يوميات لطيفة بنت الأزعر
الحلقة ٢ (شعر الحلمنتيشي)
تذكرون لطيفة بنت الأزعر؟
اليوم لطيفة أخبرتني أن مستواها صار أفضل، قدمت لي قصيدة لطيفة مثلها، تقول في مطلعها:
كيف تبدو السماء جميلة.. كيف تبدو السماء؟
أنت فجري والعيون والمروحة الجديدة التي تأتي لنا بالهواء.
أنت حبي الوحيد وطنجرة الكهربا وفرن الطينة وسيارة الماء.
وتحت هذه الأبيات تشكيلة جميلة من الكلمات التي تنتهي بالألف والهمزة (مساء، دعاء، رواء، بهاء، أمعاء، أثداء، إغماء... إلخ).
قلت لها: إذن أنت تكتبين هذه الكلمات ثم تلبسينها كلامًا آخر.. هوب.. كتبتِ قصيدة عمودية..
هزت رأسها فرحًا كأنها حررت عكا.. قلت لها:
هذه المحاولات تجعلك تبدين كالطفلة، عليك أن تبدين أكثر عمقًا..
قالت: وكيف أفعل؟
ولما قالتها مالت عليّ حتى شممت عطرها، وتقريبًا التصق صدرها بكتفي الأيمن.. فابتعدت عنها بضعة سنتيمترات لأحتفظ بما تبقى من اتزان بي.. قلت:
كاتبة مثلك لا يمكن أن نخترع لها عقلًا جديدًا.. عمقك معروف سلفًا..
قالت همسًا: وكيف عرفت؟
يا مجنونة.. قلت وأنا أبتعد أكثر.. نحّي أنوثتك الفاجرة هذه قليلًا.. لن تستطيعي أن تضعي صورتك في كل مكان تنشرين به شعرًا.. مهما كنتِ جميلة ما سيبدو منك هو كلامك فقط.. خصوصًا لو لجأتِ للجرائد والكتب الورقية..
أخرجت لي مجلة تدعى «ذباب الأدب» أو شيء من هذا القبيل لتثبت لي كذب أعدائي، وفي صدر الصفحة الثقافية صورة لها حيث يبدو النصف العلوي من جسدها، صدرها يكاد يمزق الصفحة الثقافية ليخرج من المجلة كلها، بينما نسي المصور، على ما يبدو، إظهار وجهها بالصورة..
كانت الصورة تحتل ثلاثة أرباع الصفحة، والربع المتبقي فيه مانشيت كبير: كتبت الشاعرة لطيفة بنت الأزعر.. ثم قصيدة من ثلاثة أبيات فقط، على نفس القافية الألف المهموزة، بحيث تبدو قصيدة السماء آنفة الذكر بالنسبة لها كأنها معلقة.. لم أستبعد لو وجدت كلمة تبدأ بالخاء والراء قبل الألف والهمزة.. بل إن هذه الكلمة تصلح لتكون عنوان القصيدة أيضًا..
قالت لي: علمني كيف أكون عميقة..
نظرت إلى عينيها فلم أجد عمقًا.. كيف أعلم من لا يفقه في الشعر كيف يكتب؟
حسنًا... ما رأيك أن تبدئي بالكتابة عن الحرب.. دائمًا ذكر الحروب والرجال الذين يذهبون ولا يعودون يوحي بالعمق، قولي مثلًا: حين عاد من الحرب يحمل جثته، كانت امرأته قد تركت الفراش الوثير إلى حضن رجل آخر.
هكذا توحين بالعمق، وتثيرين مشاعر الغضب من الخيانة، وبنفس الوقت الحديث عن الحروب موجع.. كل مواطن عربي لديه خوف من الحروب، وتؤثر فيه وتبكيه.. يجب أن يبكي من يقرؤك..
تقافزت كأنها طفلة تلهو بلعبة، قالت: فهمت فهمت.. كيف أكون عميقة أكثر..
قلت لها: اكتبي عن المتناقضات، أكثري من الكلمات غير المفهومة، لوني قصيدتك بكلمات تثير حفيظة الناس، مثلًا: الدورة الشهرية، هذه توحي بالعمق، اكتبي كذلك عن الفضاء الأرجواني الباهت، عن الأرض التي تخرج أجساد الأموات، السماء التي تميل للزرقة، الطفلة التي تلهو بجثة أبيها، اكتبي ما لا يفهمه الناس، أكثري من ذكر كلمة مجاز، تحدثي عن نفسك بصيغة الغائب: قولي أخذتني في نزهة، دللتني، قبلتني، حملت ذراعي ورميتها في المرحاض، حكيت لي قصة قبل النوم حتى نمت بين ذراعي، متُّ فحملتني ودفنتني.. هكذا تبدين كأنك شاعرة لم يخلق الله مثلها.. بدون اللجوء لصور أنوثتك مطلقًا.. كثير من الشعراء الذكور يفعلونها.. يسمونهم شعراء الحيض، ويكتبون في مجلات طبية معتبرة.. أدبية أقصد..
لم تفهم لطيفة هل أسخر منها أم أعطيها نصائح حقيقية، ولم أفهم أنا نفسي لماذا لا أكتب مثلهم طالما الطريق معروفة لي هكذا.. لكن لطيفة لم تكذب خبرًا، بعد شهر كانت صورها في الفضائيات تستلم المركز الأول في مسابقة للشعر، عن قصيدة بعنوان: حائض بلا وطن.
قالت لطيفة:
حملت رأسي وسرت بلا هدى
حفرت في قلب الصحراء حفرة عميقة
عميقة حتى أنها ابتلعتني
وأنبتت بضع شجرات فوق سرتي تمامًا
لأن حبيبي حين عاد من الحرب
جثة هامدة
وجدني في أحضان أخيه الأصغر
وكان أبناؤنا يحملون أسماءً تبدأ وتنتهي بالمجاز
عند السماء القرمزية
وفوق شتلات من اللون الأزرق الذي يجتاحني..
حتى يبللني..
يبللني..
يبللني.
وكررتها كثيرًا، بينما أحدق في التلفاز ونتيجة المسابقة الأدبية بأسى. تبا.. لقد أوصلتها للفوز بمائة ألف دولار وأنا جالس في مكاني كالحمار.
#لطيفة_بنت_الأزعر#شعر
يوميات لطيفة بنت الأزعر
الحلقة(1) كيف أكتب.......؟
البداية
- بدي اصير كاتبة.
- طيب صيري.. انا ماسكك شي ؟
- بعرفش اكتب حرفين بلغة صح، بدك تعلمني.
- طيب هاي موهبة صعب تعليمها، ولو علمتك شو الفايدة.. احنا بنكتب من عشرين سنة ومش لاقيين حد يعبرنا او يطبعلنا، لا اعطونا عضويات فخرية بالجامعات، ولا استضافونا بمؤتمرات، ولا حتى عزمونا على أكلة شاورما مع أشبال الكشافة..
- طيب اسمع.. اعطيني اتلف حاجة انت كتبتها.. اشي انت مستعر منه وما بتتفاخر انك كتبته..
- استني اشوف.. لحظة.. لا مش الحلزونة .. الحلزونة انتحرت زمان.. في قصيدة كتبتها وبصراحة خجلت انشرها..تاخديها..
- سمعني اشوف..
- هذي العيون السود تنضح بالهوى... والحب في عرف الحبيب جمالُ
- هاي اللي انت مستعر منها يا متنبي.. لا بديش اياها.. هاي بتدل انك مثقف والجمهور بحبش يقرا للمثقفين ..
- طيب انا بقدرش اكتب الا هيك.. شو اعمل يعني..
- يعني ممكن نقول: هاي العيون السود خضرة بغرامك حبيبتي... لولا الملامة يا ناس.. كان اعطيتها كل اللي بجيبتي..
ممكن نقول: عيونك بتغري يا حبيبة.... بس بصراحة.. مش اكتر من الجيبة
- الله عليك.. انتي هيك الصحيح حتكسري موازين النقد، والاستاذ الدكتور فلان الفلاني حيكتب عنك دراسة نقدية ويشرح لطلاب الماجستير عن البلاغة والاعجاز في شعر لطيفة بنت الأزعر.. حتى اسمك على وزن شعراء الجاهلية.
- استنى لحظة.. انا بعتت البيت عالواتس لاعلامي صديق.. ومش عايزك تغار او تزعل بس لازم امشي لانهم حيستضيفوني في فضائية الفيل الثقافية..
- وبالنسبة للقصيدة بعتيها لحالها ولا مرفقة بصورة شخصية، وانتي حاطة جردل البوية على وجهك ومبينة خط بارليف اللي بحاجة لاقتحام ..
مالت لتقول في دلال:
طب ما تقتحم يا بطل!
رأت نظرة القرف في ملامحي فاستدارت بلا مبالاة وقالت وهي تعطيني ظهرها:
- يا باي عالغيرة.. اصلا لولا الغيرة ما حبلوا الرجال..
#ماتدقش#لطيفة_بنت_الأزعر#شعر
كان مهووسًا بها، وكانت مهووسة بالألغاز؛ لهذا لم يخبرها بشعوره مرةً واحدة... في الصباح أرسل لها باقةً من التوليب، وعليها حرف السين، وعندما جنَّ الليل أرسل عبارةً مشفَّرةً عبر الماسنجر، ثم استمر شهرين يرسل لها حروفًا مبعثرةً برموزٍ داخل كتب جول فيرن التي تحبها، وكلما اقتربت من فهمه اتسعت عيناها هلعًا، وكلما اقتربت من حل اللغز ارتعدت أوصالها أكثر؛ إذ استغرق شهورًا ليخبرها:
سأقتلك.. يا مجنونة.. إن لمسَكِ.. رجلٌ... غيري.
كان مهووسًا بها، وكانت مهووسة بالألغاز، وصارت بعد فك لغزه مهووسةً به فقط.
لا أعلم تحديداً متى بدأ الأمر معكِ.
كل ما هنالك أنني اكتشفت بمحض الصدفة، أن لديك هذه القدرة العجيبة!
كنتِ تسيرين في شارعنا في ذلك الصباح الذي أسميته بلون قميصك، هكذا أعرِّف الأيام، ليس سبتاً أو أربعاء، إنما يوم الفستان الوردي، يوم القميص الأخضر، يوم الشال البني، يوم الحذاء الأسود، المهم، في يوم القميص الأخضر مررت أمامي بالضبط في لحظةٍ تجمد فيها الزمن.
يخيل لمن يرى المشهد أنه حدث في لحظة عابرة، لكني أقسم أنه استمر طويلاً، خطوتك كانت بطيئة بلا رتابة، تمايلك كأنه رقص، وهذا الحذاء اللعين يحملك وحده، ولا يكف عن الابتسام.
نظارتك الشمسية على مقدمة رأسك، الحمد لله أنها لم تغطٍ عينيكِ، ولو فعلت لقتلتها.
ثم بدأتِ تتجاوزين النقطة التي التقينا فيها، نظرت خلفك فوجدت الورد ينبت على جانبي الطريق، ومن كل مكان لمسته كانت تسقط وردة، لم أصدق الأمر، ظننت أنه مجرد مجاز، فتبعتك كالمجنون في الطرقات، شاهدتك تضعين يدك على فتاة صغيرة تبيع البسكويت في الشارع، فتورد وجه الفتاة وزال عنها شحوبها، ذلك الفتى الذي ارتطمت دراجته الهوائية بسيارة متوقفة فهببتِ لمساعدته، شاهدتك تصرخين على صاحب السيارة الذي نهر الفتى بعباراتٍ قاسية، ثم أعدتِ له دراجته وساعدته ليركب عليها، لن تصدقي، لكن ما حصل حرفياً أن دراجته عادت جديدة، أما الفتى فقد زال انكساره وابتسم، وأعتقد أنه صار أطول قليلاً حين اعتدل تملأ الثقة عينيه، والحب أيضاً.
حين تبعتك في يوم الشال البني تأكدت لدي قناعاتي.
أنتِ أكبر من أن تكوني حقيقية، أعظم من أي أنثى، أجمل من كل فاتنة، أرق من أي انسانة، ربة الجمال والطيبة، وأنا مجرد انسان.
لهذا..
لم أعد أتبعك.
أحمد
حين صرتُ مدمناً
اكتشفتُ أنني مدمن في سنة مبكرة جداً..
كيف عرفتُ ذلك؟ حين غاب المُنتجُ عني، فوجدتني أصاب بصداعٍ رهيب، دقات قلبي تتزايد بشكلٍ مضطرد، أبحث في كل مكانٍ عنه، عن رائحته أو شيءٍ يشبهه، حتى أجده، فأقوم بإعداد كأس واحدة لي بمزاجٍ وعلى نار هادئة مهما بلغت نيران قلبي اشتعالاً من الشوق أو الرغبة.
أحرقني مرة حتى كاد يشوي صدري فلم أبتعد عنه، لسع لساني عدة مرات، فما ازددتُ منه إلا اقتراباً..
بعد عدة أعوام من شرب الشاي بانتظام، وفي إحدى مراحل دراستي الإعدادية، جلستُ في عزاء أحد أقاربي، في الخيمة التي يعدون بها القهوة الخشنة، لغليها بالحلل الكبيرة الموضوعة على النار أمام باب الخيمة.
كنتُ قد أشعلتُ النار بنفسي، بطلبٍ من الحاج محمد، وهو رجلٌ طاعنٌ في السن يقرب لأمي قرابة لا أفهمها تحديداً، فكل ما كان يهمني في الناس، هل هو قريب؟ ومن أي جهة؟ أما التفاصيل التي تخبرني أنه ابن خال عمة أمي فهذا كان يجعل عقلي يضطرباً وأنا مضطربٌ للحد الذي يكفيني تماماً.
رأيتُ القهوة كيف تطحن، شاهدتُ جمال الحبة الشقراء وهي تخلط بالسمراء جداً، شاهدت امتزاج اللونين وما يصنع من بهاء، شاهدتُ الهيل الذي يشبه الملاط الذي يجمع نوعي القهوة معاً، أو المأذون الذي يزوِّج حبيبين، أو القطار الذي يعود بمغتربٍ إلى الوطن.
ثم إني راقبتُ هذه الخلطة السحرية بصبرٍ وتأنٍ، وشاركتُ في إعدادها بتوجيهات الحاج محمد، ثم، وبعد برهةٍ من الزمن، تناولتُ أول فنجان قهوة في حياتي، فوقعتُ في غرامها على الفور.
مرَت الأعوام وأنا أسيرٌ لها، أعدها بانتظامٍ لمرتين في اليوم على الأقل، أتجاوز هذا الرقم كثيراً، لكن مرتين في اليوم هو الحد الأدنى الذي يحفظ لعقلي اتزانه، ويضمن ألا أصاب بالدوار والصداع والحنين.
إذا ما افتقدتها في الشارع أبحث كالملهوف عن أحد المحلات حتى أجد من يعدها ببراعة، أجملهم كان شاباً بهي الطلعة أمام مستشفى الشفاء مباشرة، بسطته صغيرة متواضعة لا يقربها الأثرياء، يُعد القهوة على نارٍ هادئة، وبغلايةٍ صغيرة تكفي كأساً واحدة فقط، حتى لو طلبتُ منه كأسين أو ثلاثة لصديقٍ أو صديقين معي، وينتظر أن تغلي القهوة على النار بهدوء ثم يبدأ في سكبها في القدح وهي تغلي، حتى تفرغ من إنائها وتنتقل بقدرة قادر إلى الكأس الظامئة لها.
في إحدى المرات قادتني قدمي إلى مقهى متواضع صغير كراسيه عالية تشبه كراسي البارات، يقدم القهوة والعصائر فقط، كان الصداع يجتاح كل خليةٍ من خلاياي، جسدي يرتجف كقطعةٍ في مهب إعصار، أريد الحصول على جرعتي اليومية من القهوة قبل فوات الأوان، أمام الشاب الذي يعتبر صاحب المقهى والعامل الوحيد فيه، تقف فتاةٌ تعطيني ظهرها، اقتربت بقوة الملهوف، قلتُ للفتاة في غلظة: لو سمحتِ يا آنسة.
فالتفتت لي، تراجعت للوراء قليلاً، وقالت دون أن تنظر في عيني: تفضل.
لم تتذمر أو تقولها بعنفٍ كما يفترض، بل برقةٍ وصوتٍ حنون كممرضةٍ استشعرت نوبة جنون من مريضٍ نفسيٍ تشرف على حالته شخصياً.
نظرتُ لها، كانت قصيرة إلى حدٍ ما، لكنها تلبس كعبين تقف عليهما كراقصة باليه محترفة، شعرتُ أنها طويلة جداً، حتى أنها تنحني قليلاً لئلا تلمس السقف بهالتها، فستانها أبيض فوق درجات احتمال اللون الأبيض، على جيدها حزامٌ بلونٍ أخضر فيروزي، حذاؤها كان بنفس اللون، منديلها أيضاً بنفس اللون ومحكمٌ حول رأسها بالطريقة التركية الشهيرة، عيناها واسعتان قليلاً، برموشٍ رفيعة حادة كأنها سيوفٌ قاتلة، وجهها يميل الى الاستدارة، يشبه وجه طفلة، خداها قطعة بسكويت، بشرتها سمراء كالقهوة الشقراء، شفتاها لوحةٌ لفان جوخ، شعرتُ بموسيقى تجتاح المكان، كأنها بحيرة البجع، وهنا تحول المكان إلى دلة قهوة، صاحب المكان صار هو تشايكوفسكي الذي يعزف سيمفونيته الخالدة، أو الهيل الذي يمزج نوعي القهوة معاً، أو هو القطار الذي يعود بي إلى الوطن.
لم أتجرأ على التحدث معها، لذا قلت للسيد هيل شخصياً: قل لها أن تأخذ طلبها.
فقالت الفتاة بأجمل صوتٍ سمعته في حياتي: لا لا أخبره أن يأخذ ما يريد إن كان مستعجلاً.
صار منظرنا سخيفاً أمام عيني الرجل، خصوصاً حين قلتُ له: أخبرها أني سأعتذر عن أسلوبي بعزومةٍ على فنجان قهوة الآن، وهنا.
فقالت له: أخبره أنني أقبل.
جلسنا على الكراسي الطويلة أمام ابتسامة السيد هيل الذي شاركنا الحديث كأنه ابن خالتي، ساعة كاملة لا أعرف كيف مرت، ثم وجدتُ أنني صرتُ أسيراً لصنفٍ جديد، يومها، وإلى اليوم، بِتُّ أعرف أن إدمان القهوة لعِب أطفال، أمام إدمانك لأنثى.