ممتلئ بالفراغ ( وصف )
#غيث_جسري
كان الجسد مستلقياً على حدود الظل ، كأنه كُسر بين عالمين . عالمٌ يزنُه التراب ، وآخر تبتلعه السماء
لا هو من الأحياء ولا من الأموات ، بل من أولئك الذين أرهقهم السؤال حتى أصبحوا هم أنفسهم علامة استفهام .
كان صدره ممتلئاً بشيء لا يُسمّى ، كأنه تنفَّس اللامعنى حتى صار هواءه الخاص .
في ملامحه سكونٌ يشبه نهاية العالم، وفي عروقه نبضٌ يتردّد بلا هدف كأن الوجود لم يعد يراه أو كانه خرج من خريطة الأشياء ..
كان يجلس هناك ، في نقطةٍ معلّقة بين الضوء والعتمة ، حيث لا فرق بين الانطفاء والخلود ، ولا بين الغياب والحضور
إنّه ممتلئ بالفراغ ، امتلاءٌ لا يُقاس بالمسافة، بل بالوجع
امتلاءٌ يجعل الجسد ثقيلًا كالكواكب، والروح خفيفة كالرماد .....
كأنّ الكون قد دخل فيه ولم يجد فيه موطئ قدم ، فظلّ عالقًا في صدره، يضجّ بصمتٍ لا يُحتمل
الفراغ عنده ليس نفياً ، بل شكلٌ آخر من الكينونة ..
حضورٌ بلا ملامح ..
صوتٌ لا يحتاج إلى فهم ..
كلما نظر إلى السماء شعر أنها ليست بعيدة بل تسكنه ، تتكوّن من عظامه وتتمدّد في صدره كغيومٍ تبحث عن مخرج
هو لا يرى الغيم فوقه ، بل فيه هو نفسه الغيم ، وقد تلبّس هيئة الإنسان إلى حين ،
حين تراه تظنّه مستسلمًا ، لكنه في الحقيقة متصالح مع الفناء
لم يعد يريد شيئاً ، لا الخلاص ولا الندم ، لا العودة ولا النهاية
هو فقط ساكنٌ في انهدامه ، كما تسكن الحجارة صمتَ الجبال
لقد بلغ تلك الدرجة من الصفاء التي تذوب فيها الرغبة، فلا يبقى إلا ما هو أزليّ ، مجرّدٌ من الاسم والغاية ...
العينُ نصفُ مغمضة ، كأنها ترى ما بعد الأفق، أو كأنها أدركت أن الرؤية نفسها عبث
......
اليدُ المتدلّية على الأرض تذكّر بأن الجسد لا يزال هنا ، رغم أن الروح هجرت المكان
والضوء الذي يلمع على صدره ليس انعكاسا للشمس ، بل أثرا من فكرةٍ قديمةٍ عن الحياة.
ربما لم يكن هذا الكائن يبحث عن معنى ، بل عن راحةٍ من المعنى .
فالمعنى، حين يطول ، يتحوّل إلى قيد ، والفراغ وحده من يمنحه الحرية الحقيقية.
إنه لم يمت، لكنه تجاوز حدود الحياة صار فضاءً صامتا ، محشوّاً بالضوء والعدم في آن واحد ......
وفي هذا التناقض وُجد جوهره
أن يكون ممتلئاً بالفراغ ، وأن يظلّ قائما رغم تلاشيه ، وأن يعيش في قلب غيبوبةٍ كونيةٍ لا بداية لها ولا نهاية
لقد صار مرآةً للسماء ، وجسدا من نَفَسٍ تبعثر في المدى ، وعينا ترى ....
....
ترى ...
....
لا لا لا ترى شيء ...
ومن هناك ، من عزلته الأخيرة ، أدرك أن كل شيء يعود إلى صمته الأول.
أن كل امتلاءٍ ينتهي بالفراغ ، وكل فراغٍ هو امتلاءٌ لم يُفهم بعد
فابتسم ابتسامة خفيفة، وترك جسده للظلّ ، وترك روحه تسبح في زرقةٍ لا يحدّها سوى النسيان .....
–غيث جسري 🖊📄

149