد.
صار يمشي مثل الآخرين.
ينام في المواعيد.
يحب دون أن يتورط.
يضحك دون أن يفرح.
ويتركني أنزف في صمت، كرسالةٍ لا يفتحها أحد.
**
(5)
وفي يومٍ أخير، قال لي بهدوء:
– «سأُخرجك.»
– «تُخرجني؟»
– «نعم. سأكشفك للناس. ليعرفوا أنك لست عاراً ولا خطأً.»
وفتح صدره أمام المدينة، ورفعني كرايةٍ حمراء في عالمٍ أبيض ميت.
ارتعبوا.
بعضهم هرب، بعضهم بكى، والبعض بصق نَحونا وقال:
– «مجنون.»
لكن طفلةً واحدةً فقط، جاءت ولمستْني. وقالت:
– «أشعر بدفءٍ يشبه حضن أمي.»
لأجل تلك اللمسة... سامحته.
**
(6)
وبعدها، مُتنا.
أنا وهو.
معاً.
لكن المدينة تغيّرت.
صارت ترتبكُ أكثر.
تضحكُ دون سبب.
تتأخرُ عن العمل لتبكي في الحدائق.
صار الناس يشعرون بشيءٍ صغيرٍ ينقرُ داخلهم.
يسمونه أحياناً "الحنين"، وأحياناً "الخوف الجميل"، وأحياناً لا يجرؤون على تسميته.
لكنني أعرف مَن أنا.
أنا القلب الذي خانه صاحبه...
ثم أحبه في النهاية، كما يُحب الذاهبون إلى الموت أعينَ الذين لا يودعونهم.
••••
#وضاح_حاسر