حين صرتُ مدمناً
اكتشفتُ أنني مدمن في سنة مبكرة جداً..
كيف عرفتُ ذلك؟ حين غاب المُنتجُ عني، فوجدتني أصاب بصداعٍ رهيب، دقات قلبي تتزايد بشكلٍ مضطرد، أبحث في كل مكانٍ عنه، عن رائحته أو شيءٍ يشبهه، حتى أجده، فأقوم بإعداد كأس واحدة لي بمزاجٍ وعلى نار هادئة مهما بلغت نيران قلبي اشتعالاً من الشوق أو الرغبة.
أحرقني مرة حتى كاد يشوي صدري فلم أبتعد عنه، لسع لساني عدة مرات، فما ازددتُ منه إلا اقتراباً..
بعد عدة أعوام من شرب الشاي بانتظام، وفي إحدى مراحل دراستي الإعدادية، جلستُ في عزاء أحد أقاربي، في الخيمة التي يعدون بها القهوة الخشنة، لغليها بالحلل الكبيرة الموضوعة على النار أمام باب الخيمة.
كنتُ قد أشعلتُ النار بنفسي، بطلبٍ من الحاج محمد، وهو رجلٌ طاعنٌ في السن يقرب لأمي قرابة لا أفهمها تحديداً، فكل ما كان يهمني في الناس، هل هو قريب؟ ومن أي جهة؟ أما التفاصيل التي تخبرني أنه ابن خال عمة أمي فهذا كان يجعل عقلي يضطرباً وأنا مضطربٌ للحد الذي يكفيني تماماً.
رأيتُ القهوة كيف تطحن، شاهدتُ جمال الحبة الشقراء وهي تخلط بالسمراء جداً، شاهدت امتزاج اللونين وما يصنع من بهاء، شاهدتُ الهيل الذي يشبه الملاط الذي يجمع نوعي القهوة معاً، أو المأذون الذي يزوِّج حبيبين، أو القطار الذي يعود بمغتربٍ إلى الوطن.
ثم إني راقبتُ هذه الخلطة السحرية بصبرٍ وتأنٍ، وشاركتُ في إعدادها بتوجيهات الحاج محمد، ثم، وبعد برهةٍ من الزمن، تناولتُ أول فنجان قهوة في حياتي، فوقعتُ في غرامها على الفور.
مرَت الأعوام وأنا أسيرٌ لها، أعدها بانتظامٍ لمرتين في اليوم على الأقل، أتجاوز هذا الرقم كثيراً، لكن مرتين في اليوم هو الحد الأدنى الذي يحفظ لعقلي اتزانه، ويضمن ألا أصاب بالدوار والصداع والحنين.
إذا ما افتقدتها في الشارع أبحث كالملهوف عن أحد المحلات حتى أجد من يعدها ببراعة، أجملهم كان شاباً بهي الطلعة أمام مستشفى الشفاء مباشرة، بسطته صغيرة متواضعة لا يقربها الأثرياء، يُعد القهوة على نارٍ هادئة، وبغلايةٍ صغيرة تكفي كأساً واحدة فقط، حتى لو طلبتُ منه كأسين أو ثلاثة لصديقٍ أو صديقين معي، وينتظر أن تغلي القهوة على النار بهدوء ثم يبدأ في سكبها في القدح وهي تغلي، حتى تفرغ من إنائها وتنتقل بقدرة قادر إلى الكأس الظامئة لها.
في إحدى المرات قادتني قدمي إلى مقهى متواضع صغير كراسيه عالية تشبه كراسي البارات، يقدم القهوة والعصائر فقط، كان الصداع يجتاح كل خليةٍ من خلاياي، جسدي يرتجف كقطعةٍ في مهب إعصار، أريد الحصول على جرعتي اليومية من القهوة قبل فوات الأوان، أمام الشاب الذي يعتبر صاحب المقهى والعامل الوحيد فيه، تقف فتاةٌ تعطيني ظهرها، اقتربت بقوة الملهوف، قلتُ للفتاة في غلظة: لو سمحتِ يا آنسة.
فالتفتت لي، تراجعت للوراء قليلاً، وقالت دون أن تنظر في عيني: تفضل.
لم تتذمر أو تقولها بعنفٍ كما يفترض، بل برقةٍ وصوتٍ حنون كممرضةٍ استشعرت نوبة جنون من مريضٍ نفسيٍ تشرف على حالته شخصياً.
نظرتُ لها، كانت قصيرة إلى حدٍ ما، لكنها تلبس كعبين تقف عليهما كراقصة باليه محترفة، شعرتُ أنها طويلة جداً، حتى أنها تنحني قليلاً لئلا تلمس السقف بهالتها، فستانها أبيض فوق درجات احتمال اللون الأبيض، على جيدها حزامٌ بلونٍ أخضر فيروزي، حذاؤها كان بنفس اللون، منديلها أيضاً بنفس اللون ومحكمٌ حول رأسها بالطريقة التركية الشهيرة، عيناها واسعتان قليلاً، برموشٍ رفيعة حادة كأنها سيوفٌ قاتلة، وجهها يميل الى الاستدارة، يشبه وجه طفلة، خداها قطعة بسكويت، بشرتها سمراء كالقهوة الشقراء، شفتاها لوحةٌ لفان جوخ، شعرتُ بموسيقى تجتاح المكان، كأنها بحيرة البجع، وهنا تحول المكان إلى دلة قهوة، صاحب المكان صار هو تشايكوفسكي الذي يعزف سيمفونيته الخالدة، أو الهيل الذي يمزج نوعي القهوة معاً، أو هو القطار الذي يعود بي إلى الوطن.
لم أتجرأ على التحدث معها، لذا قلت للسيد هيل شخصياً: قل لها أن تأخذ طلبها.
فقالت الفتاة بأجمل صوتٍ سمعته في حياتي: لا لا أخبره أن يأخذ ما يريد إن كان مستعجلاً.
صار منظرنا سخيفاً أمام عيني الرجل، خصوصاً حين قلتُ له: أخبرها أني سأعتذر عن أسلوبي بعزومةٍ على فنجان قهوة الآن، وهنا.
فقالت له: أخبره أنني أقبل.
جلسنا على الكراسي الطويلة أمام ابتسامة السيد هيل الذي شاركنا الحديث كأنه ابن خالتي، ساعة كاملة لا أعرف كيف مرت، ثم وجدتُ أنني صرتُ أسيراً لصنفٍ جديد، يومها، وإلى اليوم، بِتُّ أعرف أن إدمان القهوة لعِب أطفال، أمام إدمانك لأنثى.

1 مشاركة36 مشاهدة