-الناي-
أنصِتْ لِنايٍ شكا للريحِ نَوحتَهُ،
فما بكى مثلُهُ في الناسِ ناعيهِ !
نايُ الغريبِ إذا غنّى، تحرّقَ من
ذكرى الديارِ، فهل بالوجدِ تُطفيهِ؟!
مذ بانَ عن دوحةِ الأحبابِ مُنفردًا،
جاءتْ صبابتُهُ تُبكِي مغنِّيهِ !
ما ضاقَ صدري ولكن ضِقتُ من جسدي،
فالعشقُ مزّقهُ.. حينًا ليُحييه
كلُّ امرئٍ حينَ يغدو دونَ مَنشَئِهِ،
يَرجو الرجوعَ، ويَبكي من يُناديهِ !
قد كنتُ في الناسِ أنعى غربتي ولهًا،
ولم أجدْ غيرَ مَن أهوى يواسيهِ !
أنا الغريبُ على الأبوابِ مُنكسِرٌ،
وحبلُ وجدِكَ ما أبقى دواعيهِ..
كلٌّ أتاني على ظنِّ الهوى فَهِمًا،
وظنَّهُ أنّني سرًّا أداريهِ!!
يا ويحَ من ظنَّ أني في غرامِهمُ،
أبديتُ قلبي، ولا قلبٌ أبدّيهِ!
مالي سِوى نَفَسٍ مُلقى على قَدَرٍ،
يهفو إليكَ، ويخشى أن تجافيهِ!
أُريدُ صدرًا بهِ أشقَاءِ لوعَتِهِ،
فالعشقُ لا يُكتَفى فالشّكو يُدْميهِ !
صوتي قريبٌ، ولكنْ لا يَعي أملي
إلّا فؤادٌ بهِ “الأنوارُ” تُحييه!
إني سكنتُ نواهيدًا تُرَجّعُني،
كأنّها نفثاتُ الحزنِ تشجيهِ..
أبكي ويعلم أنفاسي ويكتمُها،
كأنّهُ عاشقٌ والحب يبكيهِ..
لو كانَ في الخمرِ سِرٌّ فهو من ولهي،
ما سالَ في الكأسِ إلا حين أرقيهِ!
آهٍ لِلَحنٍ كأنّ النارَ أشعلَهُ،
ما ذاكَ بالنفخِ، بل شوقٌ يصلّيه!
النايُ لا ينفُثُ الألحانَ في جزعٍ،
إلّا لِقلبٍ جريحٍ في معانيهِ !
قد كنتُ في العاشقينَ الصِدقِ مُنْهَمِكًا،
وبالهوى الصّادقِ المحفوفِ بالتيهِ..
لا يَعرفُ العشقَ إلا من تَفَتَّتَ في
أعصابَهُ شوقُهُ حتى يعرّيهِ!!
إني رأيتُ الهوى نارًا، ومن عجبٍ،
أنّي بها كنتُ قربَ اللهِ أرجيهِ !
وكم من العشقِ قد صلّى على شفتي
وردٌ، وكانَ صدى الأوجاعِ يحييهِ !
يا قلبُ صبراً، فإنّ الشوقَ مهلكةٌ،
لكنّهُ السُّكرُ إنْ مسّت تجليهِ!!
ما بين نارين: عشقٍ لا أُطيقُ لهُ،
وصبر صوفيَّ تاهت في تَجَلِّيهِ
يا منتهى العِشقِ، قد زوّدتني عطشًا،
فاسقِ الفؤادَ لعلّ الوصلَ يحييهِ
إني نَزعتُ عن الدنيا تعلقَها،
حتى غدوتُ بلا شيء يمنّيهِ!
ما عادَ للناسِ في قلبي سوى صُوَرٍ،
كأنهم طيف حلمٍ لست أرويهِ!
علّمتني كيف يُمحى القلبُ من جسدي،
حتى غدوتُ خيالًا لا ألاقيهِ
أنا الذي في هواهُ البحرُ يسألني:
هل يُغرقُ الماءُ مَنْ يَهفو لساقيهِ؟
لو أنّني قطرةٌ من عِطرِ طلعتِهِ،
لذاب فيّ الندى عشقًا لأرويهِ..
ما بين وجدِك والأسرارِ أغسلُني،
كأنني طفلُهُ الملهوفُ أرجيهِ
يا من جمالك غيمٌ، كلُّهُ قَسَمٌ،
وتختفي كل رؤيا عند باديهِ..
فلا أمنّي سوى أنوار طلعتهِ،
حتى غدوت صدى للعشق آتيه..
النايُ يبكي، وفي أنغامهِ ولهٌ،
ينساب بين الدجى سرًا يواسيهِ..
يا ليتني رقصةٌ في موجِ جُبّتِهِ،
أو نفحةٌ سَكَرَتْ عشقًا لعينيهِ
أهيمُ فيك، فخذني حيثُ ما رحلوا،
فالعاشقونَ سكارى منْ تجليهِ
ما كنتُ أعرفُ دربًا غيرَ غفْرتِهِ،
ولا سكنتُ أمانًا غيرَ كفيهِ
إني سكبتُ فؤادي في تضرُّعِهِ،
حتى تفتّتَ شوقًا من معانيهِ
يا سائقًا نحو بحرٍ ليس يدركُني،
دعه يغنّي لعلّ الوجدَ ينجيهِ..
ما عدتُ أرجو سِوى برقٍ يلوّحُ لي،
يمشي على الشكّ والأنفاسُ تبكيهِ
قلبي تهاوى على أعتابِ هيبتِهِ،
مذ جرّدَتني يدُ الأشواقِ من تيهي..
فاغفر لِعبدٍ تجلّى في محبّتِهِ،
لم يعزف الناي لكن ناح خافيهِ..
١٦- مايو أيار- ٢٠٢٥