-في هجاء الليل-
حين التقينا، تلاقى الورد وابتسما
وغاب عنيَ جُرح العمر والتئما..
ففيكِ من وهجِ الأرواحِ أغنيةٌ،
تُذيبُ صمتي، وتُسقيني الهوى نغما..
عيناكِ شمسٌ، وفيها الليلُ منخمدٌ،
ووجهُكِ البدرُ لمّا أعرضَ الظلَما..
فما ابتعدتُ اختيارًا عنكِ يا أملًا،
لكنّه الليلَ قد أطفى المدى ظُلما!
يا ليلُ ما زِلْتَ جُرحًا لا ينامُ على،
قلبي، وتسكبُ في أعماقِه الندما!!
فيكَ السكونُ، ولكنْ خلفَهُ لهبٌ،
يمضي بقلبي إلى المنفى إذا عتما..
كم مرةٍ قلتَ: “هذِي رحلتي”، كذبًا،
وعدتَ تنفثُ في أحلامنا الألما..
ما عاد فيك سوى الأوهامِ ساجدةً،
يمشي إلى الحلمِ مذبوحًا ومنعدما!!
تأتي وتَغدرُ، لا نورٌ ولا أملٌ،
ولا رفيقٌ إذا غاصَ الأسى قَدَما..
كأنّك التيهُ لا يُرجى لعابرِهِ،
تَجُرُّ فيهِ الليالي ذيلَها ندما!!
تُنسي العيونَ بريقَ الفجرِ إن وجدتْ،
وتستبيحُ رؤى العشاقِ والنعما..
يا ليلُ، حسبُك ما ألفيت من تعبٍ،
ما ظلَّ في القلبِ غير الحزنِ مُلتحِما..
كلُّ الدروبِ إليكَ الآنَ مطفئةٌ،
فلا أمانٌ، ولا وجهٌ لنا بسما..
فاخرجْ، دعِ الشمسَ تروي أرضَنا أملا،
كفانا في صمتَك المخنوقَ ما ظلما..
كأنَّه الذنبُ يمشي في ملامِحِنا،
ويزرعُ اليأسَ فينا، ثمّ ما احتشما..
فدعْك من سحرِك المذمومِ إن بَهَروا،
وقد خبرنا خفايا الصمتِ حينَ نما..
تُغري الضعيفَ، وتُبقي الصحوَ في يدهِ،
ثم انتزعتَ رجاءًا دونه الحلما!
رأيتُ فيك التباساتِ الأسى أبدًا،
وما وجدتُ سوى الأوجاع محتكما..
كأنّ في قلبِك السوداءِ مجزرةً،
تُخفي البكاءَ، وتستجدي به الجرما..
تلوكُ ذاكرةَ الأيّامِ مُغتسلاً،
وتنحني فيه آمالُ الفتى ظمَأ..
فمن تُرى قبلكَ الباكي قد ابتسمتْ
له الجراحِ على وجهِ الهوى ألما..
كأنّ كلّ الدجى عبدٌ لأمنيةٍ،
وكلُّ ما في الدُّنى من حسرةٍ خَدَما..
تقدّمَ الوقتُ، لكنْ أنتَ في خُدعٍ،
تُعمّقُ الجرحَ، لا تُبقي سوى الوهما!
أنا الذي ما رضيتُ الصمتَ إن نطقوا،
ولا سلِمتُ لوجهٍ ما استحقّ سما..
تلوكُ صمتَ الليالي مثلَ مهزلةٍ،
وتستبدُّ، فتُبقي الحزنَ متّهما..
وكم خدعتَ القوافي حين تخبرهُ،
فصوّتَ الشعرُ مذبوحًا، وما علما..
فدعْ ملامحَكَ السوداءِ في سُدفٍ،
فما استطعتَ ارتقاءَ الحُبِّ متّسما!
وإن حسبتَ النجومَ الآنَ تُعجبُنا،
فأنتَ أبعدُ عن أن تُدركَ الجرما..
تزيدُ فينا جراحًا حين نغفُلكم،
وتوقظُ الحزنَ في أرواحنا ظلما..
وما الدجى غيرُ سجنٍ دون أسئلةٍ،
نضيعُ فيهِ، ونغدو للضيا فحما..
تلوكُ أعمارَنا ليلًا بلا هدفٍ،
وتزرعُ الشكَّ في الأحلامِ والقيما..
فيا ظلامَ المدى، إن كنتَ ذا قدرٍ،
فأطلعِ النورَ… إن النورَ ما انعدما!
ويا ظنونَ السُرَى، عودي لموطننا،
فالليلُ أطلقَ فينا الصمتَ مُلتثِما..
وما بقيتَ، سوى وعدٍ يُطاردُنا،
بخْسًا لِفجرٍ أبى أن يحنثَ القسما!!
٤-مايو "ايار"- ٢٠٢٥ #شعر
15 مشاهدة